تحت شمس مارس الدافئة، جلس مختار عبد الرحيم أمام بيته العتيق على حافة “الترعة”؛ كانت كنكة الشاي تئن فوق موقد حطب بسيط،
تحت شمس مارس الدافئة، جلس مختار عبد الرحيم أمام بيته العتيق على حافة “الترعة”؛ كانت كنكة الشاي تئن فوق موقد حطب بسيط،
فاطمة الشريف
بداية الكاتب والمحتفى به اليوم حاصل على ماجستير في الطب وماجستير في الكتابة الإبداعية، وأن اهتمامه الأدبي بدأ بالشعر ثم القصة القصيرة، وله أعمال في الرواية والقصة القصيرة جدا. ونحن بصدد مناقشة هذه المجموعة ضمن المجموعات القصصية للكاتب، صدرت مجموعة “ظلال الهمس عام ٢٠١٦.
استمر في القراءة الغرائبية والاغتراب في مجموعة ” ظلال الهمس” لدكتور شريف عابديند. سحر عبدالمجيد

تبدأ مجموعة ” نظرية حسن مرعينيو ” من شرخٍ صغير في العالم المألوف، ثم تتسع رقعته تدريجيا حتى يغدو الواقع نفسه موضع شك. كما يجعل الدهشة وسيلة للكشف عن واقع يفيض بالتناقضات، حتى تبدو الأحداث العجيبة أكثر منطقية من الحياة اليومية. ومن هنا تتجاور الحارة والعزبة، والمقهى ومكتب الجريدة، والقسم والبيت، داخل فضاء واحد، تتكرر فيه الشخصيات الشعبية، وتتجاور السلطة مع الخوف، والسخرية مع الألم، فيتشكل عالم قصصي يدفع القارئ إلى إعادة النظر فيما اعتاده.
استمر في القراءة حين يصير الواقع أغرب من الخيال .. قراءة في” نظرية حسن مرعينيو” لمجدي نصارعبير سليمان
تتناول القصص موضوعات متعددة منها ما يحمل بعداً نفسيا اجتماعيا بحتا ، ومنها ما يحمل بعدا إنسانيا، والثالث وهو أخطرهم البعد السياسي ، ولا نغفل أيضاً أن بعض القصص محملة برموز دينية وتستحضر بعض أبطال القصص القرآني.
استمر في القراءة حين ترسم الفنتازيا وجه القهر.. قراءة في الرمز والمفارقة في قصص ” جدوى العشق ” لشريف عابدينكاتبة جزائرية
في الليل تتخلىّ الأشياء عن ضجيجها و تظهر الأصوات التي كانت تهرب منه طول النهار الذكريات ،التهور ،الندم ،حضرة الليل يجبرها على مواجهة نفسها دون حواجز كانت في عمر الزهور تساعد أمّها في نشر شرائح الطماطم ،تفتحها على سطح القرميد و تنثر الملح عليها و تعود ترقبها كل مغيب كي ترمقه و هو عائد من عمله ،ثم تغلق كل النوافذ خوفا من أخيها الذي يعمل في المدينة و يتجول مع فتوّات الحارات الّذين يحكمون الشوارع ليلا ،لا أحد يجرؤ على ردّ كلامه كان مركّزا معها حيث لاحظ اهتمامها بنفسها ،تتزيّن كعادتها لحضور عرس إحدى بنات الدشرة و تواعده عند الجدارية التي تعانقها أحراش الدفلة الكثيفة ،ضربها أخوها و سكب مساحق التجميل و خرج كعادته إلى المدينة ،لم تستسلم “خضرة” أعادت ترتيب شعرها ،ودّعت زهور تطريزها و أخذت أختها الصغرى في يدها و خرجت للعرس …و التقيا
استمر في القراءة انتماء ..قصة : فتيحة قادةقصة :هاجر مصطفى جبر
أن تنجب صبيين أي تجعل من حياتك صراعًا لا ينتهي، كلما رغب أحدهما شيئًا صعب المنال طلب أخوه الأشد صعوبة.
العزيز سيد الوكيل
هذه مجرد افكار أولي حول نص يستحق الكثير ، وإن شاء الله لي عودة تامة للكلام النقدي عن هذا العمل الذي يستحق.
بقلم: ممد عبد النبي
أنبياء وحكماء وكتبة
في البداية يجب أن نعترف بشئ واحد نتفق عليه وهو موت النقد،
نعم لقد مات النقد الحقيقي ، وأصبح هناك نقاد اللمس والجس والهمس والدكاكين والأبواب، ومسابقات المليون.. هؤلاء اللذين يقيمون الدنيا ويقعدونها علي عمل لأي مبدعة جديدة. المهم أن تكون أنثي،أما المحترمين منهم فقد آثروا البعد بعد أن أصبح أي رئيس تحرير يلغي الصفحة الادبية من اجل فضيحة جديدة للاعب الكرة الجديد.
ورغم أنني لم تجتذبني لغة النقد في يوم من الايام، في البدية عن جهل بذلك العلم الذي يجتذبك من الاعمال الروائية التي هي المادة الخام، ثم بعد ذلك لكلام بعض اصحاب القامات العالية ، فقول تولتسي أن النقد يشبه كثيرًا ذبابة الحقل التي تعيق الحصان عن الجري السريع جعلني اميل أكثرـ بعد أن تعلمت الكثير والكثير عن النقدـ إلي البعد عنه، ولذلك ظللت اردد لنفسي أن متعة الكتابة أكثر من متعة النقد،
حتي قراءت ذلك العمل للكاتب سيد الوكيل.
هل حان الوقت للكتابة أن تخلق لغة جديدة ؟ نعم ،ذلك ما حدث لي وانا اقراء رواية (شارع بسادة).هذه لغة جديدة،لغة تأخذك من كل اعبائك لتقف أمامها صامت منتبها لكل حركة يقوم بها ذلك الولد الثمين، وهل حان للنقد أن يخرج من لغة العمل؟
لم لا،والرواية هي الفن الوحيد القادر علي تغير نفسه والتأقلم مع الواقع المرعب الذي يفوق الخيال الذي نعيشه. وكما قال أحد النقاد أن التنظير حول جمال العمل الأدبي المتفرد، منطقة ما زال النقاد يكتشفونها ويعملون على تحديدها حتى اليوم. إنهم ينبشون التقنيات، اللغة، التطور الدلالي، الحدث، ثنائية الشكل والمعنى، وما إلى ذلك، وهم سيظلون على ذلك باعتقادي، ما دام هناك روايات تكتب كل يوم في العالم، فحساسية الأدب تختلف وتتبدل من زمن إلى آخر.
ولما لا ولقد تأكد لي أن شارع بسادة عمل مختلف عن كل المطروح، ولذلك وجدتني أقف من حيث بدأت بالعنون وهوتلك المقولة التي قالها الله في التوراة ليفتح لنا نحن القراء، أو ملح الارض واديمها لكي نسمع كلام ثلاثة لا رابع لهم ،وهم الأنبياء، والحكماء، والكتاب، ولظني أن ذلك الاختيار يطرح ثلاث مستويات لشارع بسادة ، وحتي نقترب أكثر من المعنا دعوني أقف حول فكرة النبوة تلك التي تأتي لتوصيل رسالة محددة من قبل الراسل وهو الله طبعا، فالانبياء أتو.. بتعاليم وأحكام، وطريقة إدارة الحياة ، ثم تأتي المرحلة الثانية، وهي .. الحكماء
،هؤلاء الذين درسو كثيرًا أقول الانبياء، وبسطو لنا الاحكام بكلامات قليلة ، ثم ننتهي بالكتبة، هؤلاء الذين يخبرونا عن الاشياء التي حدثت بالبعد عنا. وللولوج معي إلي عالم تلك الرواية ، علينا أن نتمايل عند الوعرات، وننساب عند السطح الأملس؛ لكي نعرف جميعًا أنَّ البراءة، هي شيءٌ مختلفٌ عن السذاجة.
ولتعلموا أنَّ ما نبحث عنه جميعًا هو أيضًا يبحث عنا، وسوف اقف قليل علي النظرية التي تعمالت بها مع تلك الرواية:
ترى نظرية التلقي أن أهم شيء في عملية الأدب هي تلك المشاركة الفعالة بين النص الذي ألفه المبدع والقارئ المتلقي. أي إن الفهم الحقيقي للأدب ينطلق من موقعة القارئ في مكانه الحقيقي وإعادة الاعتبار له باعتباره هو المرسل إليه والمستقبل للنص ومستهلكه وهو كذلك القارئ الحقيقي له: تلذذًا ونقدًا وتفاعلاً وحواراً. ويعني هذا أن العمل الأدبي لا تكتمل حياته وحركته الإبداعية إلا عن طريق القراءة، وإعادة الإنتاج من جديد؛ لأن المؤلف ماهو إلا قارئ للأعمال السابقة، وهذا ما يجعل التناص يلغي أبوة النصوص ومالكيها الأصليين. ويرى إيزر أن العمل الأدبي له قطبان: قطب فني وقطب جمالي. فالقطب الفني يكمن في النص الذي يخلقه المؤلف من خلال البناء اللغوي وتسييجه بالدلالات والتيمات المضمونية قصد تبليغ القارئ بحمولات النص المعرفية والإيديولوجية، أي إن القطب الفني يحمل معنى ودلالة وبناء شكليًا. أما القطب الجمالي، فيكمن في عملية القراءة التي تخرج النص من حالته المجردة إلى حالته الملموسة، أي يتحقق بصرياً وذهنياً عبر استيعاب النص وفهمه وتأويله. ومن أجل ذلك سوف أبدأ معكم التأويل، يبدأ الوكيل بأظهر الصور الثلاثة للنبي والحكيم والكتبة في بداية روايته حين يأتي بذلك المجتزء:
الغرباء يعرفون طريقهم جيداَ حتى فى الظلام
.
سيتجهون لليمين فرادى ليخرجوا ، فقط لليمين ، فليس فى اليسار سوى خلاء يسكنه الذين دهسهم القطار يوماً ، بعضهم فر إلى خلاء آخر ، وبعضهم عاشوا فيه يعابثون المارة فى الليل أو يتآمرون على سرقة بندقية حارس المحطة البدين ، وفى النهار يحدفون القطار بالطوب كلما صفر وأيقظهم من قيلولتهم.
الغرباء يعرفون طريقهم جيداَ حتى فى الظلام ،من يخبرنا بذلك هو نبي لاشك، سيتجهون لليمين فرادى ليخرجوا ، فقط لليمين ،الذي منحنا تلك المعرفة الجديدة هما الحكماء ،أو المفسرون ،إما حين يأتي دور الكاتب فسوف يخبرنا أن اليسار طريق الذين دهسهم القطار، وللذين يتسألون الان عن ذلك التأويل أقول لهم أن عمل التأويل أن يقوم بدور مهم في استخلاص صورة المعنى المتخيل عبر سبر أغوار النص واستكناه دلالاته والبحث عن المعاني الخفية والواضحة عبر ملء الفراغات للحصول على مقصود النص وتأويله انطلاقا من تجربة القارئ الخيالية والواقعية. ويجعل التأويل من القراءة فعلاً حدثياً نسبياً لا يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة أو الوحيدة المتعالية عن الزمان والمكان. لأن القراءة تختلف في الزمان والمكان حسب طبيعة القراء ونوعيتهم
اعود الان للدخول في النص ،فسيد الوكيل يكتب عن مجموعة من الغرباء الذين سكنو شارع بسادة بأحد محافظات دلتا مصر في لحظة تاريخية ما (نفق الغرباء ، مشهد يتكرر كل مرة بتعديلات بسيطة ، لا غرابة فى ذلك ، فهم غرباء هذه البلدة ، الذين عاشوا فيها ، أو الذين يتركونها يوم الخميس إلى قراهم وبلادهم ، ويعودون إليها عندما تنام الجدة بعد بضعة آيات ، أو عندما يعلن المذيع موعد نشرة الأخبار
وبعد أن يمنحنا سيد توصيفاً دقيقًا لذلك المكان وبعض الشخصيات التي التقت في لحظة واحدة دون أن يرا أحدهم الاخر يأتي الوكيل ليخبرنا بحال الشخصية الاولي التي سوف نلمح فيها التأثر بالشخصيات الثلاثة التي اتفقنا علي تداخلها في كل النص وهم النبي والحكيم والكاتب (هذا موظف السجل المدنى ، ستتعرفون عليه بسهولة ، بدين ، أصلع ، له بنطال واسع يتدلى حزامه تحت كرشه فيترك براحا لخصيتين مصابتين بالدوالي ، مبتسم بلاسبب ، لايكف عن الابتسام حتى لهولاء الذين يعرف أنهم يضحكون من مشيته ، أوالأطفال الذين سيجهرون باسمه الحركى ـ أبو قليطة ـ فى غفلة من الكبار الذين يحترمونه بالرغم من كل شىء ، سيبتسم وربما يحيهم بإيماءة ثم يمضى مثقلا بخصيتين كبيرتين بين فخذيه ، وحقيبة صغيرة يعلقها فى كتفه دائمًا ، بها أقلام باسط مسنونة جيداً وبدرجات متفاوتة ، تفيدة فى كتابة بطاقات الهوية ، والناس عادة تضع فى درج مكتبه شلنا أو بريزة تقديراً لخطه الجميل
.
تفيد منهجية القراءة في معرفة الآثارالتي تتركها فينا الأعمال الأدبية ولاسيما الخالدة منها. ويعني هذا أن ما يهم هذه النظرية ليس ما يقوله النص ولا من قاله ولا مضامينه ومعانيه التي تبقى نسبية بل ما يتركه العمل من آثار شعورية ووقع فني وجمالي في النفوس والبحث عن أسرار خلود أعمال مبدعين كبار وأسباب ديمومتها وحيثيات روعتها وعبقريتها الفنية. ولذلك يمكن لي فقط الاشارة إلي الكلمات الواردة بالمقتطف السابق وهي (بدين ، أصلع ، لايكف عن الابتسام حتى لهولاء الذين يعرف أنهم يضحكون من مشيته ، يمضى مثقلا بخصيتين كبيرتين بين فخذيه، وحقيبة صغيرة يعلقها فى كتفه دائماً، سيبتسم وربما يحيهم بإيماءة ثم يمضى مثقلاً بخصيتين كبيرتين بين فخذيه ) أما كلامات الحكيم فهي كاتالي (له بنطال واسع يتدلى حزامه تحت كرشه فيترك براحاً لخصيتين مصابتين بالدوالى ،الكبار الذين يحترمونه بالرغم من كل شىء، بها أقلام باسط مسنونة جيداً وبدرجات متفاوتة ، تفيدة فى كتابة بطاقات الهوية..
أما كلمات الكاتب فهي (ستتعرفون عليها بسهولة، أو الأطفال الذين سيجهرون باسمه الحريى ـ أبو قليطة ـ بها أقلام باسط مسنونة جيداً وبدرجات متفاوتة ، ، والناس عادة تضع فيى درج مكتبه شلنا أو بريزة تقديراً لخطه الجميل.
تحاول هذه النظرية أن تعيد قراءة الموروث الأدبي والإبداعي من خلال التركيز على ردود القراء وتأويلاتهم للنصوص وانفعالاتهم وكيفية تعاملهم معها أثناء التقبل وطبيعة التأثير التي تتركها نفسيا وجماليا لدى القراء عبر اختلاف السياقات التاريخية والاجتماعية
ولذلك سوف آتي بالمقتطع التالي ليقوم كل منكم بوضع كلامات النبي والحكيم والكاتب كل علي حداً، ومن أجل ذلك سوف أتي أاصغر شخصيتين في الرواية لنلعب معا تلك اللعبة، الشخصية الاولي كما كتبها الوكيل (مدير بنك ناصر ، يضع نظارة سوداء على عينيه حتى فى الليل فلا أحد يدرى لأى جهة ينظر ، لكن سكرتيرته تعرف جيداً ، أن نظراته تتجه دائما لأسفل . من أجل هذا تنزع الشعرعن ساقيها فى الأسبوع مرتين.
الشخصية الثانية هي (مدرب فريق مصنع الغزل ، الذى أحرز هدفاً ـ فى عادل هيكل ـ عندما كان لاعباً فى نادى طنطا ، فدخل التاريخ من غير قصد ، وفاز بصورة فى جريدة المساء ، يشيلها فى محفظته دائمًا . عادل هيكل يطير فى الهواء ، والكرة تستقر فى المرمى ، هو لايظهر فى الصورة مطلقا ، لكنه حريص أن يقول لمن يراها : أنا الذى شاط الكرة.
إن أول ما يجب الاقتناع به هو أن مهمة الروائي هي أن يكون محامي الشيطان، وأنه ليس معنياً بأية اعتبارات أخرى خارج ناموسه الروائي: الجمالُ، الدهشةُ، الخلق، والحرية غير المشروطة. أي أن صدق الروائي يتلخص في تقبله لشياطينه الخاصة وفي خدمتهم بقدر ما تسمح له قواه، كما عبّر ماريو فارغاس يوسا يوماً. وبالتالي، ربما كان الغوص أكثر في الخصوصية طريقاً للعالمية. أي أن نبش المحرم والمغلّف ومحاولة تفكيك بنية المجتمع المغلقة والمتشرنقة على نفسها، ربما كان طريقاً واسعاً للتواصل الأعمق مع الآخر. كأننا بذلك نتعرى أمامه أو نزيل كل السواتر المصطنعة والأحكام المسبقة التي عملت دوماً على خلق الشروخ بين الثقافات في العالم. وللتأكيد علي ذلك المعني اتركمم مع الوكيل وهو يقدم شخصية روائية عظيمة في بضع سطور.
