الأستاذ….” ملف خاص “عن نجيب محفوظ (2)

الجزء الثاني

نجيب قلادة النيل

المحتويات

أولا: فن كتابة الأحلام، تأسيس نظري. سيد الوكيل

     : أحلام نجيب محفوظ. د. ذكي سالم

ثانيا: سينما نجيب محفوظ:

( شريف الوكيل.. أهل القمة – د. مصطفى الضبع .. العناصر السينمائية في روايات نجيب محفوظ – السينما المكسيكية ونجيب محفوظ )

ثالثا: قصص من نجيب محفوظ:

“لقاء خاطف – ثمن السعادة – حزن وسرور – مدد – من أصداء السيرة الذاتية – الطاحونة – مندوب فوق العادة “

ثالثا: مساحة حرة

” أشرف عبد الشافي، “محفوظ وكرة القدم” – سمير الفيل “طبيعة الصراع في القصص القصيرة لنجيب محفوظ “- عاطف محمد عبدالمجيد ” تجربة نجيب محفوظ عملية عبور واسع للنوع “، – د خالد عبد الغني ” رادوبيس بين نجيب محفوظ ومحمود قنديل ” ، شريف الوكيل”  الأستاذ  – فتحي إسماعيل ”  نجيب محفوظ حارس حارتنا  “-  محمد محمد مستجاب” المكان حينما يتواطأ مع المقهورين”  – محمد بركة “حرافيش نجيب محفوظ “- “بروفايل.”. بهاء الدين حسين- زينب عفيفي ” الحوار الأخير “حوارمع ابنة محفوظ” منه الله الأبيض – “آفة حاراتنا النسيان”. سيد الوكيل – “محفوظ الذي قرأته”السيد شليل – ” برلمان محفوظ”  سعيد سالم  – كاتبة يونانية تعيش مع شخصيات نجيب محفوظ

68366f38-8330-422d-8fe4-dac3db6bc064

فن كتابة الأحلام..تأسيس نظري

سيد الوكيل

سيدالوكيل 2

إذا نظرنا إلى أحلام فترة النقاهة، سنرى أن الرغبة في سبر الواقع الداخلي للإنسان، الذي يتجاوب مع المعنى الواسع للواقعية الإنسانية. يتشكل في صور مختلفة، تومض على نحو غامض في ثنايا النص الإبداعي سردًا وشعرًا، وتصوفًا، وفلسفة.. إلخ. لكنه ينتهي إلى شكل أدبي جديد ومستقل، بل ومتفرد بذاته في نهاية رحلة الجمال المباركة عند نجيب محفوظ” إن النشاط الحلمي المتميز، يمكن أن يعتبر نوعًا من الإبداع في ذاته، إذا وسعنا تعريف الإبداع بما يستحق”[1](1). كما أن الحلم من إبداع الحالم، وهو الذي يحدد حبكته كما يذهب إريك فورم.

استمر في القراءة الأستاذ….” ملف خاص “عن نجيب محفوظ (2)

Sponsored Post Learn from the experts: Create a successful blog with our brand new courseThe WordPress.com Blog

WordPress.com is excited to announce our newest offering: a course just for beginning bloggers where you’ll learn everything you need to know about blogging from the most trusted experts in the industry. We have helped millions of blogs get up and running, we know what works, and we want you to to know everything we know. This course provides all the fundamental skills and inspiration you need to get your blog started, an interactive community forum, and content updated annually.

وسط الزحام…قصة: محمد المخزنجي

امرأة نحيفة متلففة بالسواد تحمل سلة على رأسها في زحام الشارع التجاري الكبير، كأنها تراني بظهرها، وكأنني أطاردها وهي تهرب مني، إذ كلما اقتربت منها، عفوا، وأنا مسرع في طريقي، تسرع، تروغ مبتعدة، وتداري عني وجهها.
إنها أمي!

استمر في القراءة وسط الزحام…قصة: محمد المخزنجي

نهاية المدى قصة: حاتم رضوان.

لم أره إلا مبتسما.

ليست نفس الابتسامة، كل مرة أرى فيها معنى مختلفا، إشارة ما، رسالة محددة يريد أن يبعث بها.

يخاتلني بين فترة وأخرى وجهه المستدير أبيض ومتوردا يمتلئ بالحياة، تحيطه لحية بيضاء مرسلة وتكلله هالة من نور خفي.

