بقلم: دكتور مجدي توفيق
دراسة ملحقة بمجموعة قصص ( أيام هند) عام1990م
- حاول ويدوسون في كتابه “علم الأسلوب وتدريس الأدب” أن يضع علم الأسلوب موضعًا وسطًا بين الدراسات اللغوية التي تغلب على تشومسكي وهاليداي، والدراسات النقدية الخالصة. وتعد أمثال هذه المحاولة تجاوبًا مع هم رئيسي لعلم الأسلوب. ومن السهل أن نتفادى التورط في هذا الهم باللجوء إلى التعريف الشائع للأسلوب بوصفه الخاصية المميزة للتعبير نثرًا وشعرًا، لكننا عند قراءة نص أدبي سوف نضطر إلى أن نقول بحسم ما يقال أحيانًا من أن: الأسلوب مقولة جمالية. ولعلنا نحاول شيئًا في هذه السبيل بقراءة مجموعة “أيام هند” لسيد الوكيل بحساسية لغوية نقدية، نأمل أن تكون كافية لكي تكشف قدرة الأسلوب بوصفه ظاهرة لغوية جمالية على تأسيس جماليات متنوعة للنص الأدبي، تعد، في نهاية التحليل، وجوه الخبرة الجمالية الاجتماعية التي يمتلئ بها النص، وتفضى بمكنون خطابه.
- تبدأ قصة “حنجل” بهذه الفقرة:
“في غير رمضان، كان يدق إيقاعاته الرتيبة فيسأله الناس عن الميت… وكان ينطق بالاسم ببساطة ولا يتوقف عن الدق، ويسألونه عن السبب فيفكر ويقول … أمر ربنا، وكانوا يتلقون الإجابة، يقنعون بها ويمضون، يمصمصون شفاهم البيضاء بذعر، ويمضي هو، يدق … يدق … يدق، وتجري أقدامنا الحافية الصغيرة وراء الدقدقات المكتومة، نهرش رؤوسنا، ونبصق في عبنا، ونضحك في سرنا على طبلته العتيقة التي يضيع صوتها في زعيقنا خلفه من زقاق لزقاق.
يا حنجل يا وش القملة مين قالك تعمل دي العملة”
تعتمد الفقرة على الجملة الطويلة غير المعقدة، تؤسس، بأدوات العطف، وترابط المعنى، وسلاسة الحياة. ويرتبط هذا البناء للجملة بالفعل الدال على المضي: كان. يقذف هذا الفعل بالعالم إلى الماضي، وينهض في الخطاب علامة على جماليات الاستحضار. نجد كان بدلالة الماضي يتلوها الفعل المضارع: كان يدق – كان ينطق – كانوا يتلقون، فيتداخل الماضي مع الحال، ويحضر الغائب حضورًا كالغياب. وتمثل صيغة “كان + المضارع” نمطًا أسلوبيًا في خطاب المجموعة يجتهد في استحضار ما غاب عن الوعي الجمعي. والفعل “كان” له حضور لافت في المجموعة، تجده في جميع قصص القسم الأول – عدا “زينهم” – وتجده في “رجل وامرأة”، “اجتياز”، “الذي لا أعرفه”، “دائرة الصبار”، “احتفال”، “كارتون”، “امرأتان”، “البركة” أن حضور الفعل (كان) جاء متأخرًا. حاول النصان أن يؤسسا تعاطفًا مع اللحظة قبل أن تقوم العلامة: كان، شاهدًا على انطفائها. ذلك أن المستحضر في الخطاب قد يكون وجهًا، أو لحظة ما. أما فواز فهو وجه لأبطال العبور البسطاء، استعادته القصة،واندمجت في عالمه، حتى ظهرت «كان» فنقلته الى عـالم الذكرى، واشاعت جوا من الأسى لضياع هـذا الوجه من واقعنا الحي، وأخذت البركة تقيم تعاطفها مع لحظة التأمل من وراء النافذة المرأة والرجل في الطريق، ثم نلمح “کان” كأنها تحاول أن توحي بأن هـذه اللحظة التي يبعثها الخطاب لا يمتلك الوعي أسرارها كالماضي البعيد الذي أغلقت عليه الذاكرة رتاجهـا. وظهـور كان وغيابها، مثل ضميري الغياب والتكلم في السرد، وجهان لجماليـات الاستحضار التي يحاول الأسلوب – ببساطة، وخفاء – يؤسسها في نسق قصص واقعي بسيط مألوف.