(شيخ المعهد الأزهرى فى البلدة ، المنتدب ـ أصلاً ـ من المعهد الأحمدى بطنطا .
الحقيقة هو لايعود لقضاء العطلة الأسبوعية بين أهله سوى مرة واحدة كل أول شهر ، وتصادف أنه أمضى أسبوعا كاملا بين أهله . هاهو ينهى أجازته ليعود فى القطار الأخير لأن عليه أن يكون فى صباح السبت بين الشيوخ الأطفال ليذوب بينهم . وهو فوق ذلك خجول حتى لايقوى على النظر فى عيون تلاميذه.
هذه صفات لايمكن أن تجتمع فى شيخ أزهري إلا هو ، لهذا ، فإن أحداً لايشعر بوجوده ، لابسفره ولا بعودته ، حتى العربجية المتحفزين لزبائنهم يخطئون وجوده عادة . ربما يفاجأ به أحدهم وهو يهم بالانصراف بعد أن يأس من الفوز بزبون ، وغالباً لن يهتم به ، فالشيخ الصغير لايركب الحناطير إلا نادرًا ، وعادة يكون آخر الخارجين من النفق ، يمشى بخطوات متعثرة ملاصقاً للبيوت والأرصفة ينظر للأرض كأنما يبحث عن ظله ، يصل إلى بيته الملاصق للمعهد الأزهرى بعد عشرين دقيقة من المشى بحساب خطواته الصغيرة ، غير أنه فى ليلة مثل هذه ، سيفكر بالتأكيد فى ركوب حنطور ، إنها ليلة باردة ، والطرق موحلة ، وهو حريص على ألا يوسخ ذيل كاكولته التى يبقى فيها لشهر كامل ، قبل أن يعود فى أجازة أخرى
دعونا لاننشغل به ، فهو ليس الرجل الذى ينتظره رجب على أيه حال ، فهذا الشيخ الصغير سيختفى من الوجود تماماً بعد أيام قليلة من تلك الليلة .سيكون رجلنا الذى ينتظره رجب هو الأكثر غربة بين كائنات النفق هذا ، سيكون غريباً حتى عن جسده وأسمه . أما شيخنا الصغير ، فسوف يختفى تمامًا .هو ـ فى الحقيقة ـ كان مهيئا للاختفاء ، سيحدث هذا بعدما اتهمته صاحبة البيت بالتحرش بابنتها القاصر ، طبعا فضيحة ، كان يحتاج لفضيحة حتى يشعر الناس به ، فضيحة ستجعله حديث الناس لبضعة أيام وكأنهم فوجئوا بوجوده بينهم . سيختفى تماماً ، لكن الناس ستذكره كثيراً ، كلما مرت فى شوارعهم بنتا بعيون شقيه ، ونهدان لعوبان ، لابد اتعبا الشيخ الصغير كثيراً قبل أن يمسك بهما.
أريد أن أقول من وراء ذلك أن روح الرواية هي روح الاستمرار
بقلم: دكتور مجدي توفيق
دراسة ملحقة بمجموعة قصص ( أيام هند) عام1990م
“في غير رمضان، كان يدق إيقاعاته الرتيبة فيسأله الناس عن الميت… وكان ينطق بالاسم ببساطة ولا يتوقف عن الدق، ويسألونه عن السبب فيفكر ويقول … أمر ربنا، وكانوا يتلقون الإجابة، يقنعون بها ويمضون، يمصمصون شفاهم البيضاء بذعر، ويمضي هو، يدق … يدق … يدق، وتجري أقدامنا الحافية الصغيرة وراء الدقدقات المكتومة، نهرش رؤوسنا، ونبصق في عبنا، ونضحك في سرنا على طبلته العتيقة التي يضيع صوتها في زعيقنا خلفه من زقاق لزقاق.
يا حنجل يا وش القملة مين قالك تعمل دي العملة”
تعتمد الفقرة على الجملة الطويلة غير المعقدة، تؤسس، بأدوات العطف، وترابط المعنى، وسلاسة الحياة. ويرتبط هذا البناء للجملة بالفعل الدال على المضي: كان. يقذف هذا الفعل بالعالم إلى الماضي، وينهض في الخطاب علامة على جماليات الاستحضار. نجد كان بدلالة الماضي يتلوها الفعل المضارع: كان يدق – كان ينطق – كانوا يتلقون، فيتداخل الماضي مع الحال، ويحضر الغائب حضورًا كالغياب. وتمثل صيغة “كان + المضارع” نمطًا أسلوبيًا في خطاب المجموعة يجتهد في استحضار ما غاب عن الوعي الجمعي. والفعل “كان” له حضور لافت في المجموعة، تجده في جميع قصص القسم الأول – عدا “زينهم” – وتجده في “رجل وامرأة”، “اجتياز”، “الذي لا أعرفه”، “دائرة الصبار”، “احتفال”، “كارتون”، “امرأتان”، “البركة” أن حضور الفعل (كان) جاء متأخرًا. حاول النصان أن يؤسسا تعاطفًا مع اللحظة قبل أن تقوم العلامة: كان، شاهدًا على انطفائها. ذلك أن المستحضر في الخطاب قد يكون وجهًا، أو لحظة ما. أما فواز فهو وجه لأبطال العبور البسطاء، استعادته القصة،واندمجت في عالمه، حتى ظهرت «كان» فنقلته الى عـالم الذكرى، واشاعت جوا من الأسى لضياع هـذا الوجه من واقعنا الحي، وأخذت البركة تقيم تعاطفها مع لحظة التأمل من وراء النافذة المرأة والرجل في الطريق، ثم نلمح “کان” كأنها تحاول أن توحي بأن هـذه اللحظة التي يبعثها الخطاب لا يمتلك الوعي أسرارها كالماضي البعيد الذي أغلقت عليه الذاكرة رتاجهـا. وظهـور كان وغيابها، مثل ضميري الغياب والتكلم في السرد، وجهان لجماليـات الاستحضار التي يحاول الأسلوب – ببساطة، وخفاء – يؤسسها في نسق قصص واقعي بسيط مألوف.
فاذا عدنا الى فقرة «حنجل» السابقة تستطيع أن ترى الوجهين يمثلان في العلاقة الثنائية المتوترة بين المغيب: حنجـل، والحاضر: النـاس، وبين اهتمام النـاس بـه اول الفقرة، وانصرافهم عنـه آخرها، وبين حالتي الذعر والسخرية المشار إليهما. هذه التقابلات تكشف عن مصير حنجـل وسقوطه من الحضور في الغياب. ويقـوم الخطاب القصصي مقام الوعي الجمـاعي المنشود فيستحضر حنجـل المنسي.
وشبه الجملة الذي بدأت بـه الفقـرة لـه ايحـاؤه اللافت، فنحن نتوقع أن يقـوم حنجـل في رمضان بعمـل المسحراتي، لكن ايقاظ النـاس يجب اغفاله؛ فلا أحد يستيقظ وعيه؛ الجميع ينسى. وفي موسم الحصاد يذكـر النـاس حنجـل، لكنهم يذكرونه لأن مأمون قرر ألا يعطيه كيـلة الذرة المعتادة. ينكرونه لكي يدفعوه دفعة جديدة نحو النسيان. من هنـا تغافلت الفقرة ايقاظه للناس، وربطته بالموت ـ انـه يعلن الناس بالموتى، وهـو لهذا كـريه محبوب، ضرورة لا يسعى اليهـا احـد. ولا تكتفى الفقرة بكلمة «الرتيبة» بـل تكـررالفعل يدق،والدق، خمس مرات، لتكون كالموسيقى الجنائزية، نوحى بمقدم الموت. حنجـل مرتبط بالموت، والموت يحف به: الموت الاجتماعي والفيزيقي معا وليس بعيـدا عن هذا الموقف ذلك الظهـور للعامية في النسق الفصيح في«عنا»، وفي غناء الأطفال، يجعل اللحظة أكثر حضـورا، داخـل نـسـق لـغـوى مخالف، قائم على نسيان العامية، لا استعمالها. ومن تتمه الموقف هذا النص:
«وبقي حاملًا عمره الكئيب المزمن فوق ظهره المحنى كأنف يهودي وهو ينزل به الى ظلام، يستقبل رأس الميت ناحية القبلة، ويسندهابشقفتين، واحـدة عن يمين وأخـرى عن يسار ليبقى شاخصًا لوجـه ربـه،ويقرئ ملك الموت السلام كما هو واجب، لكن الملك المهيب الطلعة المشرق الوجه كطاقة القـدر كان يبكي فعرف حنجل أن للملك قلب بنت صغيرة محبة، وفهم الذي في عيني ملك الموت الحنون فاستبد بـه حـزن داكن صموت كعينيه، واعتكف في حجرته ينتظر زائره».
وتقـوم «بقي»(الاستمرار في الماضي) مقـام كـان والجملة طويلة محمولة على بقي، فيها «تستقبل» حـال منها، و «يقرئ» معطوفة عليهـا، وخبـر المـلك مستدرك به عليها كذلك. ومع أوصاف مباشرة مثل: الكئيب، المزمن،المحنى،ظلام،المهيب،المشرق، يزداد الموقف وضوحًا. وتظهر كان مع بكاء الملك تستعيد صيغةالاستحضار: كان + المضارع. ولحظـة بكاء الملك لحظة نادرة متميزة، لكنها تدخل تحت تأثير بقي في انحراف أسلوبي. ووجـه الانحراف أنه لم يشر الى تميـز اللحظـة بأية اشـارة تخرجها من استعمال «بقي» بمعنى ظـل واستمر (وهو استعمال غير فصيح أو ـ على الدقـة ـ شــائع في العامية). بهـذا خلط الأسلوب الاستثنائي (بكـاءالمـلك) بالمعتاد (كآية حياة حنجل)، فكشف لنا غموض الزائر المنتظر، وحدد المصير.
لقد اغتال حنجـل انبهارنا بأداتين من أدوات التحضير: منبه وميكروفون، فمات الموتين معا: الاجتماعي فالفيزيقي. والخطاب القصصي يحاول ـ في همس ـ أن يستحضر هذه الخبرات التي تموت في وعينـا.
۳ ـ تبـدأ قصة « نظرية الاحتمالات » بهـذه الفقرة !
«على خشـب البـاب، ثنى احدى ساقيه، وأسند ظهره. رحلة القلق تبـدأ مع تلك النظـرة طويلة المدى، فكر أن المسألة لا تستحق كل هـذا. حكاية عـادية تحـدث كل يوم لي أو لغيري. تبـدأ في الشارع.. تلك البداية التقليدية.. كيف ينهى الآخرون حكاياتهم؟)»
ههنا تظهر الجمل القصيرة. الأولى ذات فعل ماضي راصـد لسلوك الشخصية المشار اليهـا بضمير الغيبة. الثانية جملة اسمية تصدر عن صـوت الخطاب القصصي في تعليقه على السلوك. والثالثة تعود لنمط الأولى راصدة فكرة لا حركة. ثم يأتي صـوت الشخصية. وهكذا يؤسس الخطاب تعددا صوتيا تتغير معه نبـرة القـراءة بسرعةوإيجـاز فيؤسس جماليـات القـلق. وتستطيع أن تقـرا هـذه الجماليات في «خـرير»:«فتـح البـاب بحرص، انسابا في الداخـل بـرفـق، بنفس الحرص انغلق ألبـاب، على المنضدة، ثبت الشمعة …»، جمل قصيرة فعلها مــاض. وفى «الشـاروقة» يبـدأ بلحظـة استيقاظ مع الفجر، يتناول فيهـا أربعة أشخاص:الأم،خديجة، رجب، حسن، في جمل فعلية قصيرة ذات فعل ماض. ثم يسلم الخطـاب نفسه لأصوات الأربعة تتحـاور بعد أن شق جمال لحظات الفجـر بذعـر خديجة لتوهمها فـأرًا في العجين. وما أن ينتهي الحـوار الى أن يسكب رجب «المتدين» العجين المحرم لأن فيه ميتة، حتى تظهر صيغة الاستحضار: كان يفعل. تسعى الى تثبيت اللحظة. هنا ندرك أن جماليات القلق التي تقوم على جملة الفعل الماضي القصيرة، مع التعدد الصوتي، متصلة بجماليات الاستحضار، أو هي تعقيد وتعميق لها. من هنـا مضت «نظريةالاحتمالات» فيما أسمته: “رحلة القلق”، تمزج جملة الفعل الماضي التي تصف حركات الشخصية القلقة، بالحوار مع الصديق الطبيب، بمشـاهد مستعارة من العلاقة العابرة بالمرأة التي لا يدري هـل أنجبت منه أم لا؟
وإذا كانت الجماليات الأولى تحـوم حول فكرة الموت الفيزيقي والاجتماعي، فان الجماليـات الثانية تحوم حول قلق التواصل، فيغدو الجنس قسيما لها. وعلى الرغم من أن الجنس في الشاروقة اشارة عابرة الى احتلام حسن، الا أن تهدد العلاقات الأسرية في تصادم القيـم بين التشدد الديني وفقر الواقع، يشير الى أزمة
المتواصل، وهي المراد من الجنس، ووظيفته البلاغية. وفي «خرير»نقرأ:«أمسكبكتفيها، فتراخت على حرف المنضدة، تضـاخم ظـل واحـد بلا معالم …». يلجأالخطاب الى صيغة تفاعل الصرفية:تراخت،تضاخم، لأنه بصدد تواصل. ثم يجعلهمـا ظـلا واحـدا، وينفى عنه المعالم امعانا في التداخل. ويجعل الظـل نكرة كأنه كيان غامض لا نعرف صاحبه؛ فهو تواصـل تـام تذوب فيـه الفرديات. لكن صـوت المنضدة يحدد قلقهما وخوفهما. وتراخيهـا «علىحرف»المنضدة، يوحي بأن التواصل قلق. وإطفـاء الشمعة، آخـر القصـة، لن يمحـو القلق. اننـا أمـام خـرير، أي علاقة تواصـل تحـاول ان تنساب كالماء الهامس، لكنها ترتجف
4 ـ تبـدأ قصة « زينهـم » بهذه الفقرة:
«في ضيق الحجرة المظلمـة يتحسس بقدميه، ويدوس اللحاف الملطخ ببقع لزجة، مجهـولةالتاريخ، فتفوح روائح قديمة، وتتناثر نتف قطن داكن، وتذوب في العتـام».
هذه الجملة الطويلة المترابطة تقـوم على الفعل المضارع يحاول أن يؤسس جماليات معايشة اللحظـة، ومعهـا تـغـدو التفاصيل الدقيقة حيـاة كاملة. وهـل يملك زينهم الا اللحظة؟ يندفع الخطاب عبر الأفعال المضارعة يصف المكان، وحركات زينهم، وحركات الفرس، وتتضـام التفاصيل معا لتنصهر في عـالم وأحـد، تاريخـه تاريخ اللحظة لا الزمن الممتد. ولا يفوت القارئ أن يلحـظ الظرف «حين» يتكرر في القصة، يمسك باللحظة. ولا يفوته قوله عن صرير البـاب: «زاعقـا وممطوطا كـان»، يحاول أن يدفع كان بعيدا الى الوراء لتتقدم اللحظة الحيـة ويظهر الجنس في تواصله مع بائعـة الخضار لواحظ لأن جماليات اللحظةجماليات تواصل. ثم تظهـر كـان مـرة ثانية مرتبطة بالفعـل «يتذكر»، ومتظرفة بالظـرف «حين»، ومستعملة على نحـو يشير الى التواصل:«كانت تلـح وكان يقول». وتنخرط«فتحالنوافذ»، و «أيـامهنـد»، في ذات الجماليات. ويشعر القارئ أن فتح النوافذ ليس مراهقـة البلوغ فحسب، لكنـه انفتاح الوعي على خبرات التواصل وكذلك كانت «أيامهند». تقول الفقرة الأولى من «فتح النوافذ»:
«ينفض الصبح يده من سمار الفجر، ومن خلف النافذة القديمة، أراه عيونًا صافية، وبقعًا فضية، تتمطي على جدران الحجرة، وسريرنا القديم، وأنا متكوم تحت قدمي أبي وأمي، يتوق قلبي الصغير لنور الخارج، ورؤية بنت العرب، وغنماتها تسوقهن بخيزرانتها الطويلة، التي هي اطول من خيزرانة أبي، المبرقشة بحروق الضرب، والمخفية فوق الدولاب، حيث لا تطولها يداي، وتطولها يداه بلا عناء.»
يتصدرها الفعل المضارع بقدراته الوصفية على استكناه اللحظة. ويسلم الخطـاب نفسه لصوت الراوي المتكلم بضمير الأنـا، فيغـدو الخطـاب محاولة من الوعي أن يضم تفاصيل العالم في خبرة واحـدة متلاحمة متواصلة. من هنا كانت اراحـة السمرة المظلمة التي تلبست كل شيء في تواصـل العاشقين في «خرير»، والتي عاش فيهـا ترزاكي وحنجل. من هنا كان الصفاء،والفضة. وتمطى الظـلال على الجدران مثـل تضاخم الظـل الواحـد بلا معـالم في «خرير»، تواصلالأشياء. ولا تعـدم في الفقرة، وفي القصة، عناصر الموقف الأوديبي، الابن يصارع الأب من أجل الأم وتستطيع أن تقرأ في بنت العرب – كالمرأة البدوية في رواية «قلب الليـل» لنجيب محفوظ – رمزا لقـوى الطبيعة الغريزية. وشهوتها العارمة، وتستطيع أن تقفـز بوعيـك فتسقط عليها دلالات سياسية بعيدة. لكنها في جميع الأحوال عنصر لا غناء عنه في موقف التواصل. والخيزرانة مع البنت، ومع الأب، علامة الألم؛ فالتواصل يحتاج الى الم، يشبه الخوف في «خرير»، ويشبه احتمال سخرية الأطفال في “حنجل” احتمل الوعي ألـم العقـاب، فأصبح جديرًا بألم أكبر يتهيأ معه للتواصل:الختـان. لكن الألم الجسدي ليس كل شيء، الأهـم نضج الوعي. هـذا النضج يتحقق عبر وثبات، لهذا أقيمت القصة على فقرات مفصولة نقاط وسط الصفحة،والوعي يثب عبرها،لكي يستطيع عبر النوافـذ المفتوحة، أن يستوعب العالم، ويتواصــل معه.