رأيته مرارا في شارع السوق، تتدلى من يده مبخرة نحاسية لامعة، يخترق الزحام في يسر وتؤده،يلتقط بأصابعه البخور وعين العفريتمن جراب يحمله على كتفه، يتطاير الدخان عاليا وكثيفا، تُعبق رائحته العطرة الهواء بطول الشارع، ويمضي لا ينتظر عطية من أحد.

        المرة الأخيرة جلسنا في بهو الانتظار الفسيح ذي الحوائط العالية موزعة فيها لوحات عالمية من عصور ومدارسمختلفة، وأمامنا شباك عريض على جانبيه عقدت ستائر مخملية،يفتح على البحر والسماءالممتدة في المدى البعيد.

ابتسم لي كعادته، ليست نفس الابتسامة، وقال لي: أفرغ حقائبك وأعد أشياءك حيث كانت.

        يأتيني صوت الموج من بعيد هادرا وجليا، يختلط بأصوات عديدة،حفيف أوراق أشجار كثيفة ومتشابكة، تخترقها نسمات ما قبل الفجر الندية، صفير حاد لحشرات ليلية تنتظر النهار، لتختفي داخل جحورها، عواء كلاب لا ينقطع، تواشيح تأتي خافتة من ميكرفون جامع في مكان ما من مدينة أو قرية نائية. أتساءل: أين أنا؟ المكان مشوش وغائم، أخمن وأقلب الاحتمالات على كل وجه دون أن أصل إلى إجابة عن سؤالي، رأسي ينتفخ بالأوهام: صحو، منام، حقيقة، حلم، حياة، موت.

مدينتي ليس بها بحر، فقط نهر هادئ بلا موج يشقها نصفين، نصف عشت فيه حياتي، ونصف كان حقولا خضراء تمتد حتى الأفق، وصار أبراجا وشوارع بلا ملامح.

        كنت أنظر إلى عينيه الصارمتين، وابتسامته الآمرة، يعيد عليَّ كلماته: أفرغ حقائبك وأعد أشياءك حيث كانت.. لديك متسع من الوقت. أدقق في ملامح وجهه أستعيد سنينا طويلة مرت كلمح البصر نفس الوجه واللحية البيضاء، عم إبراهيم المجبراتي تعدى الثمانين عاما يرد كوعي المخلوع، سقطت عليه وأنا أقفز من أعلى السور، علت صرخة طفل لا حول له ولا قوة وهو يشد ذراعي المخلوع،يفرده، ويدلكه بزيت السيرج، يقوم بتجبيره بالشاش والدقيق والبيض،علقه في عنقي وهو يبتسم لي: كله تمام.

        كنت في حضرته لا أستطيع أن أخفض عيني عن وجهه، تشدني إليه تلك الهالة النورانية حوله، سألته: أين أنا؟ صمت طويلا، ثم هز رأسه: دنيا الله.

        بعد إلحاح أطفالي وبتحريض خفي من زوجتي قدمت طلب حجز رحلة المصيف، تنظمها المصلحة كل عام، لحقت بالشاليه الأخير لآخر فوج، سهرنا نعد حقائبنا قرب الصباح، نزلنا أنا وزوجتي نجر أطفالنا الثلاثة نصف نائمين، وفي الميدان الواسع كانت أتوبيسات شركة باراديس ترافل تنتظرنا بجوار شركة بيع المصنوعات المصرية،تحملنا إلى المنتجع السياحي بالساحل الشمالي،طول الطريق كنت منهكا، تنتابني إغفاءات متكررة، وكأن وجهه مرسوم فوق الماء يتموج، يظهر لي ثم يختفي.         أسترجع المصادفات التي رأيته فيها، نفس الهيئة انطبعت في ذاكرتي، جلباب لا أذكر له لونا، لكنه مكوي ونظيف، تكسو رأسه طاقية حرير بيضاء، تذكرني بتلك التي أهدتها لي أمي عندما عادت من الحج.

تلتقي عيوننا دون كلام، فقط يبتسم لي كل مرة ليست نفس الابتسامة، يهيأ لي أنه يريد أن يبوح لي بشيء، ينطق بكلام يقف على طرفلسانه، يسدي لي بنصيحة ما، لكنه يمضي في صمت يلفه الغموض.