فاذا عدنا الى فقرة «حنجل» السابقة تستطيع أن ترى الوجهين يمثلان في العلاقة الثنائية المتوترة بين المغيب: حنجـل، والحاضر: النـاس، وبين اهتمام النـاس بـه اول الفقرة، وانصرافهم عنـه آخرها، وبين حالتي الذعر والسخرية المشار إليهما. هذه التقابلات تكشف عن مصير حنجـل وسقوطه من الحضور في الغياب. ويقـوم الخطاب القصصي مقام الوعي الجمـاعي المنشود فيستحضر حنجـل المنسي.
وشبه الجملة الذي بدأت بـه الفقـرة لـه ايحـاؤه اللافت، فنحن نتوقع أن يقـوم حنجـل في رمضان بعمـل المسحراتي، لكن ايقاظ النـاس يجب اغفاله؛ فلا أحد يستيقظ وعيه؛ الجميع ينسى. وفي موسم الحصاد يذكـر النـاس حنجـل، لكنهم يذكرونه لأن مأمون قرر ألا يعطيه كيـلة الذرة المعتادة. ينكرونه لكي يدفعوه دفعة جديدة نحو النسيان. من هنـا تغافلت الفقرة ايقاظه للناس، وربطته بالموت ـ انـه يعلن الناس بالموتى، وهـو لهذا كـريه محبوب، ضرورة لا يسعى اليهـا احـد. ولا تكتفى الفقرة بكلمة «الرتيبة» بـل تكـررالفعل يدق،والدق، خمس مرات، لتكون كالموسيقى الجنائزية، نوحى بمقدم الموت. حنجـل مرتبط بالموت، والموت يحف به: الموت الاجتماعي والفيزيقي معا وليس بعيـدا عن هذا الموقف ذلك الظهـور للعامية في النسق الفصيح في«عنا»، وفي غناء الأطفال، يجعل اللحظة أكثر حضـورا، داخـل نـسـق لـغـوى مخالف، قائم على نسيان العامية، لا استعمالها. ومن تتمه الموقف هذا النص:
«وبقي حاملًا عمره الكئيب المزمن فوق ظهره المحنى كأنف يهودي وهو ينزل به الى ظلام، يستقبل رأس الميت ناحية القبلة، ويسندهابشقفتين، واحـدة عن يمين وأخـرى عن يسار ليبقى شاخصًا لوجـه ربـه،ويقرئ ملك الموت السلام كما هو واجب، لكن الملك المهيب الطلعة المشرق الوجه كطاقة القـدر كان يبكي فعرف حنجل أن للملك قلب بنت صغيرة محبة، وفهم الذي في عيني ملك الموت الحنون فاستبد بـه حـزن داكن صموت كعينيه، واعتكف في حجرته ينتظر زائره».
وتقـوم «بقي»(الاستمرار في الماضي) مقـام كـان والجملة طويلة محمولة على بقي، فيها «تستقبل» حـال منها، و «يقرئ» معطوفة عليهـا، وخبـر المـلك مستدرك به عليها كذلك. ومع أوصاف مباشرة مثل: الكئيب، المزمن،المحنى،ظلام،المهيب،المشرق، يزداد الموقف وضوحًا. وتظهر كان مع بكاء الملك تستعيد صيغةالاستحضار: كان + المضارع. ولحظـة بكاء الملك لحظة نادرة متميزة، لكنها تدخل تحت تأثير بقي في انحراف أسلوبي. ووجـه الانحراف أنه لم يشر الى تميـز اللحظـة بأية اشـارة تخرجها من استعمال «بقي» بمعنى ظـل واستمر (وهو استعمال غير فصيح أو ـ على الدقـة ـ شــائع في العامية). بهـذا خلط الأسلوب الاستثنائي (بكـاءالمـلك) بالمعتاد (كآية حياة حنجل)، فكشف لنا غموض الزائر المنتظر، وحدد المصير.
لقد اغتال حنجـل انبهارنا بأداتين من أدوات التحضير: منبه وميكروفون، فمات الموتين معا: الاجتماعي فالفيزيقي. والخطاب القصصي يحاول ـ في همس ـ أن يستحضر هذه الخبرات التي تموت في وعينـا.
۳ ـ تبـدأ قصة « نظرية الاحتمالات » بهـذه الفقرة !