ه ـ نحـن أمـام خـطـاب قصصي يعتمد على الجملة البسيطة، يستعيد وجوهـًا عـابرة، ولحظات متفلتة، يستوقفها،ويستحضرها، ويقدمهـا حية بسيطة يجتهـد لكي يجعلنا نغفل عن خلقـه للـغـة والـعـالم، فيخدعنا بساطة الجملة، وظهـور الـعـامي في قلب الفصيح ويفضي هـذا الخطـاب برسالة تعلن أن حياتنا مزيج من الموت والجنس، النسيان والتذكر، التقاطع والتواصل. ويؤكد أن التواصل ممكن ـ برغم الألم. وينـوع في تقنياته وجمالياته كي يستكشف جوانب رؤيتـه للـعـالم، وهي رؤية جمالية اجتماعية متنوعة الشرائح، فقـراء (الشاروقة ـ زينهـم ـ وجـه حنان المحترق)،مهمشين (منسي ـ حنجـل)، أرستقراطيين (ترزاکي)، مكافحين مقاتلين (فوازمطاوع)، أبنـاء الطبقة الوسطى من مسلمين ومسيحيين (دانيـال ـ هـدى كمال)، وممثلين عن الثقافة الشعبية (منسي – حنجـل)، وثقافة غازية (كارتون) في عـالم الاستهلاك. هـذا التنوع الخصـب اجتماعيا وجماليـا عـلامة حقيقية على أن هذا الخطاب جدير بأن تفتح له النوافذ
د. مجـدى أحمد توفيق
قصة: د سيد شعبان
التخفي وراء الأبواب المغلقة لن يجلب النور للعينين،تلك حكمة قرأها لأحد حكماء ما وراء النهر الذي يفيض عسلا،ومن يومها بدأ يشتري أغراضه من هؤلاء المارين على الأبواب،أجسادهم النحيفة،
القدس فى عيون مصرية
سيد الوكيل
قامت الهيئة العامة لقصور الثقافة بمصر ـ فى الآونة الأخيرة ـ على إصدار سلاسل كتب نوعية ومتخصصة ، تهدف لتوسيع التناول المعرفى بما يناسب عصر المعلوماتية ، فهى ذات طابع تأريخى وتوثقيى يتجه إلى إحياء ذاكرة الأمة والتنقيب فى تراثها الثقافى والحضارى بغية إجلاء معنى علمى وثقافى للهوية داعم لذلك القائم على المعني العرقى أوالدينى الذى لم يعد أى منهما كافياً لإقناع العالم الحديث الذى ينهض على قيم التعدد والتجاورويمتثل للمنطق والقانون بديلاً عن العاطفة والعصبية وإذا كانت الثقافة هى ميدان الصراع والتنافس بين المجتمات،حتى أن أكثر القضايا حساسية فى العالم تصبح ذات صبغة ثقافية ، فإن التأكيد على الصفة الثقافية للهوية هو مطلب أساسى ، ودور داعم للدور السياسيى الذى لم يعد وحده قادراً على مواجهة التحديات الجديدة ، كتلك التى تجد لنفسها امتداداً واسعاً فى وسائط الاتصال الحديثة على روابط الشبكة العكنبوتية والفضائيات فضلا عن وسائط الاتصال التقليدية على صفحات الكتب والصحف .
ولعل من أبرز هذه السلاسل التى أصدرتها الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة سلسلة ( هوية المكان ) ، التى صدر الكتاب الأول منها عن مدينة القدس .
وإذا كانت السلسلة موجهة أساساً إلى القارئ المصرى ومهتمة بالتعريف بالهوية الثقافية المصرية فى إطار مسح جيوثقافى للمدن والمعالم الكبرى فى مصر ، إلا أنها اتخذت مبادرة محمودة ، حين حرصت على أن يكون الكتاب الأول فيها عن القدس ، باعتبار القدس تمثيلاً للهوية العربية كلها ، فضلا عن المكانة الخاصة للقدس فى عيون المصريين والمتأصلة فى وجدانهم حتى من قبل الفتح العربى والإسلامى لها ، وحيث كانت مصر المسيحية موطنا للكنيسة الشرقية ، وملاذا آمنا للمسيحين الأوائل الذين فروا تحت تأثير الاضطهاد الرومانى ، ولا غرابة فى ذلك ، مادامت مصر كانت قبلة السيدة العذراء فى رحلتها المقدسة هربا بالسيد المسيح فى طفولته ، ومازالت آثار تلك الرحلة شاهدا على عمق العلاقة الوجدانية بين مصر والقدس، فى الوقت الذى لم تظهر هذه العلاقة عربيا إلا بعد رحلة الإسراء ، حيث أصبحت القدس قبلة المسلمين الأولى ، ومن ثم فإن مكانة القدس لدى المصريين هى مكانة مضاعفة .حتى ليمكننا القول أن القدس بالنسبة لأى مصرى تسكن فى العين والقلب معاً .ولعل هذه الارتباط الوجدانى ينعكس على طبيعة الصراع العربى الإسرائيلى ،حيث تتحمل مصر النصيب الأكبر فى تحريك هذا الصراع من أجل غاية تضمن الحقوق التاريخية للشعب الفلسطينى ، وهو تحريك قد شمل مستويات عدة ، فغير المستوى العسكرى الذى خاضت فيه مصر حروباً عدة ، فإن مصر قد خاضت ـ أيضاً ـ حروبا سياسية وإعلامية بل وقانونية ، إذ تظل القدس واستعادتها قرة العين هدفا لابديل عنه ، أما وقد أصبح المستوى الثقافى الآن أبرز ميدان التنافس الدولى ، فقد كان من المهم الانتباه المبكر إلى هذا المعترك ، الدخول إليه عبر روافده المختلفة وقنواته المتعددة .
ولقد تصادف صدور كتاب ( القدس العتيقة … مدينة التاريخ والمقدسات ) فى الوقت الذى تجددت فيه عمليات الحفر الصهيونى تحت المسجد الأقصى ، حيث تجوس أصابع الصهيونية فى التراب المقدس بحثاً عما يزعمون أنه وجودهم التاريخى فى القدس ، هذه مفارقة من المهم أن ُتقرأ فى سياقها ، ففى الوقت الذى تتعنت فيه الصهيونية لإثبات حقوقاً مزعومة فى الأرض الفلسطينية ، مرة بالقتل والتدمير وأخرى بالتشريد والعسف ، وثالثة بالحفر وسرقة التاريخ ، فإن مؤرخاً واحداً يستطيع أن يقدم بالكلمة والصورة عشرات ، بل مئات من الأدلة والوثائق والشواهد التى مازالت ماثلة للعيان على عروبة القدس .
أما مؤلف الكتاب فهو المؤرج المصرى( عرفة عبده على )
الذى قدم من قبل سلسلة من الدراسات السياسية تدور فى معظمها حول القضية الفلسطينية . وتحذر فى بعض جوانبها من المخططات الصهيونية التى تسعى لتهويد القدس .
وفى هذا الكتاب، يؤكد المؤلف على أهمية الدرس الثقافى والحضارى للقدس إلى جانب الدرس السياسى لها بوصفها مركزا مجسدا للموضوع الفلسطينى ، فالقدس كانت ولا زالت موضوعاً لعديد من الكتب والإصدارات لكونها قد أصبحت رمزاً للنضال العربى الفلسطينى ضد الاحتلال الصهيونى ، وقبل ذلك هناك الكثير من المؤرخين العرب الذين تناولوا القدس وأرخوا لها ـ خاصة إبان الفتح العربى ـ غير أن مجمل هذه الكتب تراوح بين الموضوعين السياسى والدينى ، فقد انشغلت أكثر الإصدارات الحديثة بتحديد وضعية القدس فى مواجهة عمليات التهويد المتعمد ، والاعتداء المنظم على مقدساتها الإسلامية والمسيحية ، وعلى معالمها العربية والإسلامية ، كما أن الكتب العربية القديمة ، توقفت عند القدس بوصفها مكاناً مقدساً فى العقيدة الإسلامية ، مثلما انتبهت ـ أيضاً ـ لتاريخها السياسى ولاسيما فى فترتى الفتح العربى والحروب الصليبية ، وحيث أحتلت القدس قلب المشهد السياسي فى ذلك التاريخ ، وكانت بمثابة ساحة الحسم التى تشهد بالسيادة عبر الصراع العربى الصليبى ، كما هوالشأن الآن فى الصراع العربى الإسرائيلى ، ولقد اعتبر دخول قوات صلاح الدين الأيوبى من أبواب القدس ، نهاية رسمية تحسم سلسلة الحروب الصليبية لصالح العرب .
غير أن هذا العرض التاريخى الموجز ، يعنى أن النظرة العربية إلى مدينة القدس ، انصرفت ـ عادة ـ بين الموضوعين الدينى والسياسى ، بحسب اختلاف زوايا النظر بين المؤرخين المسلمين العرب وبين المؤرخين الأجانب .
وغير هذا ، هناك عشرات من الكتب الإسرائيلية الحديثة التى عمدت إلى التزييف والتزوير وخلط الأوراق وتشويه المعالم والوقائع والثوابت التاريخية لصالح المشروع الاستيطانى فى القدس . وإذا كانت النظرة العربية تمنح القدس هذه المكانة الخاصة حتى لتغدو معادلاً لقلب العروبة وشرفها ، ولا غرابة فى ذلك ، فهى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وملتقى الأديان السماوية الثلاث التى صدق بها المسلمون ، وإذا كانت القدس تحتل كل هذه المكانة فى الوعى والنفس العربيين ، فإن مشروع تهويد القدس ، يبرز بوصفه معركة ثقافية بامتياز ، ولعل التأكيد الثقافى على هوية القدس داعم لمسارات التفاوض وأشكال المنازلات الأخرى بغية ترسيم الحدود العربية لمدينة القدس .
وهكذا .. فإذا كانت السلسة تعنى بهوية المكان ، فإن صدور العدد الأول فيها عن القدس كان بمثابة تأكيد ضمنى على أن القدس هى المعادل المكانى للهوية العربية كلها .
لاحظ مؤلف الكتاب أن النبرة الحضارية والثقافية أقل خفوتاً فى التأريخ للقدس ، فى مقابل النبرة السياسية والدينية ، كما لاحظ أن النظرة الدينية للقدس موزعة بين المؤرخين المسلمين والمسيحين كل بحسب عقيدته ، لهذا فإن من مآثر هذا الكتاب ، هو الالتفات إلى البعدين الحضارى والثقافى المرتبط بإنسان المكان وإعماره له ، بعيداً عن النظرة الدينية ، ومن ثم فإن الوصف والتوثيق يشمل المعالم والآثار الإسلامية والمسيحية جنباً إلى جنب ، بما يدعم الموضوعية العلمية التى حاول الكتاب انتهاجها .
يركز الكتاب على البعدين الحضارى والثقافى من حيث اعتبارهما أفقين فسيحين تتجلى فيهما عروبة القدس ، وهذا بجانب البعدين الدينى والسياسى بطبيعة الحال . ومن ثم يقسم الكاتب كتابه إلى خمسة فصول ، يتضمن الفصل الأول عرضاً جغرافياً وتاريخيا للمدينة المقدسة ، إذ يذهب فى عرضه التاريخى لأبعد ـ كثيراً ـ من الفتح العربى ،وبالتحديد منذ النزوح الأول لليبوسيين ( 2500 ق. م) بوصفهم قبائل كنعانية من بطون العرب ، وهو أول تأسيس للمدينة تذكره كتب التاريخ ، فى حين كان الدخول الأول لليهود إليها عام ( 1006 ق. م ) عندما استولى عليها الملك داوود وأسس مملكته فى فلسطين وجعل القدس عاصمة لها، وقد استمرت مملكة داوود دولة لليهود حتى سقطت على يد الملك الآشورى ( شلو منصر ) الذى قام على سبى اليهود وطردهم من المدينة .فكان شتاتهم الأول .
ويشرح المؤلف ، أن فترة إقامة اليهود فى فلسطين لم تخل من قلاقل وحروب مع الجيران العرب بغية استردادها ، وهى حروب حفظها التاريخ وذكرتها التوارة ، بما يعنى أن أهمية القدس بالنسبة للعرب أهمية تاريخية.وأن العرب ـ عبر التاريخ كله ـ لم يستسلموا لاستاثار اليهود بالقدس .
غير أن المصريين القدماء ـ وحدهم ـ هم الذين تمكنوا من استرداد القدس ، وطرد الآشوريين منها ، وفى ذلك الوقت كان ثمة وجود محدود لليهود فيها بوصفهم قبائل بدوية تعيش على هامش المجتمع وخارج حدود المدينة المقدسة ، وإن نجحت هذه القبائل فى استرداد عافيتها مرة أخرى فى ظل السياسة المتسامحة للمصريين ، حتى سقطت القدس فى يد البابليين ، الذين أستأصلوا شأفة اليهود من المدينة ، فيما عرف بالسبى البابلى .
يمضى الكتاب فى تتبع الدول التى تعاقبت على القدس ، مثل دولة الفرس وجيوش الإسكنر المقدونى وحتى الدولة الرومانية ، هكذا ظلت القدس مطمعاً ومغنماً تسعى إليه كل الدول القديمة والحضارات القديمة ، حتى تمكن العرب من استردادها مرة أخرى إبان الفتح العربى على يد ى أبى عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد ، وكانت زيارة عمر بن الخطاب إلى بيت المقدس ( 636 م ) بمثابة تثبيت للوجود العربى فيها ، وإعلان لأهمية القدس ومكانتها فى قلب كل مسلم بوصفها أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ، وملتقى الأديان السماوية ، حيث أسرى بالرسول إليها ومنها كان معراجه.
يختص الفصل الثانى من الكتاب باستعراض مفصل للحكم العربى لمدينة القدس ، بدءاً من الدولتين الأموية والعباسية ، مروراً بعصر الدويلات وسلاطين المماليك حتى عصر الإمبراطورية العثمانية التى لم تنجح ـ فى أواخر عهدها ـ فى الحفاظ على مدينة القدس وتركتها بسهولة للا نتداب البريطانى الذى سلمها ـ بدوره ـ إلى الكيان الصهيونى ، ليكون ذلك بداية لحقبة من الصراع العربى الإسرائيلى مازلنا نشهد فصولها المأساوية ، ونعاين ممارسات الصلف والاستبداد الصهيونى وتعدياته التى تجاوزت رغبتة الخبيثة فى الاستحواذ على المكان إلى رغبة أشد خبثاً فى لاستحواذ على التاريخ وسلب هوية المدينة المقدسة .
ولقد بدأ الاهتمام العربى بالقدس منذ اللحظة الأولى لخضوعها تحت حكم الدولة الأموية فى عهد الخليفة ( معاوية بن أبى سفيان ) ، بما يعنى وعى العرب الأوائل بها وبمكانتها التى تأكدت برحلة الإسراء المقدسة ، لهذا فإن الخليفة معاوية عهد بولايتها إلى (سلام بن قيصر ) وأمر بإجراءالإصلاحات و الاهتمام بأسوارها القديمة وإعادة ترميم مبانيها والعناية ببساتين الكروم والزيتون فعادت القدس مقصداً للتجارة والزيارة .
غير أن المكانة الدينية للقدس زاد الاهتمام بها فى عهد الخليفة عبد الملك بن مروان ، الذى بنى قبة الصخرة المشرفة ، المكان الذى بدأ منه العروج بالرسول الكريم ، ثم بدأ بناء مسجد قبة الصخرة ويعتبر أول مسجد جامع يشيد فى بلاد الشام ، وحيث كانت المساجد حتى هذه اللحظة بسيطة ، كمجرد مواضع للصلاة ، ولقد بدت القبة وخلفها المسجد آيتين معماريتين لفتتا الانتباه إلى مكانة القدس الدينية لدى المسلمين ، حتى فتن الناس بهما ، وصار من يزعم أن بناءها تم بنية صرف الأنظار عن الكعبة المشرفة .
وهنا تجدر الإشارة إلى أن خلطا يصير بين الناس فى عصرنا بين مسجد قبة الصخرة والمسجد الأقصى ، فالمسجد الأقصى بناه الخليفة عبد الملك بن مروان، خلال فترة حكمه ، وجعله على مقربة من مسجد قبة الصخرة ، لكنه لفت الانتباه باتساعه وطرازه المعمارى الفخم حتى حظى بالاهتمام الأكبر بين علماء المسلمين فسرعان ماتحول إلى جامعة لدارسى القرآن الكريم وعلوم الشريعة .