        أدين له بحياتي، لن أنسى جذبت يد ذراعي من الخلف بقوةـأشعر بضغط أصابعها إلى الآن، لتمرق سيارة مسرعة بجانبي، يسفع وجهي الهواء الذي خلفته وراءها، استدرت، كان وجهه الأبيض المدور المتورد تزين شفتيه ابتسامة لائمة: سرحان في إيه؟!!

        أفيق، زوجتي إلى جواري نائمة، تستند برأسها على كتفي، وعلى المقعدين أمامنا أطفالنا الثلاثة نائمين في عالم آخر. أفتح هاتفي المحمول، أقلب صفحتي على الفيس بوك، فجأة تظهر لي صورته ضمن شريط أناس قد تعرفهم، استطلعت صفحته، كان بيننا مئات من الأصدقاء المشتركين، ولم تحمل خانة الصور غير صورة البروفايل، امتلأت صفحته بمناظر طبيعية لزهور وأشجار وبحيرات تتخللها آيات قرآنية وأحاديث نبوية وإصحاحات وأسفار ومزامير وحكم لكونفيشيوس وغاندي، وجدتني دون إرادة مني أضغط طلب صداقة.

        تعاودني تهويمات اليقظة والنوم. أصرخ في زوجتي: احزمي حقائبنا.. سنعود غدا.

انتهت الرحلة أم ماذا حدث؟!! أدفع باب الشاليه ورائي، أمشي بحذاء الشاطئ، أفكر في لا شيء، أشعر بنفس اليد ونفس الأصابع تجذبني من الخلف، لكن هذه المرة بحنو وعطف، اصطحبني معه داخل البهو، جلسنا متقابلين، وكان الشباك العريض الممتد مفتوحا على البحر والسماء وشمس حمراء بعيدة تغطس عند نهاية المدى، نظرت إلى عينيه، كانت نظرته تمتلئ بالمحبة والحياة، ربت كتفي وقال لي:

أفرغ حقائبك..

وأعد أشياءك حيث كانت..

لديك متسع من الوقت..

تنفس يود البحر.. واسبح فيه كيف شئت..

الماء ساكن..

والموج محبوس خلف المصدات العملاقة..

فقط استمع لوشيشه..

وتمتع بأيامك حتى ميعاد العودة.

التمثال…قصة:أسامة علام


فى مدينتنا تمثال أسطورى لإمرأة حزينة. صنعته طبيبة و نحاته فرنسية مغمورة. تقول حكايتها، بأنه بعد أن أسر رجال قريتها قائد الألمان المريض. أحاطته بكثير من الرعاية و الصبر. فنجى العسكرى البائس من الموت. و كهدية عرفان بالجميل، أطلعها على خطة تدمير قريتها المحاصرة. و لأن القدر أراد لهذا التمثال الرائع أن يكون. تطوعت ابنة الطبيبة الوحيدة بعبور الغابة. لتحمل الخطة الى الجيش الفرنسى الرابض على الجهة الأخرى. فتنقذ القرية و تموت بطلقة غادرة من الخلف. يقال أنه بعد تحرير القرية، أصاب الأم الجنون. فتركت الطب و تفرغت لنحت هذا التمثال العجيب. يقال أيضا أن روح الأم تسكن جسد التمثال. كتفسير وحيد لدموعه المتساقطة عندما يحتضنه الأطفال.