«على خشـب البـاب، ثنى احدى ساقيه، وأسند ظهره. رحلة القلق تبـدأ مع تلك النظـرة طويلة المدى، فكر أن المسألة لا تستحق كل هـذا. حكاية عـادية تحـدث كل يوم لي أو لغيري. تبـدأ في الشارع.. تلك البداية التقليدية.. كيف ينهى الآخرون حكاياتهم؟)»
ههنا تظهر الجمل القصيرة. الأولى ذات فعل ماضي راصـد لسلوك الشخصية المشار اليهـا بضمير الغيبة. الثانية جملة اسمية تصدر عن صـوت الخطاب القصصي في تعليقه على السلوك. والثالثة تعود لنمط الأولى راصدة فكرة لا حركة. ثم يأتي صـوت الشخصية. وهكذا يؤسس الخطاب تعددا صوتيا تتغير معه نبـرة القـراءة بسرعةوإيجـاز فيؤسس جماليـات القـلق. وتستطيع أن تقـرا هـذه الجماليات في «خـرير»:«فتـح البـاب بحرص، انسابا في الداخـل بـرفـق، بنفس الحرص انغلق ألبـاب، على المنضدة، ثبت الشمعة …»، جمل قصيرة فعلها مــاض. وفى «الشـاروقة» يبـدأ بلحظـة استيقاظ مع الفجر، يتناول فيهـا أربعة أشخاص:الأم،خديجة، رجب، حسن، في جمل فعلية قصيرة ذات فعل ماض. ثم يسلم الخطـاب نفسه لأصوات الأربعة تتحـاور بعد أن شق جمال لحظات الفجـر بذعـر خديجة لتوهمها فـأرًا في العجين. وما أن ينتهي الحـوار الى أن يسكب رجب «المتدين» العجين المحرم لأن فيه ميتة، حتى تظهر صيغة الاستحضار: كان يفعل. تسعى الى تثبيت اللحظة. هنا ندرك أن جماليات القلق التي تقوم على جملة الفعل الماضي القصيرة، مع التعدد الصوتي، متصلة بجماليات الاستحضار، أو هي تعقيد وتعميق لها. من هنـا مضت «نظريةالاحتمالات» فيما أسمته: “رحلة القلق”، تمزج جملة الفعل الماضي التي تصف حركات الشخصية القلقة، بالحوار مع الصديق الطبيب، بمشـاهد مستعارة من العلاقة العابرة بالمرأة التي لا يدري هـل أنجبت منه أم لا؟
وإذا كانت الجماليات الأولى تحـوم حول فكرة الموت الفيزيقي والاجتماعي، فان الجماليـات الثانية تحوم حول قلق التواصل، فيغدو الجنس قسيما لها. وعلى الرغم من أن الجنس في الشاروقة اشارة عابرة الى احتلام حسن، الا أن تهدد العلاقات الأسرية في تصادم القيـم بين التشدد الديني وفقر الواقع، يشير الى أزمة
المتواصل، وهي المراد من الجنس، ووظيفته البلاغية. وفي «خرير»نقرأ:«أمسكبكتفيها، فتراخت على حرف المنضدة، تضـاخم ظـل واحـد بلا معالم …». يلجأالخطاب الى صيغة تفاعل الصرفية:تراخت،تضاخم، لأنه بصدد تواصل. ثم يجعلهمـا ظـلا واحـدا، وينفى عنه المعالم امعانا في التداخل. ويجعل الظـل نكرة كأنه كيان غامض لا نعرف صاحبه؛ فهو تواصـل تـام تذوب فيـه الفرديات. لكن صـوت المنضدة يحدد قلقهما وخوفهما. وتراخيهـا «علىحرف»المنضدة، يوحي بأن التواصل قلق. وإطفـاء الشمعة، آخـر القصـة، لن يمحـو القلق. اننـا أمـام خـرير، أي علاقة تواصـل تحـاول ان تنساب كالماء الهامس، لكنها ترتجف
4 ـ تبـدأ قصة « زينهـم » بهذه الفقرة:
«في ضيق الحجرة المظلمـة يتحسس بقدميه، ويدوس اللحاف الملطخ ببقع لزجة، مجهـولةالتاريخ، فتفوح روائح قديمة، وتتناثر نتف قطن داكن، وتذوب في العتـام».