ولقد توالى الاهتمام بهذه المزارات الإسلامية على مر العصور حتى صارت رمزاً عربيا وإسلاميا ، وهو ما يفسر رغبة الصليبين فى تخريبها ، فبعد دخول الصليبيين القدس ( يوم الجمعة من شهر شعبان 492 هـ ) كان المسلمون من سكان المدينة قد تجمعوا فى الساحة بين المسجدين كملاذ آمن ظناً منهم أن الصليبيين سيحترمون حرمة المكان ، غير أن الصليبيين أحتفلوا بانتصارهم هناك بعد أن أقاموا مذبحة مخذية راح ضحيتها أكثر من سبعين ألفاً من المسلمين المسالمين . كما قام الصليبيين على سرقة كنوز المسجدين وتخريب قبة الصخرة بعد أن وضعوا عليها الصليب ، وبعد عودة القدس للحكم العربى على يد الناصر صلاح الدين الأيوبى ، أعاد ترميم المزارات المقدسة وإعادها لما كانت عليه من رونق وبهاء كما أزال الصليب عن قبة الصخرة .
ولم يكن العمران وقفاً على المزارات الدينية الإسلامية إذا كانت صايانة المزارات المسيحية ـ التى أقيمت خلال الحكم الصليبى ـ عهدا على صلاح الدين الأيوبى ضمن عهود حماية المسيحيين من سكانها ، وبهذه الوضعية صارت القدس على نهج التسامح والتعدد والتجاور لتتحول إلى قبلة للديانات السماوية الثلاثة .
وكان من بين الاهتمام العمرانى للقدس العمل على ترميم أسوارها وأبوابها وأبراجها ضمن التحصينات الحربية لها بعد أن اتضحت أهمية القدس الاستراتيجية والحربية فى حسم الصراعات بين العرب والصليبيين .
وقد ركز الفصل الثالث من الكتاب على التكوين العمرانى والحضارى للقدس العربية ، ويعرض للآثار والمنشئات الدينية ( الإسلامية والمسيحية ) والمدنية والعسكرية التى بلغت أوجها فى عصر الدولة الأيوبية ، وكذا فى عصر دولتى المماليك البحرية والبرجية واستمرت حتى منتصف العصر العثمانى حين بدأت مظاهر الضعف والشيخوخة تدب فى مفاصل الدولة العثمانية .
هنا يبدأ الكتاب فى ذكر توثيقى للمساجد والمدارس والدوواين والبيوت ومظاهر العمران كافة ، لكل دولة من الدول العربية التى تعاقبت على حكم القدس ، وقد تدهشنا غزارة المعلوات عن الزوايا والربط الأبواب التاريخية للمدينة ، فضلاً عن الترب والقبور الشهيرة والأسبلة والخوانق والمكتبات التى حوت نفائس الكتب والوثائق الشاهدة على عروبة القدس .
وقد اختص المؤلف المزارات المسيحية بجزء كبير ومفصل من الفصل الثالت مثل : كنيسة القيامة وكنيسة المهد وكنيسة الصعود ودير الآباء الفرنسيسكان ودير مار أنطونيوس ودير السلطان الذى وهبه السلطان صلاح الدين لأقباط مصر ، فنسبوه إليه امتناناً واعترافاً بروح التسامح التى حظى بها المسيحيون تحت الحكم العربى .
وتعد كنيسة القيامة أبرز وأهم المزارات المسيحية فى القدس ، وتمثل ذروة الترف المعمارى لما تحوية من تيجان ومجوهرات وزخارف ذهبية ، ومن الطريف أن سدنة كنيسة القيامة ،وحملة مفاتيحها مسلمون ، ينتسبون إلى أسرة الصحابية الجليلة ( نسيبة بنت كعب ) ، وقد توارثت هذا الشرف منذ عصر صلاح الدين الأيوبى بعد اختلاف الطوائف المسيحية على من يحوز هذا الشرف ، ومن المعروف أن هذه الكنيسة تضم بين جنباتها القبر المقدس ، وممر الجلجلة ، وشيئا فشيئاً اتسعت رقعة الأرض التى تقوم عليها كنيسة القيامة ولحق بها العديد من الأديرة والكنائس الصغيرة والمبانى الكنسية المختلفة .
أما الفصل الرابع من الكتاب ، فيتوقف عند القدس فى كتابات الرحالة ، وحيث كانت المدينة مقصداً للحج ومزاراً مقدساً ، فضلا عن الولع الخاص بالقدس عند المستشرقين الذين تناولوها فى كتاباتهم وصوروها فى رسومهم ولوحاتهم ، ومن الرحالة المشاهير الذين أرخوا للقدس : دانيال الراهب ، وهو القديس الروسى المعروف وكذا الرحالة الفارسى ناصر خسرو علوى ، ولقد تناوب على تأريخ القدس ووصفها بعض الرحالة والمؤرخين العرب من أمثال : ابن بطوطة والمقدسى ، ومن الطريف أن الكتاب يتوقف عند الرحالة اليهودى بتاحيا الراتسبونى ، الذى زار القدس ( 1174 م ) ، وكتب عنها ، بما يعنى أن القدس وحتى هذا الوقت كانت مدينة مفتوحة لأتباع الديانات الثلاثة بقصد الحج والسياحة الروحية بلا تمييز أو عنصرية .
ولقد كان الطابع الغالب على الرحلة إلى القدس هو الحج والزيارة المقدسة ، ومن ثم حج إليها العديد من العلماء ورجال الدين ، وسجلوا مشاهداتهم وملاحظاتهم التى لم تخل من اجتهاد علمى أفردت له صفحات من الكتب مازالت مرجعاً هاماً ومقصداً معرفيا لباحثين فى تاريخ المدينة ، ومن هذه الكتب : “كتاب الأنس فى فضائل القدس ” لبهاء الدين بن عساكر و “والأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل ” لمجير الدين عبد الرحمن العليمى قاضى القدس فى أواخر العصر المملوكى وكتاب ” إتحاف الإحصا لفضائل المسجد الأقصى ” لكمال الدين السيوطى ، و” الجامع المستقصى فى فضائل الأقصى ” لأبى محمد بن على بن عساكر ، وكتاب ” باعث النفوس إلى زيارة القدس المحروس ” لبرهان الدين الفرازى .
ولدى المسيحيين ، فقد نشأت عادة الزيارة المقدسة إلى القدس فى القرن الرابع الميلادى إبان عهد الأمبراطور قسطنتين الذى جعل من المسيحية دينا رسميا للإمبراطورية الرومانية فشجع الحجيج إليها وعنى بالمزارات المسيحية .
وقبل ذلك كان اليهود يحتفلون بأعياد ثلاثة فى القدس من كل عام امتثالا لما جاء فى الإصحاح الثالث والعشرين من سفر الخروج : ” ثلاثة مرات تعيد لى فى السنة ” ، وهذه الأعياد هى عيد الفطير ( الفصح ) وعيد الحصاد وعيد الجمع ، وهى أعياد يكون الاحتفال بها قاصراً على الذكور من دون الإناث ، ولقد حرم قسطنتين على اليهود دخول القدس ، وظل هذا التحريم قائما خلال فترة خضوع القدس لحكم الإمبراطورية الرومانية ، وعندما وقعت القدس تحت الحكم العربى بعد فتحها ، سمحت لليهود ببمارسة شعائرهم واحتفالااتهم ، وبعد سقوط القدس فى يد الصليبيين منع اليهود من دخول القدس مرة ثانية إلى أن استعادها صلاح الدين اليوبى فسمح لهم بدخولها وممارسة شعائرهم من جديد ، ومنذ تلك اللحظة ظلت القدس مقصداً للرحلة الدينية من تابعى الأديان الثلاثة .
ينتهى الكتاب بالفصل الخامس تحت عنوان : ” تهويد القدس ” ، ويعرض للممارسات الصهيونية الهادفة لتهويد القدس وطمس هويتها العربية ، وما يتبع ذلك من سرقة للأرض والتاريخ وتدمير المقدسات ، والخطط الهيكلية والتوسعية والاستيطانية الرامية إلى الاستيلاء على القدس ، ويتضمن هذا الفصل مناقشة سياسية للاتفاقيات والمباحثات التى تدور فى أروقة السياسين حول القدس ومصيرها الذى مازال معلقاً وغامضاً وملتبساً باساليب التآمر والتشويه ، فيما تظل القدس عربية فى قلب كل عربى ، ورمزاً مقدساً معادلاً للهوية العربية .
يقع الكتاب فى 150 صفحة من القطع الكبير ، ويتضمن مجموعة كبيرة من الصور النادرة ، فضلا عن لوحات خالدة رسمها فنانون مستشرقون هاموا عشقاً فى القدس أو بيت المقدس أو أور شالم أو مدينة الله .
ومن الجدير بالذكر أن هذه السلسة تصدر تحت إشراف الروائى إبراهيم عبد المجيد ، ومدير التحرير الناقد سيد الوكيل .
صورة نادرة لقبة الصخرة من الداخل
بقلم: سيد الوكيل
البحث عن حلقة وسيطة بين الأصالة والمعاصرة شغلت مساحة كبيرة فى أدب نجيب محفوظ ، كما هو الحال عند الكثير من كتاب ومثقفى جيله ، بحيث يمكن اعتبار هذه القضية هى الأكثر إلحاحا بين قضايا الحداثة العربية، ومنذ جمال الدين الأفغايى ورعيل كبير من تلاميذه ومثقفي عصره .ربما كان لدراسة محفوظ للفلسفة دور كبير فى تكوين نزعة الجدل الفكرى بين الأضداد التي تأتى على رأسها أنماط الصراع النفسى والفكرى بين الميتافيزيقى والفيزيقى ، بين إملاءات السماء والتعاليم الدينية من ناحية ورغبات الإنسان وغرائزة من ناحية أخرى .
والنماذج التى طرحها نجيب محفوظ فى رواياته كمحاولة للتوفيق بين هذه الثنائية القديمة ، كانت تنتهى عادة إلى فشل ذريع ، ليس فقط لأنها كانت تحاول الجمع بين طرفين كل منهما على نقيض الآخر، ولكن ـ أيضاً ـ لأن الإنسان المعتد بعقله ، يظل قاصرًا طوال الوقت عن فهم الطرف الآخر في العلاقة ، جاهلاً بتدابير السماء حيث يفرض القدر كلمته فى النهاية .
فى رواية قلب الليل ، كان سعد كبير نموذجًا للمثقف الحداثى ، علمانى ودارس للفلسفة ، وقارىء نهم فى كثير من فروع العلم والديانات ، أخذ على عاتقه وضع نظرية توفيقية أخذت أطرافًا من الماركسية والاشتراكية والفلسفة وعلوم الدين ، رآها جعفر الراوى (بطل الرواية ) مجرد هراء ومحاولة للتلفيق بين سياقات مختلفة ، لهذا قتل الراوى سعد كبير ، وقرر أن يضع بنفسه نظرية جديدة ، لا تلتزم سوى بصوت العقل العلمي والجدل الفكري ، هو آمن بقدرات العقل الإنساني على حل كل معضلات البشر ، لكن محفوظ يسخر من قدرات العقل الإنساني على قيادة العالم بعيدًا عن الإيمان بالله ، فى الحقيقة لم يكن جعفر الراوى مثقفًا ، ولكنه آمن بقدرات العقل وحده ، وفى لحظة واحدة تهاوى العقل ، عندما امتدت يده لقتل سعد كبير ، وأمضى باقى عمره فى ظلام السجن ، خرج منه مجنونًا فاقدًا لكل عقل، وبهذه الطريقة يسخر محفوظ من العقل الإنسانى المغتر بقدراته ويسخر من قدرة الإنسان على أن يكون سيدًا على الكرة الأرضية .فعلى الرغم من كل أشكال التقدم العلمى وعلى الرغم من بلوغ العقل الإنسان غاية عظمى من السيطرة على مقدرات الحياة ، يظل للسماء كلمتها الأخيرة ، لهذا فإن عرفة ( رمز المعرفة العقلية واليقين ) لم ينجح فى حل مشاكل الحارة فى رواية ( أولاد حارتنا ) وعلى الرغم من أنه أعلن موت الجبلاوى ( الدين ) إلا أن الناس فى الحارة ظلت تنادي على الجبلاوي من جديد لينقذها مما هي فيه ، لهذا فإن خلاصة الموقف الفكري في هذه الرواية هي أن الحياة لايمكنها أن تستمر سوي من خلال التوازن بين اليقينى والغيبى .
وإذا وضعنا فىي الاعتبار أن الحداثة في هذا الوقت ـ مثلت أقصى درجات الإيمان بالعقل وقدرات الإنسان إلى درجة نفى الغيبي ، بل وجعلت العقل تمثيلاً لميتافيزيقا الحداثة الغربية بديلاً للميتافيزيقا الدينية في القرون الوسطي ، فمعنى هذا ، أن محفوظ ينتصر للغيبي والديني معاً ، ويسخر ـ فى نفس الوقت ـ من الإيمان الكامل بفلسفة الحداثة الغربية وهو موقف يعني ، أن نجيب محفوظ الذي درس وتربى عقله على الفلسفة الغربية لم يكن مجرد متلقٍ لها يردد أفكارها كالببغاء بل، يمتلك وعيًا جدليًا يمكنه من نقدها واختبارها عبر ثقافته الدينية ..
غير أن هذه المرجعية الدينية لنجيب محفوظ ، لم تمنعه أيضًا من نقد الخطاب الدينى بوعى يجعله يفرق بين الدين والخطاب الدينى ، فالخطاب الدينى هو اجتهاد بشرى لفهم الدين ، معرض للخطأ والصواب ، لهذا كانت نظرة نجيب محفوظ للإيمان من حيث هو جوهر يجسد قيم الجمال والخير والعدل ، إنه أعظم وأكبر من مجموعة من الأوامر والنواهى والعبادات التى يراها تالية للإيمان لتثبيته وتعميقه ، قد تختلف بين الأديان السماوية ، غير أن جوهر الإيمان نفسه يظل واحدًا بينها جميعًا .
وفى قصص نجيب محفوظ رجال يواظبون على العبادات ، لكنهم لايتورعون عن ظلم الناس وأكل حقوقهم بالباطل، وفى مقابل ذلك سنجد رجالاً وصلوا إلى جوهر الإيمان ، فجسدوا قيّمه ويصبحون ملاذًا للضالين والمظلومين والمقهورين من بنى البشر ، فسعيد مهران بطل رواية ( اللص والكلاب ) لايجد ملاذًا له سوى عند شيخ الزاوية الذاهد ، وفى رحاب الشيخ يشعر بالنور يملاء قلبه وتفعمه بالسكينة ، فى البداية ظن سعيد مهران أنه سيجد الأمان فى أحضان ( نور ) صديقته القديمة ، لكنه يظل عندها مؤرقا وممسوسا بفكرة الانتقام ، وعندما يصل البوليس إليه يهرب ، ويحتمى بزاوية شيخه ، وهناك يغتسل قلبه بالنور وتنزله السكينة ويذوب بين رجال الحضرة . وفى هذا الموقف يرسى نجيب محفوظ مبدءاً هامًا ، هو العدل ، لقد ارتكب سعيد مهران جرائم قتل وسرقة، ومن ثم يصل البوليس إليه .
مأساة سعيد مهران الحقيقية أنه ظن العدل مسألة بشرية خالصة ، هذا الإيمان بالعدل البشرى هو ما دفعه إلى سرقة الأثرياءْ وفق قيم الماركسية التى علمها له رؤوف علوان الصحفى ، وهو ما دفعه للانتقام من زوجته وعشيقها . كان مهران يبحث عن العدل ويرى أن تحقيقة لايكون إلا بالقوة متناسيًا تمامًا العدل الإلهى . وكلما حاول ذلك أخطأ من جديد وقتل أبرياء لاذنب لهم . المغزى من هذه التراجيديا الرائعة أن سعيد مهران لم يكن مسلحًا بالإيمان ولا بالعلم الكافيين لمعرفة ما العدل، وأين هو، أو كيف يحققه ؟ وهو ما لم يدركه إلا بعد فوات الأوان وفى زاوية الشيخ الذاهد .
وهذا الإدراك المتأخر للحقيقة هو مبعث التراجديا الإنسانية فى أكثر روايات محفوظ . لهذا فعلاقة الإنسان المحفوظى مع الزمن مشتبكة ومعقدة ، وهو فى صراع دائم معه ، فجلال صاحب الجلالة فى ( الحرافيش ) كان ممسوسًا بفكرة الخلود والشباب الدائم والبحث عن أكسير الحياة، حتى ظن الناس أنه لن يموت ، لكنهم فى الصباح وجدوه مرميًا فى حوض ماء تشرب منه الحيوانات فى سلام غير مبالية بجثته ، فى الحكاية عظة واضحة عن علاقة الإنسان بالزمن ، فالزمن هو الذى يحدد مصائر الناس يحدد حياتهم كما يحدد موتهم ، بل يحدد أدوارهم فى الحياة ، ففى رواية قصر الشوق وأثناء اختباء أسرة السيد أحمد عبد الجواد فى المخبأ هربًا من القصف الجوى لطائرات الألمان ، وفى الوقت الذى يتوقع فيه الجميع الموت بالقنابل فإنهم يخرجون سالمين فيما عدا السيد أحمد عبد الجواد نفسه..
يمرض الرجل ويفقد الوعى تمامًا ، ويضطر ابنه (كمال) أن يحمله على ظهره ليموت على سريره، فكل عظمة وسطوة الأب تنتهى تمامًا فى لحظة كهذه، ويبدأ دور الأبن ، فالزمن هو الذي يحدد الأدوار .
ولعل رواية ( حديث الصباح والمساء ) التى موضوعها الأول هو الزمن كما يظهر من عنوانها . سنجد كثيرًا من هذه المشاهد والمواقف والعظات،، فبين الميلاد/ الصباح والموت / المساء يوجد زمن الإنسان ، وتتحدد حركته فى الحياة .
وهكذا فالزمن مرادف للقدر عند محفوظ ، وهو مفهوم إسلامى واضح، والقدر عند نجيب محفوظ له تصور يتفق مع المعنى الإسلامي المتداول ( أعقلها وتوكل ) فالقدر ليس مطلقًا تمامًا حتى يصيب الناس بالقعود والتسليم على طريقة ( الحذر لايمنع القدر ) . صحيح القدر موجود وواقع ، ولكنه يأتى على قدر حركة الإنسان فى الحياة .فالعدل الإلهى والرحمة الربانية ، تقتضى توزيع الأقدار على البشر بما يتناسب مع اجتهادهم.
وليس من قبيل المصادفة أن أول روايات نجيب محفوظ هى رواية (عبث الأقدار ) وهى تتشابه فى بنائها مع قصتىّ موسى، ويوسف عليهما السلام.. كما وردتا فى القرآن الكريم ، ومغزاها أن الإنسان لايستطيع أن يدخل فى صراع مع قدره ولايستطيع تغييره ، ولكنه يستطيع أن ينعم به إذا ارتضاه .إن القدر نافذ ولكنه ليس ضد حركة الإنسان فى الأرض بل منظم لها .ففى الرواية يفوز القائد ـ الذي حاول الملك قتله ـ بالعرش بعد أن تأكد من أخلاصه له ، وكان الملك قد عرف بنبوءة عراف أخبره أن هذا الطفل سيرث عرشه عندما يكبر ، يحاول الملك التخلص من الطفل ليحفظ عرشه لابنه ، ولكن القدر أنقذ الطفل ، وجعله أحد حراس الملك وقادته حتى أنه انقذه من مؤامرة شارك فيها ابن الملك ، فكافأه الملك بأن زوجة من ابنته وجعله وريثا لعرشه، وكان الملك قد عرف أن هذا القائد هو نفسه الطفل المقصود بالنبوءة .
والمغزى الذى نفهمه من هذه الرواية ، أن الملك الذى حاول أن يهرب من نبوءة العراف ، نفذ النبوءة بنفسه ، بعدما عرف أن ماقدر له هو الأفضل .
الشخصية الدينية فى قصص محفوظ لها أوجه مختلفة ، منها كما ذكرنا شخصية الشيخ الذاهد فى ( اللص والكلاب ) ومنها شخصية الجد فى ( قلب الليل ) وكذلك رضوان الحسينى فى ( زقاق المدق ) الذى كان ملاذًا لكل سكان الزقاق من المحتاجين وأصحاب الكروب .
والإنسان يمكن أن يصل إلى درجة من التدين البسيط وبالفطرة كالذى وصلته أمينة فى الثلاثية ، فالطريف أن أمينة لم تتمرد على البيت ولم تخرج منه سوى مرة واحدة فى حياتها بعدما اشتاقت لزيارة مقام الحسين ، هذه نزعة دينية بسيطة كما أنها جاهلة تمامًا بشؤون دنياها فهى لاتعرف عن الدنيا خارج بيتها شيئًا ، لهذا تتعرض لمحنة صغيرة عندما تصدمها السوارس ، كما تلقى عقابًا بسيطًا من زوجها.
لهذا فالشخصية الدينية لاتصل درجة من الكمال فى أعمال نجيب محفوظ ما لم تجمع بين العلم والإيمان ، أو بين نمطين من المعرفة ، المعرفة الدنيوية والمعرفة الدينية ، ويمثل عامر وجدى فى رواية ميرامار هذا النموذج ، فهو مثقف بلغ من العمر ما جعله يمتلك الحكمة والخبرة الدنيوية ، وهو فوق ذلك متدين.
يتعاطف عامر وجدى مع زهرة خادمة البنسيون والتى اعتبرها النقاد رمزّا لمصر . كما يتعاطف معها الشاب اليسارى منصور باهى . وفى حين يرتكب منصور باهى جريمة قتل سرحان البحيرى لأنقاذ زهره من براثنه ، فإن عامر وجدى يظهر بمثابة الملاك الحارس لها ، ومن ثم فهو الوحيد القادر على توجيهها إلى التعليم وتوعيتها لحماية نفسها ، لقد حاول كل من اليسارى المؤمن حماية زهره بطريقته الخاصة ، لكن القتل وإراقة الدماء ليس هو الحل عند محفوظ ، بل التسلح بالعلم والإيمان ليكون الإنسان قادرًا على حماية نفسه . ولا غرو أن نجيب ينهى الرواية بآية قرأنية تشير إلى اكتمال المعرفة بنفحة ربانية كما تشمل معانى العدل وأهمية التوازن النفسى والعقائدى ( الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان * الشمس والقمر بحسبان * والنجم والشجر يسجدان * والسماء رفعها ووضع الميزان * وأقيمو الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان * ) إلى آخر الآية الكريمة
يستهدف هذا الكتاب رؤى نقدية لعدد من أعلام السرد المصري الحديث.
الرؤية معنى ذاتي وانطباعي، فيبدو أنه يفارق الموضوعية، ويتجاهل المنهجية البحثية في نفس الوقت، ولكننا نحذر من الأحكام المتسرعة، إذ علينا أن نقرأ المشهد النقدي في كل جوانبه بدقة. ففي عصر المعلوماتية الرقمية، يستطيع (الروبوت) أن يدعم الخطاب النقدي. لتصبح المعلومة بديلا للمعرفة، بما يضيف خطرًا جديدًا إلى جانب الخطر الذي حذر منه (تودروف) من غلبة العقلانية العلمية على الخطاب النقدي. في الواقع نحن نشهد عصرًا، تسوده عقلانية أداتية، وهي وفقًا لمدرسة فرانكفورت ذات نزعة تكنوقراطية تفصل بحدة بين الذات والموضوع، ومن ثمّ يتحول الموضوع إلى وحدة مادية، تُمحى فيه الفوارق وتتساوى الظواهر.
إن ملاحظاتنا على الخطاب النقدي، أن أدواته وإجراءاته تبدو صالحة لكل نص وأي نص، كون هذه الأدوات تهتم بتحقيق غاية ما بغضّ النظر عن قيمتها، عندما تكتفي بسؤال (كيف؟) بدلاً من (لماذا؟) على كل حال هذا واقع لا يمكن تجاهله، ويستدعي تعظيم وظيفة النقد، بحيث يتحرك في اتجاه دعم وتأكيد الحضور الإنساني، قبل أن يتحول الإنسان إلى (روبوت).
ما نعنيه هنا يرقى إلى مستوى المقاومة؛ بغية تأكيد الوجود الإنساني في مقابل خطابات مبرمجة، سواء كانت في صيغة رقمية، أو نظرية تحولت إلى أيقونات مقدسة. والمتأمل للمشهد النقدي الآن، يجده موزعًا بين اتجاهيين: الأول أكاديمي تغلب علية نزعة تكنوقراطية، والآخر انطباعي تغلب عليه نزعة إعلامية.
نعترف منذ البداية، أن اختيارنا لهؤلاء الكتاب ولتلك النصوص بالتحديد، ينهض على دوافع ذاتية بالأساس، أكثر منها موضوعية. لكن؛ هذا لا يمنع من وجود تماهٍ ملحوظ بين الذاتي والموضوعي في الجانب التطبيقي، يلتزم به خطابنا النقدي. إن طريقتنا في تناول هذه النصوص، هي عملية عبور فوق الثنائيات المتضادة في الموروث النقدي. لهذا نستخدم هذا التعبير (رؤية) احترامًا للحدس الانطباعي، ثم يتجاوزه، ليختبر في فضاءات معرفية وعلمية موثقة مثل :الأنثروبولجيا، وعلم النفس، والفلسفة بوصفها علومًا إنسانية بالدرجة الأولى. وعلى ما سبق، يمكننا القول: إن المنهجية التي نتبعها هنا، أقرب إلى التأثيرية الحديثة. ذلك المصطلح المستدعى من عالم الفن التشكيلي. التأثيرية الحديثة لا تستسلم لعفوية الانطباعات الأولى أبدًا، بل تختبرها مرات ومرات؛ مستعينة بعلوم البصريات، بل ويمكن للفنان أن يستعين بأحدث نظريات الفيزياء. لكنه لا يسعى أبدًا إلى تغريب الطبيعة وتجريدها،كما أنه لا يحاكيها فحسب، بقدر ما يغوص في أعماقها ليرى ماوراء الطبيعة. بهذه الطريقة، يمكننا ملامسة ملامح شخصية وأسلوبية للكاتب، تشف فيما وراء السرد. حيث تسكن الخبرات الخاصة للكاتب، التي تظهر في عناصر تكرارية تختبيء بين السطور، وتراوغ بوصفها الجين الوراثي الذي يميز التجربة الإبداعية لصاحبها.
في الواقع، كنت مضطرًا إلى الجنوح في بعض الأحيان، مدفوعًا بنزعة فينومينولجية لتفسير الظواهر المتكررة، سواء كانت أسلوبية، أو موضوعية. مرتكزًا في ذلك على خبرتي الذاتية مبدعًا وناقدًا في آن، بل وقارئًا خبيرًا بتعبير (أيزر) لهذا لا أتردد في الاعتراف – منذ البداية – أن ما سيجده القارئ هنا، لا يراهن على يقين منهجي أو نظري، يزعم الحقيقة المطلقة؛ ولكني لا أتردد في الإفادة منه لدعم يقيني الذاتي. إنها رؤى مشفوعة بحدس إبداعي يضع النص في فضاء واسع، يعطي القارئ الحق في إعادة إنتاجه، عبر إلهامات غير مطروقة وتخصه. ومن ثمّ لا ننكر أن من بين مستهدفاتنا في هذا الكتاب، أن يكون محاولة لرأب الصدع بين الناقد والمبدع، بعد أن أصبح كل منهما يتحرك في مسار مفارق للآخر، بما يجعل الأدب في خطر بحسب تعبير تودروف.
تتفق ملاحظاتنا الشخصية مع تودروف، فالخطاب النقدي في صيغته الأكاديمية/ المهنية لا يضمن الحفاظ على المتعة الجمالية والشعورية التي يراهن عليها النص الأدبي، عندما ينقله من فضاء تخيلي فضفاض إلى آخر عقلاني ملتزم بمرجعيات نظرية؛ كما أن النقد الصحفي مهني بالضرورة أيضًا، يستهدف الإعلام والإخبار وربما الدعاية أكثر مما يستهدف الإبداع نفسه؛ لهذا فثمة ضرورة لإنتاج خطاب نقدي يتجاور بينهما، ويتجاوز الطبيعة المهنية لهما، لتصبح الرؤية النقدية بمثابة نص مواز، يتفاعل من النص الأصلي أملاً في أن يحظى كل منهما بفضاء دلالي أكثر اتساعًا وثراء.
كيف يصبح التناول النقدي لعمل ما، رحلة معرفية ممتعة للقارئ غير المتخصص؟.
ربما كان هذا السؤال هو الأهم في رحلتي مع النقد، تلك الرحلة التي بدأتها مع كتابي (أفضية الذات – 2006م) قراءة في اتجاهات السرد القصصي، ثم كتاب (مقامات في حضرة المحترم) الذي استهدف تقديم رؤية جديدة لنجيب محفوظ.
الآن أشعر بقدر كبير من الرضا عن حصاد رحلتي مع هذا الكتاب، إذ أمكنني أن أجمع فيه بين الناقد والمبدع معًا، لأتنقل بيسر بين أفضية معرفية وجمالية مختلفة.
***
يحتوي الكتاب رؤى نقدية لعشرة من الكتاب، هم على الترتيب: إبراهيم أصلان، أمين ريان، بهاء طاهر، خيري عبد الجواد، سعيد الكفراوي، سيد البحراوي، صبري موسى، محمد المخزنجي، محمد مستجاب، ثم صوفي عبد الله)
لقد تم اختيارهم بالإنصات إلى حدس داخلي فحسب. أعني أن الاختيار لا يشير إلى معيار ية مسبقة، بقدر ما كان رغبة منا في استكشاف مساحات التنوع والاختلاف بين تجربة كل منهم، حتى لو تقاربت المسافات أو تباينت على نحو ما. كما أن ترتيب فصول الكتاب، أبجديًا لا أكثر، ليؤكد لا تراتبية الاختيار. ذلك باستثناء الفصل الأخير المختص بالأديبة صوفي عبد الله.
يمثل هذا الفصل الأخير حالة خاصة واستثنائية في الكتاب. فتجربة صوفي عبد الله، خارج الإطار الزمني للكتاب الآخرين الذين نتاولهم هنا. كما أن تجربتي الشخصية مع كتاباتها ارتبطت بمرحلة أولية من العمر، مشتبكة بالإرهاصات الباكرة في علاقتي بالإبداع السردي، ومن ثم ظلت مشتبكة بمشاعر عاطفية تجعلها طازجة وحاضرة طوال الوقت، فكانت رغبتي في الحفاظ على نضارتها -بعد كل هذه السنين – ملحة.
ليس لدي تفسير لغلبة هذا الشعور: أن أكتفي باستدعاء رحلتي القصيرة جدًا مع صوفي عبدالله، تلك التي عاشت معي حتى الآن، وظلت تستدعي زمنها بكل مشاعره أكثر مما تستدعي كتاباتها. لقد تأكد شعوري هذا، بعد أن اكتشفت صعوبة البحث عن كتابات لصوفي عبد الله. لهذا استسلمت لنداءات النوستالجيا بداخلي، وآثرت أن أميزها بفصل خاص بعنوان: لوحة شرف… لوحة شوف فحسب.
سواء كان، في فكر سارتر الإلحادي، أو في عقيدة كيركجارد المؤمنة، هناك اتفاق على معانِ جوهرية في الوجودية: الذات ويقصد بها الذات الفاعلة لا الذات المفكرة.
الواقع: أوما يسميه جبريل مارسيل (عضة الواقع) ويقصد بها التجربة الإنسانية ومحصلات الخبرة من الواقع المعيش، وليس من المعارف والتنظيرات والأفكار الفلسفية. والوجودية بهذا المعنى فلسفة واقعية، نوع من التأمل وليست نظرية.
أما الثالث فهو: القلق الوجودي من حيث الشعور باليأس، والعدمية، وفقدان المعنى، وهو الدافع إلى رحلة البحث عن الحل الوجودي، عبر طرح الأسئلة الوجودية على الذات.
وهكذا تُظهِر الوجودية تمركُزها حول الذات، فكل شيء ينطلق منها وينتهي إليها، عبر صيرورة يعيشها، ويدرك كنهها الإنسان متفردًا بذاته. لهذا تمد الوجودية جذورها لمقولة سقراط: ( أعرف نفسك بنفسك).
إنها فلسفة عن الذات أكثر منها عن الموضوع، ويعني هذا التأكيد على الذاتية، ضرورة تحديد موقع الذات من الوجود، بمعنى أنه: إذا كان الوجود سابقًا على الماهية، فإن الذات تكون أولاً وقبل أي شيء. ثم تسلمنا الذاتية إلى نوع من الفردية الجميلة بحسب (شيللر) وهيّ بهذا المعنى مبدأ أخلاقي وجمالي في نفس الوقت. وأخلاقية الوجودية هي التي تضمن المسئولية والالتزام عند سارتر، كما تفسر المعنى الجمالي للوجودية بوصفها معرفة أدبية وجدانية وليست فلسفة أو نظرية. وهذه صفة تذكرنا بالرومانسية كما عند وردزرث وجون كيتس، أوصوفية كازنتزاكيس. أي أن الوجودية ممارسة، طريقة حياة وليست فكرة مجردة.
ولعل المعنى الدارج: كن جميلًا ترى الوجود جميلًا، على بساطته وابتذاله، يسبر غورًا عميقًا في الوجودية. على أن الجمال ـ هنا ـ ينسلخ عن المنطق المجرد والقياس الأرسطي. إنه واقعي وحسي، أو على نحو ما يذهب كيركيجار: ” فيما يجتهد الفكر المجرد ليفهم المحسوس فهما مجردًا، نجد الفكر الذاتي أو الوجودي، على العكس، يجتهد ليفهم المجرد محسوسًا”
يقول تيري إيجلتون في معنى الحياة: (اليقين العقلي مهلك للروح، لأنه إذا حدث تحول أو انحدار أو كسوف للمعنى، تتحول الحياة إلى تراجيديا عنيفة).
غير أن هذا الموقف المناهض للعقلانية المجردة، ليس موقفًا وجوديًا من العقل، بقدر ما هو موقف من الحداثة، التي أغرقت العالم في ضلالات العقل وروافده الموضوعية والعلمية، حتى نصّبت نفسها بديلًا للميتافيزيقيا، ومن ثم أنتجت أوهامها المنطقية. إن الواقعية تدعو إلى نبذ كل الأوهام بأي دعوى، حتى وإن كانت بدعوى الدين أو العقل. لقد كانت رحلة الإنسان مع العقل، موضوعًا أثيرًا عند فلاسفة وأدباء الحداثة، على نحو مايقول تيري ايجلتون ( إنهم، كانوا يملكون تصورًا منطقيًا منظمًا ومنضبطًا عن العالم، فوقعوا في التشاؤم والبؤس، حيث أنهم أدركوا أن هذا الانضباط والتنظيم والوضوح المنطقي، سرعان ما يتلاشى مع الحركة الزمنية، فالحياة ـ هكذا ـ لامنطقية ولا عقلانية وعلى قدر كبير من الغموض).
وهكذا، يمكن فهم الوجودية، ليس على أنها موقف مضاد للحداثة فحسب، بل هى موقف طليعي، يستشرف آفاقًا جديدة لإنسان ما بعد الحداثة، من حيث إدراكه لذاته وماهيته. بما يستلزم الرحلة في الذات للوصول إلى ماهية موقفها، ومن ثم إدراك الوجود، على نحو ما يقول عبد الرزاق الجبران في الموقف الوجودي للدين: )الوجودية ليست أيديولوجيا، بل هيّ تجربة، ورحلة تعكس الفشل، وتنتهي إلى التوقف عند نقطة، هيّ بالضبط ما أنت عليه، هيّ وجودك هنا والآن(…الحل ـ إذن ـ ليس تجربة جمعية، لا أيديولوجيا، ولافلسفة كلية، ولا عقيدة دينية، التجربة الفردية للإنسان، هي الطريق للخلاص. ومع ذلك، فالطريق ليس معبّدًا ولا متاحًا بالمرة. مغمور بالأشباه والضلالات، مؤهل للتيه أكثر من أي شيء آخر. ولذلك، سنعول ـ هنا ـ كثيرًا على الرحلة التي تعكس القلق الوجودي، ونحن نقرأ هذه الروايات. إن الرحلة قد تكون رديف الوعي والمعرفة، سواء في معناها الواقعي على نحو ما مشاها ـ ثائرًا ـ جعفر الراوي بطل رواية (قلب الليل) بوصفها خبرة فردية، بعدما اعترته أزمة وجوده في تعارض ذاته مع ذات الجد العظيم الإلهي الملامح والصفات
وجودية ملحدة
أو بمعناها النفسي. الغوص في الداخل ـ أيضًا ـ رحلة في كنه الذات، تعكس القلق الوجودي كما عاشها بطل رواية الشحاذ. انهيار دعائم الوجود، وتبدي الوجه العبثي للحياة، السقوط في الجب المظلم الرهيب، الذي انتاب الشحاذ عمر الحمزاوي، فراح يتسول وجوده من الطبيعة ومن أبيات الشعر (إن كنت تريديني فلماذا هجرتني) ومن حبة رمل في الصحراء، من وحي غامض يتبدى له في الأحلام ونوبات الهذيان. (وجودية مؤمنة ذات بعد صوفي).
واذا كان ثم اتفاق بين الوجوديين بنوعيهما (الملحد والمؤمن) على فردية الرحلة، إلا أن بعض الباحثين في أنثربولجيا ما بعد الحداثة، يرون أن المجتمعات يصيبها ما يصيب الأفراد من سأم وقلق، وتقطع رحلتها الجغرافية بحثًا عن مكانِ. وفي هذا السياق يتساءل ميشيل مافيزولي: (أوليس القلق والتوتر الداخلي، هما بنهاية الأمر، الخصيّصتان الكبيرتان لكل دفعة حيوية، بما فيها الانطلاق نحو التيه وشد الترحال للضرب في مناكب الأرض؟)
يرى ميشيل مافيزولي أن تجربة التيه الاجتماعي لاتقل خصوبة في معناها عن التيه الفردي، بوصفهما انفعالًا وجوديًا. ولو مدنا الأمر على استقامته، يمكننا أن نرى، ما يعيشه المجتمع المصري الآن من قلق وتوتر بعد ثورتين، تحركت كل منهما في اتجاه معاكس للآخر، وما نتج عنه من تشظي وتوزع القيم ورغبة عميقة في الترحال والهجرة الخارجية والداخلية، ونزعات إلحادية وأخرى متدينة وثالثة تعاني حيرتها وتبحث على نحو فردي عن خلاص وحل.
إن رؤيتنا للأمر على هذا النحو التراجيدي العنيف لمجتمعنا، قد يجعلنا أكثر حرصًا على إثارة الأسئلة الوجودية الآن، وبعد انتهاء الحداثة التي كانت دافعًا لظهورها في القرن الماضي. وهو نفس الأمر الذي يجعلنا حريصين على مراجعة وقراءة روايتين قديمتين لنجيب محفوظ، لنرى الى أي مدى، كان وعى المبدع الكبير مهتمًا بالمعنى الوجودي، ومدركًا لمعطياته، ومجسدًا لها عبر مفهوم الرحلة، رحلة الإنسان، التي تعكس إخفاقاته وقلقه، لينتهي إلى النقطة التي يكون فيها بالضبط، هنا والآن.
رحلة جعفر الراوي
(تبدا رواية قلب الليل لنجيب محفوظ من نقطة محددة، وتنتهي عند نفس النقطة التي بدأت منها، وهي اللحظة التي يقف فيها جعفر الراوي أمام موظف الوقف، مطالبًا بحقة في ميراث جده اللعين. ويعني هذا أن رحلة جعفر الرواي التي قطعها بحثًا عن الحقيقة انتهت به إلى ما بدأ منه، لكن ما المعنى المرجو من ذلك؟ هو أن تدرك بذاتك المفردة كنه ذاتك)
منذ اللحظة الأولى، تعلن رواية قلب الليل عن بنيتها البسيطة، بوصفها حوارية طويلة تقع في (149) صفحة، وتدور بين شخصين : موظف الأوقاف، وجعفر الراوي الذي جاء مطالبًا بحقه في إرث جده. غير أن هذه البنية، لاتسلم لبساطتها الأولية. ففي الوقت الذي نعتقد فيه، أن موظف الأوقاف هو الراوي العليم للحكاية كلها، يتحول هو نفسه إلى مروى عليه، فيما يتحول (جعفر الراوي) من موقع المروى عنه، إلى موقع الراوي، بوصفه ساردًا لسيرته الذاتية. وصانعًا لأسطورته الخاصة، محاولاً انتزاعها من أسطورة الوجود. ونتيجة لتبادل المواقع بين الراوي والمروي عليه، يتراجع دور الراوي العليم (موظف الأوقاف) إلى محفز للسرد وموجٍه له ومفسر لما هوغامض أو مهمل فيه، بما يجعله أقرب إلى القاريء الضمني. وبما يعطى انطباعًا بأن الوظيفة الفنية، لتبادل مواقع الراوة، هي دعم النسيج المتشابك للحوارية، حتى لانكاد نشعر بوطأة الحوار في النص. ومن ثم، يبدو الحوار مجرد حيلة فنية لمسائلة التاريخ الشخصي لجعفر الراوي، أو بالأحرى واقعه، ثم لانلبث أن نكتشف ـ عبر بنية سردية أكثر عمقًا ـ أن هذه المساءلة تتجاوز تاريخ جعفر الراوي ـ أيضًا ـ إلى تاريخ الإنسانية. وذلك عبر مجموعة من الرموز والدلالات، توميُء أو تحيل إلى نص مصاحب (مسكوت عنه) يمور بقوة بين سطور النص المكتوب. وهو نص، يتوازى في بنيته الزمنية مع مراحل ثلاثة لحياة جعفر الراوي: (من الطفولة إلى الشباب إلى الكهولة ليوميء إلى الإنسان لغز أوديب).
ومن ثم فإن تاريخ جعفر الراوي هو معادل لتاريخ الحضارة الإنسانية، وأزمته هي أزمة الوجود الإنساني، وهو يبحث عن خلاصه من الأسطورة، حيث طفولة الفكر الإنساني، إلى الدين ونوازعه الروحية، ثم إلى العلم ونزوعه العقلاني (الحداثة) لينتهي كل هذا التاريخ، في لحظة تجسد عمق المأساة الإنسانية، تلك اللحظة التي يقف فيها جعفر الراوي أمام موظف الأوقاف، موزعًا بين الكبرياء والهزيمة، يتسول بضع جنيهات على سبيل الإعانة، فيما يردد بفخر كبير، كيف أنه تمرد وتحدى إرادة جده، صاحب البيت العتيق، والحديقة الغناء.
لقد بدأت رحلة الراوي بالثورة على الواقع، والتمرد على الموروث والقدري، وهذا بالضبط، قلقه الوجودي. وإذا كانت الرحلة لم تصل إلى النهاية السعيدة، فهذا لأن جعفر الراوي، ليس ذاتاً مفردة تمامًا، بقدر ما هو رمزُ لها، تجسد تجربة الإنسان وتيهه بين شتيت المحطات:(صدقنى سأكافح، لقد حملت حياة لايقدر على حملها الجن. فلتكن معركة، لن أكف عن القتال حتى أنال حقي الكامل من تركة جدي اللعين) .
يمكننا ملاحظة أن: مغزى الرواية يتجه إلى الموضوع الملح عند نجيب محفوظ، عن الإنسان وأسئلته التي لاتنتهي عن الوجود وماهيته، وظهرت تجلياته ـ على نحو صارم ـ في أولاد حارتنا عبر بنية استعارية لرواية التاريخ الإنساني، ومحتشدة بالكثير من التفاصيل.
أما (قلب الليل) فتنطلق بوضوح شديد من الواقع لتثور عليه، مختزلة الكثير من التفاصيل، عبر لغة شديدة التكثيف والإيحاء، لتوميء إلى نفس الموضوع، غير أنها لا تعتمد الاستعارة كوسيط لحكاية الإنسان، بقدر ما تعمل على إنتاجها من صيغة الواقع. عبر تجربة الحياة الشخصية لجعفر الراوي. وتقلباتها من الطفولة إلى الشباب إلى النضج العقلي، حتى المأساة، أو التراجيديا العنيفة كما يسميها تيري ايجلتون عندما يحدث كسوف أو انهيار العقل.
وظنى، أن هذه البنية، انقذت (قلب الليل) من المأزق القرائي الذي وقعت فيه (أولاد حارتنا) نتيجة لبنية الاستعارة. في حين أنها وسعت أفق القراءة لأقصى مدى زمني ودلالي على وجازتها. فلم تتوقف عند كونها محاكاة لتاريخ الإنسان وتقلبه بين العقائد المختلفة. فنحن ـ في هذه الرواية ـ إزاء مساءلات حيوية تمس الواقع الإنساني، وتتمركز ـ في النهاية ـ حول قيم إنسانية مؤرِقة، مثل الغريزة والعقل والعدل والحرية … إلخ.
يبدأ جعفر الراوى سرد حكايته لموظف الأوقاف بعدما انتهت. إنه الآن، عجوز محطم الوجدان، خرج من السجن لتوه، بعد ارتكابه لجريمة قتل. لكنه اختبر الحياة وعركها بما يكفي ليراها رؤية محيطة وواسعة، وبما يسمح بتحليل الأحداث، ومناقشة القضايا المعقدة، كما أن زمن الرواية ـ كلهاـ استرجاعي، بما يسمح بالقفز فوق تراتبية الزمن وانتقاء الأحداث ذات المغزى. وإذا أضفنا إلى ذلك، البنية الحوارية للرواية، تلك التي تسمح باستنطاق الشخصيات بما لايتمكن منه الراوي، نكون أمام تصميم مسبق، يسمح لنجيب محفوظ بتمرير رؤاه وتحليل نظراته الفلسفية. مستنطقا جعفر الراوي، لكننا لانشعر في أية لحظة، أن هذه الشخصية مجرد قناع، فهي ثرية بالتفاصيل الحية، ومؤهلة عبر رسمها وتاريخها النفسي والثقافي، لتنطق بغير العادي من الكلام، وقد تبدو في كثير من اللحظات تواقه له، ومندفعة إليه وكأنها تتعجل الزمن الباقي لها خشية أن تموت قبل إدراك ماهية وعلة، وسيرورة وجودها فيقول (لم يبق من عمري إلا أيام، ومازالت البشرية تعني العذاب والقلق، مازلنا نموت مخلفين وراءنا أملًا قد تحقق ونسيِّ….وأنت تريدني أن أروي قصتي بالطريقة التي تعجبك أنت..) لهذا تبدو وظيفة (موظف الوقف) ليس فقط استنطاق جعفر الراوي لسرد حكايته، بل موجِهًا للسرد، ومنسِقًا لترتيبه فنيًا ومنطقيًا، يقول جعفر الراوي:( لست تافهًا كما تتصور، إنى صاحب حق، وذو ثقافة، بوسعي أن أحدثك عن عيوب الديموقراطية، وعيوب الشيوعية). فقال موظف الوقف: ( ستحدثنى عن ذلك فى سياق حكايتك، ولكن لنرجع الآن إلى حياتك الجديدة)
عهد الأسطورة :
يقول جعفر الراوي لموظف الأوقاف:
ـ دعني أحدثك عن عهد الأسطورة.
ـ لعلك تقصد الطفولة.
ـ إني أعني ما أقول فلا تقاطعني، لاتوجد طفولة، ولكن يوجد حلم وأسطورة، عهد الحلم والأسطورة، وهو يفرض ذاته في عذوبة فائقة، وربما زائفة، بسبب من معاناة الحاضر الأليمة عادة. وهو دوي ضخم في وجداني، وعندما أحلله لا أجده شيئًا.
على نحو أولي، يسمح الاسترجاع، بأن يحدثنا جعفر الراوي عن طفولته، لكننا عبر الإحالات الدلالية والرمزية، نسمح لأنفسنا، بالرجوع لأبعد من طفولة جعفر الراوي، إلى طفولة الوعي الإنساني (الأسطورة) سينشأ عبر هذا نوع من التزامن الخصب الذي يثري الرؤية ويعمقها على الرغم من ضيق العبارة ووجازتها، بحيث يمكننا مراقبة النص المصاحب، مراقبة لصيقة ومتزامنة مع النص المكتوب.
فعلى مستوى النص المكتوب، سيمني جعفرالراوي بطفولة مأساوية، حيث تغيب صورة الأب والأم تمامًا، سوى من إحالات حسية عابرة ومجتزأة. كان الأب قد مات مبكرًا، وما لبثت الأم أن لحقت به، فعرف جعفر الراوي يتمًا مبكرًا، انتقل على إثره إلى رعاية الجد. وهناك يدرك أن عهد الطفولة قد انتهى.
وبدأ عهدًا جديدًا يقوم على التكليف بمهام لم يكن مؤهلًا لها. هنا تبدأ رحلة المسئولية والالتزام تتعارض مع الحرية التي عاشها في كنف الطفولة اللعوب. هنا نشير إلى تطور التاريخ البشري، وتحوله من الوعي الأسطوري للوجود (طفولة الإنسانية) إلى الوعي الميتافيزيقي له مع سطوع الأديان، وهو يمثل المرحلة السابقة على مرحلة الوعي العقلاني في الحداثة، أي أنه مرحلة وسيطة بين الإدراك الحلمي للوجود والإدراك العقلي له.
وعلى مستوى النص المصاحب، فإن (جعفر) قد ورث المأساة عن أبيه، عندما لحقت به لعنة الجد، كان الأب الشاب قد فتن هيامًا بالمرأة الجميلة (أم جعفر) والتى )لولا جمالها لما نشأت الماساة أصلًا (. ولسبب غائب عن إدراك الأب ولا يصرح به في الرواية وكأنه نتاج إرادة قدرية، رفض الجد هذه العلاقة وحرّمها، لكن الإبن ـ الضال ـ يذعن للغواية، فاستحق غضب الجد، وطرده من البيت العتيق، وسوف نرى، أن (جعفر) قد ورث لعنة الغواية عن أبيه، فحق عليه الغضب، وأعاد مأساة الطرد من البيت العتيق. إنها لعنة أبدية، وغضب أبدي، وتيه أبدي في قلب الليل. نتيجة الحرمان من ميراث الجد. الذي يتبدى في صفات إلهية. على نحو ماسوف نرى. في حين يعجز الحفيد، ليس عن إدراك صفاته وجلاله، بل عن إدراك حكمته، وتحكمه في توجيه حياته ليكون إنسانًا إلاهيًا، فيما هو لايملك من صفات الألوهية شيئًا.
هو في الواقع ابن الإنسان، على نحو ما قال له الجد يائسًا: (أنت ابن أبيك). ومن ثم، لاغرابة أن يجد جعفر نفسه مدفوعًا ليكرر مأساة أبيه، فيقع في غواية الجمال، ويُطرد من البيت العتيق. يُمكننا ملاحظة أن جعفر الراوي لايمثل ذاته منفردة وحسب، بل يرمز أيضًا إلى معضلة الوجود الإنساني في مُطلقه.