الجدران التي تسقط بين يديها وثمرة اليوسفي :أماني فؤاد

تناهى إلى سمعها خطوات ثقيلة، وأصوات خشنة. كانت بجوار التليفزيون، الذي لم تنتبه لما يعرضه منذ ساعات، يقضمها القلق قطعة تلو الأخرى؛ حتى ظنت أنها تلاشت، ترتدي طرْحتَها وتهبُّ واقفة، كلما تحركتْ خطوة نحو الباب؛ كانت يداها كأنها تتفادَى موجودات من أمامها، كأن هناك ما يعوقها أو يعرقلها، تقف خلفه بينما تتصاعد دقات قلبها، وترتجف أوصالها، تُلقي شفتاها – قبل أن تفتح – ما حفظتْه، ثم تكرره في مواجهتهم: “ليس في البيت، ولم أره منذ الصباح الباكر” ردَّدتْ ما قررتْ قوله منذ علمتْ أنهم يبحثون عن “لعبة”؛ ابنها الأصغر.
حين فتحتْ؛ وجدتْ الرجُل الذي شج ابنُها رأسه، واثنين من أمناء الشرطة، اللذَين اقتحما المكان، قال أحدهما: لدينا أمر بالقبض على (طارق مصطفى الشردي) الشهير بــ”لعبة”.
“لا أحد هنا” قالت.
كانت قد تعاركت مع ولدَيها الآخَرَين، وأصرت على أن يتركا البيت خوفا من أن يُلقَى القبض عليهما حين لا يجدون “لعبة”؛ المطلوب في قضايا تعدٍّ سابقة، وتعاطي مخدرات، أو ربما يرشدان عن مكان أخيهما كما هدداها، كانا قد فاض بهما الكيل هما والبنتان؛ المطلَّقة وأولادها الثلاثة، والأخرى التي في سبيلها للانفصال، ضاقوا بكل ما سبَّبه لهم من فضائح ومشكلات، لطالما تعجبتْ من أين يأتي أولادها الخمسة بكل تلك القسوة والجفاء، بكل هذا التخبط والضياع!؟
منذ ولدته تسأل نفسها، كل يوم، فيمَ أذنبت؟ ولماذا هو – دون إخوته – تحيط به كل تلك المصائب؟ شيء بداخلها يبحث له دوما عن عذر، لطالما شعَر أولادها أنها تبرر كوارثه، يتهمونها بتدليله حتى انفلتَ عياره!؟
منذ أن نادَوه في الحارة “لعبة”، وهو في السادسة من عمره؛ تكثف – ما بين رموشها والحياة – ضباب لا تعرف نوعه، لكن ما تعرفه أن الصور أمامها صارت تائهة. وعندما أخذتْه للطبيبة – التي تعمل لديها، حين أتم الثالثة عشر – سقطتْ قضبان حديدية بين عينيها والأيام، بينها وكل الأشياء، قالت – بعد أن ظلَّتْ تتحدث معه لأكثر من ساعة – إن لديه نزوعا نحو العنف، وأشارت إلى ملامحه: شكل حاجبيه، ونظرات عينيه المتوجستين، وفمه الساخر، صوته الخشن الذي يصوب شتائمه للجميع، طمأنتها دون أن تنظر في عينيها وقالت: إنه لم يزل صغيرا، حدَّثتْها عن البيئة المناسبة، وأنها هي التي تحدد المستقبل، نصحتها أن تُلحقه بمدرسة داخلية، وحبذا لو كانت عسكرية. صمتت الأم؛ فمنذ سنتين امتنع عن الدراسة، ثم من أين تأتي بالمصاريف، كما تلزَمها واسطة لإنفاذ نصيحتها. شعَرتْ أنها تبالغ، فلقد أشارت إلى تغيرات تحدث بكيمياء المخ لدى بعض الأفراد. هي على الأرجح تحسدها على أولادها الذكور الثلاثة؛ لأنها لم تنجب سوى بنتين، أي كيمياء هذه التي تتحدث عنها وهم يأكلون جميعا من نفس الطعام!!
قررت أن الحل في حجاب الشيخ أبي المعاطي؛ ستصحب ابنها الأسبوع القادم إلى القناطر الخيرية، بعد أن توفِّيَ نذور الولي.
كانت لا تطيق إخوتَه أو أباه – قبل موته – حين يصرخون في وجهه: أنه لن يفلح، وأن مصيره الطبيعي في سجن القلعة. هل يمكن أن يولد طفل شقيا هكذا دون إخوته!؟
منذ السادسة من عمره كان يسرق من نقودها وسجائرها، وحين تواجهه؛ يقول متحديا: افعلي ما بدا لك، لا أحد يستطيع أن يمنعني. حين بدأ يستولى على مصروف إخوته وزملائه؛ كانت كلما غفت؛ رأت أسياخا ملتهبة – كأسياخ الحاتي – تقترب نحو عينيها فتُذهب نورهما.
منذ أيام وجدتْ قطعة من الحشيش في جيب بنطاله، كان قد أقسم لها أنه لم يعد يتعاطى شيئا، قال إنه عرف صعوبة كيف تأتيهم بلقمة العيش منذ اشتغل بمغسلة السيارات، وأقسم أن ينقذ جسدها الضئيل من الخدمة في البيوت، بين الأتربة ووساخات البشر، حين تتوافر في يده الأموال.
فتشت دولابه وغرفته، مسحت المطبخ وتحت الأَسِرَّة، لم تجد شيئا، في الليل انتبهت لكرتونة ملفوفة جيدا بلاصق، يصعب فَضُّه، خبأها في الشرفة، ربما فقدت النطق لسويعة، وقتها شعرت أن نهايته قد اقتربت، وأنهم لن يتركوه، لو عرف أولادها أنه يخزِّن بضاعة في البيت الذي يأويهم جميعا؛ سيطردونه. لزمت الصمت إلى أن عاد؛ فأخذته ونزلت بعيدا، سألته عن الكرتونة، قال: لا شأن لكِ بما يخصني.
ادَّعتْ تخلُّصَها منها؛ فأوقعها أرضا، وانهال عليها ضربًا وركلاتٍ، صرخ في وجهها، واعترف أنه يتاجر في الصنف، وأنه لم يعد يعنيه سوى النقود، وأنه يكرهها ويكره إخوته. هددها أنه سيذهب إلى القسم؛ ليعترف ويسلِّم نفسه؛ ليستريح من الحياة معها ومعهم.
لملمت جسدها المتضائل ونهضت، حين عادت إلى البيت؛ لم تجد الكرتونة التي أخفتها، سمعته يتحدث في هاتفه عن سَفره؛ ليوزع ما بحوزته، كانت أصابعه تلِفُّ سيجارة محشوة، وهو يُقسِم لأحدهم أنه خلال سنتين فقط سيصبح أكبر تاجر وموزع في المنطقة.
حين نزل أمناء الشرطة؛ تكورت على فِراشها، اندهشت حين رأت أربعة جدران تهبط من سقف الحجرة؛ تغلق الوجود حولها تماما، إلا مسافة جسدها، حاولت أن تلتقط أنفاسها بصعوبة، تُمسك بهاتفها لتبحث عنه، تحاول أن تستدعي أولادها، لا شيء ولا أحد، هي الأسياخ الملتهبة، ومساحات من البياض الممتد..