هذه الجملة الطويلة المترابطة تقـوم على الفعل المضارع يحاول أن يؤسس جماليات معايشة اللحظـة، ومعهـا تـغـدو التفاصيل الدقيقة حيـاة كاملة. وهـل يملك زينهم الا اللحظة؟ يندفع الخطاب عبر الأفعال المضارعة يصف المكان، وحركات زينهم، وحركات الفرس، وتتضـام التفاصيل معا لتنصهر في عـالم وأحـد، تاريخـه تاريخ اللحظة لا الزمن الممتد. ولا يفوت القارئ أن يلحـظ الظرف «حين» يتكرر في القصة، يمسك باللحظة. ولا يفوته قوله عن صرير البـاب: «زاعقـا وممطوطا كـان»، يحاول أن يدفع كان بعيدا الى الوراء لتتقدم اللحظة الحيـة ويظهر الجنس في تواصله مع بائعـة الخضار لواحظ لأن جماليات اللحظةجماليات تواصل. ثم تظهـر كـان مـرة ثانية مرتبطة بالفعـل «يتذكر»، ومتظرفة بالظـرف «حين»، ومستعملة على نحـو يشير الى التواصل:«كانت تلـح وكان يقول». وتنخرط«فتحالنوافذ»، و «أيـامهنـد»، في ذات الجماليات. ويشعر القارئ أن فتح النوافذ ليس مراهقـة البلوغ فحسب، لكنـه انفتاح الوعي على خبرات التواصل وكذلك كانت «أيامهند». تقول الفقرة الأولى من «فتح النوافذ»:
«ينفض الصبح يده من سمار الفجر، ومن خلف النافذة القديمة، أراه عيونًا صافية، وبقعًا فضية، تتمطي على جدران الحجرة، وسريرنا القديم، وأنا متكوم تحت قدمي أبي وأمي، يتوق قلبي الصغير لنور الخارج، ورؤية بنت العرب، وغنماتها تسوقهن بخيزرانتها الطويلة، التي هي اطول من خيزرانة أبي، المبرقشة بحروق الضرب، والمخفية فوق الدولاب، حيث لا تطولها يداي، وتطولها يداه بلا عناء.»
يتصدرها الفعل المضارع بقدراته الوصفية على استكناه اللحظة. ويسلم الخطـاب نفسه لصوت الراوي المتكلم بضمير الأنـا، فيغـدو الخطـاب محاولة من الوعي أن يضم تفاصيل العالم في خبرة واحـدة متلاحمة متواصلة. من هنا كانت اراحـة السمرة المظلمة التي تلبست كل شيء في تواصـل العاشقين في «خرير»، والتي عاش فيهـا ترزاكي وحنجل. من هنا كان الصفاء،والفضة. وتمطى الظـلال على الجدران مثـل تضاخم الظـل الواحـد بلا معـالم في «خرير»، تواصلالأشياء. ولا تعـدم في الفقرة، وفي القصة، عناصر الموقف الأوديبي، الابن يصارع الأب من أجل الأم وتستطيع أن تقرأ في بنت العرب – كالمرأة البدوية في رواية «قلب الليـل» لنجيب محفوظ – رمزا لقـوى الطبيعة الغريزية. وشهوتها العارمة، وتستطيع أن تقفـز بوعيـك فتسقط عليها دلالات سياسية بعيدة. لكنها في جميع الأحوال عنصر لا غناء عنه في موقف التواصل. والخيزرانة مع البنت، ومع الأب، علامة الألم؛ فالتواصل يحتاج الى الم، يشبه الخوف في «خرير»، ويشبه احتمال سخرية الأطفال في “حنجل” احتمل الوعي ألـم العقـاب، فأصبح جديرًا بألم أكبر يتهيأ معه للتواصل:الختـان. لكن الألم الجسدي ليس كل شيء، الأهـم نضج الوعي. هـذا النضج يتحقق عبر وثبات، لهذا أقيمت القصة على فقرات مفصولة نقاط وسط الصفحة،والوعي يثب عبرها،لكي يستطيع عبر النوافـذ المفتوحة، أن يستوعب العالم، ويتواصــل معه.
ه ـ نحـن أمـام خـطـاب قصصي يعتمد على الجملة البسيطة، يستعيد وجوهـًا عـابرة، ولحظات متفلتة، يستوقفها،ويستحضرها، ويقدمهـا حية بسيطة يجتهـد لكي يجعلنا نغفل عن خلقـه للـغـة والـعـالم، فيخدعنا بساطة الجملة، وظهـور الـعـامي في قلب الفصيح ويفضي هـذا الخطـاب برسالة تعلن أن حياتنا مزيج من الموت والجنس، النسيان والتذكر، التقاطع والتواصل. ويؤكد أن التواصل ممكن ـ برغم الألم. وينـوع في تقنياته وجمالياته كي يستكشف جوانب رؤيتـه للـعـالم، وهي رؤية جمالية اجتماعية متنوعة الشرائح، فقـراء (الشاروقة ـ زينهـم ـ وجـه حنان المحترق)،مهمشين (منسي ـ حنجـل)، أرستقراطيين (ترزاکي)، مكافحين مقاتلين (فوازمطاوع)، أبنـاء الطبقة الوسطى من مسلمين ومسيحيين (دانيـال ـ هـدى كمال)، وممثلين عن الثقافة الشعبية (منسي – حنجـل)، وثقافة غازية (كارتون) في عـالم الاستهلاك. هـذا التنوع الخصـب اجتماعيا وجماليـا عـلامة حقيقية على أن هذا الخطاب جدير بأن تفتح له النوافذ
د. مجـدى أحمد توفيق