بهذه الطريقة يوميء النص المصاحب إلى أسطورة الخلق الموصومة بالغواية والتحريم والعصيان. ومن ثم الطرد من الجنة. ولاعجب أن يقول جعفر الراوي لموظف الأوقاف (لي مع الجنة تاريخ طويل، كانت أمي تحدثني عنها حديث الخبير)
مأزق الوعى:
يمثل الوجود الإنساني على الأرض مأزقًا في هذه الرواية، يعبر عنه جعفر الراوي في قوله: (إني اتمرغ في التراب، ولكنني في الأصل هابط من السماء)
تعكس هذه العبارة، الموقف المأساوي، بين أصالة سماوية للإنسان، جديرة بامتلاك العالم والسيطرة عليه، وبين واقع مزريُّ وبائس. نحن أمام موقفين يعكسان قدرًا كبيرًا من التناقض في التفسير الديني للوجود الإنساني. لكن، آلية التجادل بين النص والنص المصاحب، كانت تمضي إلى النهاية، فيما يفسر كل منهما الآخر. فجعفر الراوي كان واعيًا بمأساته، وهنا تكون المعضلة وتبدأ رحلة القلق الوجودي، الوعي. نلاحظ أن التناقض لاينشأ عن عدم تكيف الذات بإمكاناتها الثرية مع الواقع فحسب، بل أن التناقض ـأيضًاـ جزء من طبيعة الإنسان، جزء من مأساة الوجود: (إنى حزمة من التناقضات) وتنشأ المأساة من هذا الوعي أصلًا . ففيما هو واع بواقعه، إلا أن هذا الوعي لم يعصمه من ارتكاب حماقات عديدة ـ تمليها الغريزة ـ عبر تاريخه الطويل. إن درجة الوعي بتناقض العلاقة بين الذات والوجود هي أزمة (الراوي) المستمرة حتى بعد أن خبر الحياة وصار كهلًا معدمًا. وهي دافعه إلى سيل من الأسئلة الوجودية ( إنى أتقدم في العمر ولم تكف الأسئلة عن مطاردتي، صدقني، فأنا شخص غير عادي )
الحياة في البيت العتيق:
التعريف الأول بالحياة الجديدة التى انتقل إليها الطفل (جعفر) بعد موت أمه. كان وصفًا مسهبًا للقصر وحديقته الغناء، أشجارها الباسقة وقطوفها الدانية، وبسطها المدودة، ومياهها الجارية، أي مكان هذا غير الجنة التي طرد منها الإنسان ليعيش تيههُ الأول على الأرض. إنه تعريف يسمح بتقديم الجد، بوصفه أزهريًا نال قدرًا واسعًا من العلم والدين. لاعمل له غير إدارة أملاكه.
بدأ لقاء الجد بمراجعة الثوابت الدينية عند الطفل: من الذي خلقك؟ من نبيك؟ ماذا تحفظ من القرآن؟ أما الجد ( فهو يطالب الإنسان بالسمو والتطهر والكمال وباعتناق رؤياه في الوجود، ويحتقر الضعف وما يراه انحلالًا وتدهورًا في التكامل البشري، هكذا اقتنعتُ بأن الطريق إلى حنانه واضح ومستقيم، ولكنه حافل بالجهد والصبر والعرق، والقوة والتقدم والسمو. هنا معضلة أخرى من معضلات الوجود الإنساني (الضعيف) على الأرض. عليه أن يكون إلاهًا، أن يتسم بالسمو والتطهر والكمال، أن يعتنق رؤيا الله الذي في السماء فيما هو على الأرض. الله الكامل الطاهر فيما هو ناقص ومدنس.
عندئذ يدرك جعفر أن عصر الأسطورة قد انتهى، وأن حياة جديدة قد بدأت للتو وفق مطالب الجد وتصوراته عن الإنسان الكامل فيمتثل لها، ويخطو خطوات مباركة، حتى بلغ سن الشباب، ثم، بدأت اللعنة التى طاردت الأب، تتبدى للإبن. تمثلت الغواية الأولى في رغبته في السفر إلى أوروبا.
الترحال والتيه ( إشارة إلى كلام ميشيل مافيزولي السابق ).
“ـ يسرني ياجدي.. وأود بعد ذلك أن أسافر إلى أوروبا.
فتجلى الاهتمام في عينيه وسألني .
– مالذي جعلك تود ذلك
– أسوة بما فعل أبي .(ص43)
هل التيه قدر، أم أنها رحلتنا لاكتشاف ذواتنا؟، بكل أبعادها المعرفية و الحسية المكتسبة عبر الممارسة والخبرة الخاصة المميزة لكينونتنا؟ أهي انتزاع للذات من هيمنة الغيبىي والموروث، واختبار القدرات الإنسانية على مواجهة الحياة؟. لكن الرحلة لاتتم على نحو اختياري كما سوف نرى.
وفي هذه المرحلة يتعرف جعفر الراوي على صديق الصبا ( محمد شكرون ) وكان يتمتع بصوت عذب أعجب الجد فقربه إليه في مجالس الذكر والإنشاد. مما أثار غيرة الشاب، فتمنى لو ينافس صديقه ملكة الصوت الجميل التي يرعاها الجد ويغدق عليها. ولأن الجد عليم بما في الصدور، نصح الحفيد أن يقدّر ذاته بما وهبه الله:
(وهبك الله عقلًا راجحًا كما وهب صديقك صوتًا عذبًا، فانعم بما وهبك ولا تنغص صفوك بما تفتقد، ولوكنت ذا استعداد للغناء ما ساءني أن تصير مطربًا، فالمطرب ـ أيضًا ـ يستطيع أن يكون إنسانًا إلاهيًا).. المغزى ـ هنا ـ أن على جعفر أن يدرك كنه ذاته، أن يكون ما هو عليه.
يقول جعفر الراوي: (وثبت عندي من ذلك حب جدي العميق للغناء والموسيقى، وإنها عاطفة مستقلة بذاتها عنده وليست تابعة لتدينه فحسب)
إن هذا التوفيق بين المتع الحسية، والرغبات الإنسانية، وبين أن يكون إنسانًا إلاهيًا، مطلبُ لم يتمكن جعفر الراوي من تحقيقه طوال الوقت، وستكون فتنة الغناء وعشق الحياة الصاخبة لأهل الفن والطرب، بداية لطريق طويل من المعاناة يجسد الإخفاق في اكتشاف جعفر لذاته بقدراتها وإمكاناتها المتاحة، عندما قاده محمد شكرون إلى بيوت العوالم (الراقصات) وكان ذلك بمثابة إشارة البدء بإحساس جعفر الراوي بمأزق الجسد الإنساني وورغباته التي لاتكف عن العواء، والدفع به إلى مصير مماثل لمصير أبيه.
كانت الخادمة في بيت الجد قد لاحظت نظراته الشبقة لإحدى زميلاتها فجزعت وتوسلت إليه ألا يقدم على التفكير فيما يغضب الجد كما فعل أبوه.
مأزق الجسد :
يقول جعفر الراوى عن فترة الشباب:
(أما أزمة تلك الفترة الحقيقة فكانت أزمة جنس، أزمة المراهق المتشوف إلى القداسة، ونزاعه الدائم مع غرائزة القوية )
كانت الخواطر الجنسية تلح علي جعفر الراوي في مراهقته، وكثيرًا ما حاول فهم الغريزة الجنسية وطبيعتها، وسطوتها المستبدة بالجسد الإنساني في تحد صريح لروحانية الحياة في بيت الجد. وكثيرًا ما كان يفكر، هل يمكن أن يكون لجده حياة جنسية خاصة؟ لكنه كان يرتعد لمجرد التفكير في هذا، منزهًا أياه عن أي تناقض أونقص أو دنس.
غير أن علاقة جعفر الراوي بجسده، واكتشافه لرغباته الحسية، وتناقضها مع القيم المجتمعية، كانت قد بدأت بالفعل منذ عهد الطفولة، إلا أنه كان عهد ما قبل التكليف والمسؤولية، أو كما يسميه جعفر الراوي: (عصر الجن الماجن والجماد اللعوب والحقائق الطيفية والأحلام الحقيقية ).
عندما ضبطته أمه في سحارة الخبز، يحتضن ابنة الجيران فعاقبته بعلقة ساخنة، كان ذلك في ليالي رمضان، وكان يحب الغوص بين أجساد البنات على نحو فطري، يفعل هذا منذ طفولته (في سن السادسة) مختلطًا باللعبِ والأطيافِ الحسية، كما لو أن هذا البعد الزمني للتجربة الحسية هو تأكيد على جذرها الغريزي العميق، وكأن حدود المأساة قد رسمت بالفعل منذ عهد الأسطورة، وربما قبل الميلاد، وأنها سوف تلاحقه في شبابه بدفق عاصف لاقبل له به. عندما وقعت عيناه على راعية الغنم (مروانة). وما أن وقع نظره على عينيها حتى انتابه الجنون الكامل. فسار وراءها مدفوعًا بهجس شيطاني: (سرتُ بقوة الجنون والسكر وتفجرت في قلبي ينابيع المغامرة بلا حدود).
يرمز نجيب محفوظ للهجس الشيطاني، بصورة غاية في البراعة، وفيما يشبه طقسًا للتناول والتعميد، عندما ناولته (مروانة) كوبًا من لبن الماعز: (وربط كوب اللبن بيننا برباط حريري قاتل) فتبدل حال الشاب الأزهري المستقيم ـ ربيب البيت العتيق ـ إلى النقيض فيما يشبه الطفرة. عندئذ، يطل وجه النص المصاحب بنظراته وتحليلاته للأمور وكأنها محاججة فلسفية لنظرية النشوء والارتقاء، أو وكأنه (محفوظ) يؤهلنا لثورة الشك التي اشتعلت في قلب جعفر الراوي:
(الإنسان يخلق المنطق ولكنه يتجاوزه، والطبيعة ياعزيزى تستعمل الطفرة كما تستعمل التطور)
ولا غرو أن نعرف بعد ذلك أن مروانة تنتمي إلى معسكر الشياطين أو معسكر المتشردين ـ كما ورد في موضع آخر ـ .تعيش بين أهلها في جماعات هامشية بعشش الترجمان، مطرودة من المتن الاجتماعي، وموصومة بالانحراف والتمرد على كل قوانينه. وهي في المقابل، جماعة تملك كل أسلحة الهجوم على هذا المتن، تتحداة وتتعالى عليه. بل تتعالى على أيقوناته و تتحدى رموزه. إنه هامش، يسعى إلى خلق سرديته الخاصة، يحدث هذا في مفارقة طريفة من طرائف محفوظ.
كان الأزهري الشاب (جعفر) قد ذهب إلى معسكر الشياطين يطلب الزواج من مروانة. وكان أبوها يجلس بين عصابة من المتشردين وقطاع الطرق. وبدا للشاب أنه قد يحظى بالقبول إذا ما تحدث عن أصله ونسبه إلى جده الراوي، رجل الله: فيقول أبو مروانة ساخرًا: (نحن رجال الله حقًا، الله المنتقم الجبار خالق الجحيم والزلازل ،أنظر إلى هولاء – مشيرًا إلى معسكر المتشردين- إنهم رجال الله، صورة منه في جبروته وانتقامه )
ولاتكتمل سردية الهامش إلا بهدم المتن وتقويضه بالتمركز فيه أولاً..(أنا جدك الحقيقي، وأهبك هذه المرأة التي تمتص قذائف غرائزك الشريرة). هنا تظهر سردية التمرد الأزلي والتحدي الأسطوري للإرادة الإلهية عندما عصى أبليس ربه، هذه سردية تعكس فلسفتها الخاصة في مناقضة واضحة لسردية المتن المقدس. لكن المأزق الحقيقي أنها تسلم بالإرادة الإلهية في نفس الوقت. فالتمرد ـ في حد ذاته ـ إرادة إلهية، والهامش، هو الوجود المقدر له تأكيد المتن. إنه مأزق الجسد الإنساني بتناقضاته بين منطق يخلق المتن، وآخر يحطمه أو على نحو مايقول جعفر الراوي نفسه: (الإنسان يخلق المنطق ويتجاوزه)
أما على مستوى النص، فإن جعفر الراوي ينظر إلى تمرده على أنه إرادة الجد، التي شاءت أن تحرم عليه الزواج بمروانة التي يريدها جسده. وكأننا في سياق لعبة تعارض الإرادات، نعيد اختبار ذواتنا واكتشافها، هكذا يكتشف جعفر الراوى ميراثه الإنساني بكل ضعفه، عندئذ يعلق الجد: (إنك ابن والديك). بعدها، اختار جعفر الخروج من جنة صاحب البيت العتيق.
وكان ذلك المعنى إيذانا باستمرار المأساة الإنسانية، وخروج جعفر الراوي من البيت العتيق. وانتسابه إلى معسكر الشياطين، فعاش حياة حسية باذخة. لكن الفقدان الروحي، يفقده التوازن النفسي الذي عاشه في بيت الجد. ولأن لاعودة إلى الوراء أبدًا، إذ أن الرحلة هكذا، كل شيء يمضي قدمًا كالزمن، مضى جعفر الراوي إلى الانهماك في حياة حسية، حتى التقى ـ يومًا ـ هدى صديق.
العقل الجميل :
” المغامرة الحقة في رأس الإنسان “ص 98
هذا هو القانون الجديد الذي اكتشفه جعفر الراوي بعد مغامرة الجسد مع مروانة، عندما التقى بامرأة أخرى هى ( هدى صديق) التي تمثل نموذجًا مضادًا لنموذج مروانة. هى سيدة كريمة الأصل، تتمتع بقدر من الثراء وإن ظل لايماثل ثراء الجد. مثقفة رصينة، ترتاد المسارح والصالونات الثقافية، تزوجته، ثم قادته إلى التعليم النظامي بدلًا من التعليم الأزهرى الذي اختاره له الجد. إيذانا بمرحلة جديدة فى حياته. اتسمت بالنضج والعقلانية والشغف بالمعرفة والأخذ بأسباب العلم والمنطق والملاحظة والتجربة. بما يذكي فيه القدرة على مغالبة هواجسه الحسية التي ميزت مرحلته السابقة في معسكر الشياطين ( مع مروانة ). إنه يعيش عصر العقل. هدى صديق نموضج لإنسان الحداثة.
وكان أن أبدى (جعفر) جدارة في طلب الحياة الجديدة بشروطها: الطموح والشغف للمعرفة واكتساب المهارات الذهنية، فشغل فراغ المرحلة الغيبية، وبدأ الحياة الجديدة بإخلاص يدهش صديقه محمد شكرون وهو يرقب تبدله من حال إلى نقيضه: ” إنك شيطان فى تكيفك مع العربدة، ملاك في تكيفك مع الاستقامة ” ص107
وهكذا فالإنسان ـ إذن ـ ابن بيئته، وليس ابن قدره.
وكالعادة، ففي كل مرحلة جديدة تسمح البنية الحوارية باستنطاق الشخصيات بوجهات النظر والتحليلات الفكرية والمعرفية، تأتي ـ هذه المرة على لسان جعفر الراوي شارحًا لموظف الأوقاف:” وهذا العقل يعتبر مخلوقًا حديثًا نسبيًا إذا قيس بالغرائز والعواطف، فالذي يربط الإنسان بالحياة غريزة، والذى يربطه بالبقاء غريزة، والذي يربطه بالتكاثر غريزة، ودور العقل في كل أؤلئك هو دور الخادم الذكى ” ص112 . هنا نتذكر، يذهب كيركيجار: ” … الفكر الذاتي أو الوجودي، على العكس، يجتهد ليفهم المجرد محسوسًا”
ولعل هذه المداخلات التفسيرية المبررة فنيًا عبر الحوار، جزء من وسائل دعم القاريء لينتبه إلى النص المصاحب. الذي سوف يتمثل ـ هنا ـ في حداثة التجربة البشرية (عصر الأنوار) ومرجعيتها المطلقة للعقل الخالص. مخلفة وراءها عصور الميتافيزيقا بصورتيها الأسطورية والدينية. لهذا ينبه محمد شكرون صديقه جعفر الراوي، إن هدى صديق تريده ” مقطوع السبب بالراوى ” ص101.
والحقيقة، أن هذه المرحلة سمحت لنجيب محفوظ بمناقشة موضوعة العقل الخالص، سواء عبر حوارات مطولة، أو عبر مفارقات سردية، وهى مناقشات مثيرة ومدهشة. لا تتوقف عند اختبار العقل، بوصفه جهازًا معرفيًا للإنسان الفرد، بل بوصفه تمثيلًا للحداثة وطموحاتها وأحلامها التي جسدت توق الإنسان لفردوس أرضي، حتى لايظل مصيره معلقًا بوعد غيبي يعطل حركة الحياة ويقمع الطاقات المعجزة التي يتمتع بها البشر. لكن المفارقة، ستكشف لنا ـ فيما بعد ـ أن فردوس الجد مازال مطمحًا لجعفر الراوى، وإن لم يتخل عن كبريائه.
ولعل هذه المناقشات قد اختبرت مقولات ومفاهيم عديدة، وأبدت معارضات لبعضها على نحو مانراه يعارض ـ عبر صوت حعفر الراوي ـ مقولة فرويد عن جبل الجليد المطمور تحت الماء إلا قمته، فيعلق: ” المسألة ليست مسألة حجم ولكنها مسألة قيمة أولًا وأخيرًا” ص113. فضلًا عن معارضاته لمفاهيم مثل: الحرية وارتباطها بالالتزام، فالحرية في تقديره، هى حرية الإرادة الإنسانية:” الحرية الحقيقة وعي بالعقل ورسالته وأهدافه وتحديد الوسائل بحرية الإرادة ” ص114. لقد دخل جعفر مرحلة الحداثة، الأنوار، الإلهامات المضيئة بالعقل والحكمة. فهل ستهدأ روحه وتكف عن القلق. هل سيدرك ـ أخيرًا ـ بعقله كنه ذاته؟ سنرى.
ثم، هاهو يرفض الوطنية التى تخضع لتصورات تتسم بالأنانية، مطالبًا أن نقيم أوطاننا بلا تأثر بما ندعوه الوطنية. وهذه ـ كما نظن ـ نظرات تتماس بقوة مع مفاهيم انتجتها الحداثة، عن التعددية، وبشرت بها. عبر رؤى كلية وإنسانية للعالم تجعل العقل مركزًا ومبررًا للوجود ( أنا أفكر إذاً أنا موجود) عالم تتماهى فيه الحدود الزمكانية الميعقة لتطور البشرية. كما تتماهى فيه المذاهب الفلسفية المتضادة، وكأن العالم فردوس يتعايش فيه الجميع.
هكذا ينتهى جعفر الراوى إلى تأليف نظرية توفيقية بين الشيوعية والديموقراطية، ترفضها زوجته ( الديموقراطية) وتراها خطرة مستحيلة التنفيذ، كما يرفضها سعد كبير ( الشيوعى ) ويعتبرها ” سمك لبن تمر هندى “ص132. ونرى في هذا الجزء من الرواية محاججات فكرية تدور بين سعد كبير وجعفر الراوى على نحو محتدم ومتناقض. لكن النقاش الذي يدور بين سعد كبير وهدى صديق بدا أكثر عمقًا وأصالة حتى أن هدى صديق وجدت في نقيضها الشيوعى تميزًا وجدارة عن زوجها الحائر بين المذاهب الفكرية.
ووسط هذا الانهماك العقلى يشعر جعفرالراوى إنه مخول لحمل رسالة إلى البشرية، تبشر بدين جديد قوامه العقل والعدل والحرية. ولاغرو أنه وجد في منعطفات حياته تشابها مع حياة النبى.ص126
يبدو لى أن مأساة جعفر الراوى العميقة تسكن في وعيه بذاته، فهو يحمل تناقضاته داخله، ولكنه يرغب أن يجمع بينها في نظرية توفيقية تسمح بتعايش الأضداد. أن يجمع بين عصيانه لجده الراوى واحترامه له، يحتاج إليه ويرفض الانصياع لإرادته. يعشق عقل هدى صديق وجسد مروانة، ويحب أن يتعايش مع صديقه الشيوعى وزوجته الديموقراطية. يحب القرآن والإنشاد الديني، ويعشق الطرب والغناء واللهو. هل هى أزمة الإنسان الحداثي؟ وهل يمكن له أن يجد طريقًا وسطًا ومتصالحًا بين المتناقضات؟
لكن جعفر الراوى يفرق بين مأساته الخاصة التي” نشأت من الصراع بين عقلي وبين إيماني الراسخ ” ص116. وبين مأساة عامة، تاريخية، تتبدى في طبيعة المراحل المفصلية، وانتقال الوعي من الميتافيزيقي والغيبي الذي لازم البشرية قرونًا، إلى العقل والتجربة على حداثتهما. وهنا تتجلى النظرة الموسوعية عند نجيب محفوظ للتراث الإنساني، وتأرجحه بين النقيضين، فالإنسان الذي ُوهب العقل لم يكن مؤهلا لحمله تمامًا ” ومايزال النصر مقررا حتى اليوم للغرائز، على الأقل في الحياة العامة، لم يظفر العقل بالسيادة إلا في العلم، فيما عدا ذلك فهو يخضع للغرائز” ص 115
لهذا، فإن نظرية جعفر الراوي تنبنى على مصالحة تاريخية بين العقل والغريزة. غير أن هذه المصالحة تنهار تمامًا عند أول اختبار يسمح للغريزة أن تنفلت من أسر العقل. لتبقى مأساة الإنسان هى الدال الوحيد على وجوده.” ثم اجتاحتنى المأساة كأنها زلزال غير مسبوقة بأسباب واضحة ..” ص137.هنا نتذكر تيري ايجلتون: (إذا حدث تحول أو انحدار أو كسوف للمعنى، تتحول الحياة إلى تراجيديا عنيفة ).
كان جعفر قد عانى قلقًا حديثًا متوهمًا أن علاقة ما نشأت بين صديقه ( سعد كبير ) وزوجته، ولطالما حاول وأد هذا الهاجس الذي لم يجد عليه دليلًا. لكن شيئًا غريزيًا كان ينمو مغالبًا عقله. خشية أن ينافسه سعد كبير ملكية هدى صديق التي صارت معادلًا لحياة جديدة: متعقلة، هانئة، مستقرة. لقد أصبح وجود (سعد كبير) مصدر تهديد لحياة جعفر الراوى. فشعر بالغيرة من اهتمام (هدى صديق) به، يذكرنا هذا بموقفه من (محمد شكرون) عندما شعر بالغيرة منه نتيجة لاهتمام الجد ورعايته له. لكنه هذه المرة، لم يكن في رعاية روحانية تهدىء من خواطره، فقط، كان معتمدًا على عقله، معتدًا به، وذات نقاش محتدم بينه وبين ( سعد كبير ) تخلى عنه عقله المقدس، فطعن الراوي صديقة المفضل، الشيوعي رفيق رحلة التنوير حت اراده قتيلًا.
يقول جعفر الراوى:
” وقفت أتأمل جثته الملقاة بين المكتب والكنبة الجلدية فى ذهول بارد سرمدي وأنا اشعر بأنني تخففت دفعة واحدة من كافة أعباء الحياة وانفعهالاتها، ثم غصت فجأة إلى أعماق دنيا الحلم فرأيت من كوة في جدارها المتهافت شبح المأساة وهو يجري بعيدًا عني في كون آخر مضاد، لاتربطني به صلة بشرية، وسمعت صوتًا، لعله صوتي أو صوت آخر يهتف مذبوحًا: ياعقلى المقدس، لماذا تخليت عني؟ “ص141
” ماذا يفيد الإنسان لو كسب العالم وخس نفسه”
انتهت رحلة جعفر الراوي بانهيار العقل اعتز وآمن به، وتبدى له شبح الماساة وهو يجري بعيدا عنه في كون آخر، ألا تذكرنا تلك النهاية بمقولة تيري ايجلتون: ” اليقين العقلي مهلك للروح، لأنه إذا حدث تحول أو انحدار أو كسوف للمعنى، تتحول الحياة إلى تراجيديا عنيفة ” ؟
هل كان نجيب محفوظ يهدف إلى هذا المعنى؟ ليقوض خدعة العقل التي آمنت بها الحداثة على نحو مطلق، وصار بديلًا للدين؟ هل هو استشراف لما بعد الحداثة بوعي ثاقب لروائي فيلسوف إدرك مبكرا ما تنطوى عليه الحداثة من أوهام؟ ربما.
يقول عمر الحمزاوي بطل رواية الشحاذ: ” أتريد أن تعرف سري حقا يامصطفى، اسمع عندما امضني الفشل جريت نحو القوة التي آمنا من قبل بأنها شر لابد أن يزول”ص42. عمر الحمزاوي يقصد الدين، الذي اعتبره في أيام نضاله الشيوعي ( أفيون الشعوب ). وفي موضع آخر من الرواية يقول مصطفى ( صديق عمر ورفيق رحلة النضال ): خبرنا الآن عن معنى الحياة؟ ص 100 ثم يستطرد: ” ” لماذا نسأل؟ الحكاية أن العقيدة كانت تعطينا معنى متكاملا، وأننا نحاول أن ملأ الفراغ تحقيقا لقانون طبيعي”ص100.
يمكن القول أن الشحاذ تبدا من حيث انتهت قلب الليل. فإذا كان جعفر الراوي قد تمرد على حياة الجد الإلهى، ومضي في رحلته وراء شهوة الجنس ونشوة الفن والغناء، وانتهى إلى أنوار العقل بين يدي هدى صديق، فإن عمر الحمزاوي بدأ من هذه النقطة الأخيرة. أنوار العقل وسطوعه. وعلى العكس من جعفر الراوي، حقق عمر النجاح تلو النجاح. أنهى نضاله الثوري بعد قيام ثورة يوليو، وتبنيها للأفكار الاشتراكية، ارتاح إلى هذه النتيجة، فأكب على حياته الخاصة وهجر بل ونسى سنوات النضال، نجح نجاحا باهرا في مهنة المحاماة، تزوج ممن يحبها ( زينب) وأنجب ابنتين هما
قرة عينه، وها هو يرفل في حياة رغدة مترفة، فزاد وزنه وتورد وجهه. وفي غمار كل هذا التنعم بالنجاح، بعكس جعفر الراوي، تأتيه العاصفة من حيث لايدري ولا يفهم. عاصفة السؤال عن معنى حياته. كان أحد العملاء يلح عليه أن يسارع في تحقيق أمله بكسب القضية، فشعر عمر الحمزاوي بغيظ وسأله دونما سبب:
ـ تصور أن تكسب القضية اليوم وتملك الأرض ثم تستولى عليها الحكومة؟
فيهز العميل رأسه باستهانة ويقول:
ـ المهم أن أكسب القضية، ألسنا نعيش حياتنا ونحن نعلم أن الله يأخذها؟
هزته إجابة الرجل بعنف، واصيب بدوار مفاجيء، واختفى كل شيء حوله، كأنما انتزعت منه إجابة العميل كل تصور عن معنى الحياة، وكأنما رأي ببصيرته فجأة، ما لم يره بعمره الناجح وعقله الراجح. ألسنا نعيش حياتنا ونحن نعلم أن الله يأخذها؟
ومنذ هذه اللحظة، يستبد بعمر الوجوم والصمت، ثم يذهب لاستشارة طبيب، لكن الطبيب لايرى فيه عله واضحة، فنصحه بالمشى وأنقاص الوزن، لكن ذلك لم يجد نفعا، فهاهو يهمل عمله، ويراه بلا معنى، ويصبح البيت في نظره صامتا بارد بلاحياة، ويعتريه الملل والضجر من كل شيء. فلا يأبه بتوسلات ابنته،ولا بجزع زوجته الجميلة، ولاحتى بمولودها القادم. فقدت الحياة نشوتها تماما، فراح يبحث عن النشوة في الملاهي وبين احضان اللاهيات، لكن ( نشوة الحب لاتدوم، ونشوة الجنس أقصر من أن يكون لها أثر” لا هو ولا احد يفهم سر هذا الضجر والزهد والانحدار المتتابع الذي ضيع به كل ما انجزه من نجاح في رحلة الحياة. وتتم الماساة بأن اعتزل الحياة تماما، فقبع في كوخ ناء، يناجي أشباحًا وأطيافًا تأتيه من الزمن السحيق،حيث الوحوش الأسطورية، والأقوام البدائية، والطبيعة الغفل. كأنه يغوص في الزمن إلى الوراء. إلى حيث العدم.
كانت رحلة جعفر الراوي كدا في الحياة، تمردا عليها، وصراعا معها، سعيا لغاية هناك، يظنها ممكن في الواقع. أما عمر الحمزاوي، فعلى العكس، بدأ انهياره من الواقع، وراح يغوص في ذاته شيئا فشيئا حتى انتهى إلى عزلة أشبه بالموت ” ألم تدرك أنني ميت الحواس؟”ص160 وهذيان اشبه بالحنون. للراوي رحلة للأمام، معلومة السبب، محددة الغاية هى إرث جده اللعين، وللحمزاوي رحلة للوراء، يلفها الغموص، ولايفهم غايتها ولا منتهاها. ومع ذلك فكل منهما مشى رحلة وجوده الخاص فما الفرق؟ كانت رحلة الراوي رحلة وعى بالذات، بدأت من عهد الأسطورة والأحلام ومرت بالمراهقة وفورة الجسد وانتهت إلى الحكمة ونور العقل. هنا ذات واعية، تقطع رحلتها عن قصد، أما عمر الحمزاوي، فكانت رحلته في عالم آخر، أكثر ظلاما ووحشية وغموضا، هو عالم اللاوعي. هنا ذات تبحث عن معنى قديم ضاع منها في رحلة النجاح، عودة للوراء بحثا عن ما كان يمتلكه ثم ضاع منه في الطريق. واكتشف أنه، بعد كل ما حقق في الحياة، ظل شحاذا، يتسول يقينا لا يعرفه.” أنا أعيش في مقام السؤال لكن بلا جواب”ص54،يقول صديقه مصطفى ” ولأنه لا يوجد وحي في عصرنا، فلم يبق لأمثالك إلا التسول”.
كان (عثمان خليل) هو الصديق الثالث لمصطفى وعمر، أمضى عشرين عاما من عمره سجينا سياسيًا، فيما تمكن مصطفى وعمر من الهروب، وظلا ينعمان برغد الحياة ونجاحات العمل،فيما هو يعاني وحشة السجن وخسارة الشباب، وها هو يخرج من سجنه، فيجد صديقاه قد تخليا عن أفكار النضال التي دفع حياته ثمنا لها، هكذا يظهر عثمان من الماضي فجأة، ليذكرهما بما آل إليه حالهما من اغتراب عن نفسيهما، وفى أول لقاء لهم دار ما يشبه العتاب واللوم، وكان عمر سادرًا في صمته، ينظر إلى السماء، أما مصطفى فيحاول اضفاء المرح على اللقاء، مذكرا عثمان أنه ضحى بعمره من أجل الإنسانية، أما عثمان فيصفعهما بكلماته اللاذعة:”يالفداحة الفشل… لا أصدق ما حل بكما من تدهور..” وفي هذا السياق يصف مصطفى ما حل بعمر قائلاً:” كأنما يبحث عن نفسه، فيرد عثمان مقطبًا:” أليس هو الذي ضيعها”.
هنا بيت القصيد في محنة عمر الحمزاوي، أنه كسب كل شيئ، لكنه خسر نفسه. وكأنما يغوص عمر في أعماق النفس ودهاليزها، بحثا عن اللحظة التي يكون فيها هو ذاته، كلما أوغل لايجد سوى الظلام والخواء. فما اشقى وأصعب أن تكون رحلتك داخلك.
والآن ما تفسير كل هذا؟
يرى ( يحيى الرخاوي) أن كل العلامات التي تصف حال عمر الحمزاوي هى علامات لمرض معروف ( الاكتئاب )، وهو مرض” يصيب وظائف النفس الثلاث ( العاطفة والتفكير والسلوك) بالهمود والانحطاط، وهو يصيب عادة ذوي الشخصية النوابية، أي التي يتناوب مزاجها بين المرح، والحزن والأحوال العادية، تلك الشخصية التي أطلق عليها صلاح جاهين، الشخصية الفرحنقباضية، وهى تسمية خليقة بالاعتبار”.ص172.
ثم يشير في موضع آخر عن نوع من الاكتئاب تم تصنيفه على أنه الاكتئاب الوجودي. أو الاكتئاب المتعلق بالكينونة.الذي يواجه فيه الإنسان السؤال الخالد ( أكون أو لا أكون).
ترى كم من العمر ضيع عمر الحمزاوي قبل ان يسال نفسه هذا السؤال؟ وما هو الطريق الذي مشى فيه متسولا الإجابات؟ مرة بالشراب والتلسية، ولكن الضجر والسأم كفيل بإفساد كل متعة. وفكر أن يعود إلى الشعر الذي كان قد هجره منذ زمن، فيدرك أن الشعر جميل، لكن الأجمل منه أن يعيش الشعر لا أن يكتبه. ثم هاهو ينهمك في البحث عن نشوة بين احضان النساء، ولكن يرى أن اللحظة الإلهية لاتجود بنفسها أكثر من ثانية واحدة. ولأنه لايجد إجابة شافية، يظل ينكص إلى الوراء حتى يصل إلى تماه تام وانسحاق كامل في الوجود بكل ما فيه، تيه عظيم في التاريخ ينتهى به إلى البدائية، أو ما أسميناه طفولة الإنسانية، حيث تقبع الأم الخافية * في عالمها الأسطوري، عالم الأحلام والخيالات والأطياف التي بدأ بها جعفر الراوي طفولته، هنا ارتداد ونكوص،وغياب في اللاوعي، حتى يحس أنه ( جثة منسية فوق سطح الأرض) وهكذا ينتهى إلى موت نفسي.
والآن، الا تذكرنا هذه المحطات بما مر به جعفر الراوي من تهيؤات الطفولة، إلى ثورة الجسد في إلى المراهقة إلى الغناء والفن، وينتهى بالعلم قبل أن تحل به لعنة العقل ، كأن عمر الحمزاوي يمشي نفس الرحلة ولكن بالعكس. لكننا لايمكننا الجزم بأن عمر الحمزاوي، امتلك الموقف الوجودي الذي امتلكه جعفر الراوي، فالانسحاب من الحياة والنكوص إلى البدئي لايمكن اعتباره وعيا أو موقفا. إنه مرض كما أشار يحي الرخاوي، إنه الاكتئاب الوجودي، الذي ينشأ عن اضطراب الوجدان.. نعم الوجدان الذي هو ما مادة وجد، يجد وجودا.
يقول يحي الرخاوي:
” ويختل التفكير وتظهر النزعات العدوانية الانتحارية:
ـ أفكر في تفجير الذرة
فإن تعذر ذلك ففي لقتل
فإن تعذر ذلك ففي الانتحار
وهكذا يظهر التسلسل الجميل ( آسف للتعبير غير المناسب) في أعراض المرض، فهو يطلب أن يثبت ذاته بالمستحيل، ثم يعجز، فينطلق التوتر الناشيء عن الإحباط إلى العدوان، فإذا عجز انقلب الدافع العدواني إلى داخل نفسه.
نموذجان للقلق الوجودي، كل منهما قد يودي بصاحبه، إلى الماساة
مقولة الامام على الناس نيام
ثم هاهو حينما يصل إلى ما يظنه اليقين يبدأ الانهيار. أما رحلة عمر الحمزاوي، فكانت بالعكس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) نجيب محفوظ : قلب الليل ـ رواية ـ مكتبة مصر ـ القاهرة ـ 1975
قصة: فتيحة قادة
الشارع الكبير يعجّ بروائح الطعام الشهية المنبعثة من المطابخ و الأفران تسحب الشّمس آخر خيوطها الذهبية بعد أن أذنت لها المدينة بالمغادرة ،لاتسمع غير أصوات الملاعق و هي تلتطم بالصحون و بعض الصّبية الذين يقلّدون صوت المؤذّن و بعد سويعات يخرج الرجال لأداء صلاة التراويح بينما تنشغل النّسوة والفتيات في التنظيف و إعداد السّحور ،
استمر في القراءة ضحى