كل الأماكن .. قصة :حمدي النورج

لا أحب الإيحاء أو الترميز حتى لا أترك للأذهان وقتا للتفسير أو التأويل. لا أحب أيضا أن أقول إنك أجمل سيدة ارتدت فستانا أبيض وآمنت بروعة الألوان . لا أحب أيضا أن أقول إن عمرنا لن ولن ينقضي وأننا أسياد الأماكن كلها. يا أيها التائه البعيد المقيم في جوف الجبل صوتك مسموع كصوت نوح. يا كارهي الظل أنا لا أكتب لكم قصة أو حكاية. مجاوزة حد القول تعني الإسراف . ثلاثة رجال خرجوا من بار عميق داخل فندق حديث. قال الأول الدنيا في لون وردي كحبيبتي. وقال الثاني حبيبتي بعيدة كالقمر ولا أراها. وقال الثالث الحب ليس إنتاجا عصريا . مرت سيارة فلم تتوقف .

وطلع النهار وأمطرت الدنيا. وقالت أمي التي احترفت جدل الحكمة وهي صغيرة . كنا نجمع كل حجر آبق من الجبل لنبني به فرنا بفوهة حادة تلتهم الحكايات. أفهمت كيف يكون الحكي يا حكيم بيتنا النائم…. تقول الحكاية أيضا إن الوقت لا يمر لأن السيدة العجوز التي هجرتنا أقسمت على سرقة أعمارنا. ضحكنا . قلنا ما هذا الخبل تسرق العمر. قال أحد المثقفين سرقة العمر تعني الموت. قلنا إلى هذا الحد كانت هذه السيدة تكرهنا . آمنا بالكرم وعشنا يا سادة أعواما وأعواما . كلما يأتي عام جديد نجتمع على رأسه . نتندر ونقول كانت تريد سرقة أعمارنا ما أشجعها. في جوف الجبل كانت العجوز تحصي أعمارنا يوما بيوم . ونضحك. همست لحبيبتي ضاحكا لقد كبرنا . سرقت العجوز العمر كما وعدت.أسراب الحمام تحوم فوق جبل العجوز. النسوة يتلصصون عن الأعمار . في ليلة مسكونة بكل ألوان الحب قالت وهي تضحك ليس في هذه الدنيا ما هو أجمل مني ..أرأيت شعري السبساب الفاحم .

(السرد القصصي ظاهرة تتجاوز مجال الأدب بكثير ، فهو أحد المقومات الأساسية لفهمنا للواقعميشي) ميشيل بوتور

إنشاء موقع مجاني على ووردبريس.كوم
ابدأ
%d مدونون معجبون بهذه: