بقلم: سيد الوكيل
لست أذكر الآن، عدد الذين نصحوني في بداية مشواري مع السرد: إن كنت ترغب في قراءة القصة القصيرة فعليك بإدريس، وإن كنت ترغب في قراءة الرواية فعليك بمحفوظ. أفكار كهذه، قسّمت السرد بين زعيمين. لا بأس، ولكنها ـ في الحقيقة ـ نتيجة لجهد نقدي طويل في رسم الحدود الفاصلة بين القصة والرواية. فنحن نعرف، أن النشأة الأولى، لم تكن على هذا القدر من الحسم، للفارق بين القصة والرواية. وكثير من القصص كانت تنشر تحت مسمى (رواية). ونعرف، أن بعض الكتاب كانوا ينشرون قصصهم القصيرة، ثم يحولونها إلى روايات، بما يعني أن الوعي بحدود النوع بينهما لم يكن ماثلًا في أذهانهم، حتى وهم يطلقون على ما يكتبونه قصًا. ففي مقدمة مجموعته القصصية (إحسان هانم) يقول عيسى عبيد: “وقد حذونا حذو بلزاك شيخ الروائيين الفرنسيين في مؤلفاته الموسومة بالإنسانية الممثلة.. بمعنى أننا قد نتتبع في قصصنا المقبلة حياة الأشخاص الذين صورنا صفحة من حياتهم في هذه القصص، أو نأتي على صفحة أخرى من حياتهم.” (1)
كانت القصص المحفوظية، تقدم نموذجًا لا يبالي بهذه الحدود. فبدت قصصه القصيرة، في أثرها القرائي بقوة الرواية. سواء في عالمها المركب، أو فضائها الدلالي، أو زمنها الرحب، أو لغتها المتأنية. لكن كثيراً من النقاد المولعين بالتخصص الدقيق، ورسم الحدود بين الأنواع السردية، لم ينظروا لقصصه القصيرة بتقدير مناسب، فانتهوا إلى توزيع إمارة السرد بينه وبين إدريس. فمنحوه عرش الرواية، ومنحوا إدريس عرش القصة القصيرة.
هذا سجال لا بأس به. لكن ما يعنينا هنا، هو الترسيم الضيق لسمات القصة القصيرة، الذي انحصر في النموذج المدرسي لقصة (نظرة) ليوسف إدريس. إذ بدت قصص محفوظ في مواجهتها، وكأنها روايات ملخصة، وربما مجهضة. فبظني أن هذه اللحظة، كانت فارقة في حياة القصة القصيرة، وعكست صراعًا غير مبرر بين نوعين من السرد كأخوين من أم واحدة وأب واحد.
في بداية هذا الصراع، ازدهرت القصة القصيرة وحظيت بالرعاية المتكاملة، كتابة وقراءة ونقدًا، حتى طالعتنا مقولة (زمن الرواية) فوجدت القصة القصيرة نفسها في العراء. وتراجعت مكانتها بين النقاد والناشرين، والقراء، وفي عام (2007) حُجبت جائزة الدولة التشجيعية في القصة القصيرة وسط ذهول الكثيرين من كتاب هذا الفن المعذب. وفي سجال صحفي، اعتبره البعض إعلانًا رسميًا بوفاة القصة القصيرة، وعارضهم آخرون معبرين عن قلقهم إزاء سياسات المنح والمنع التي تديرها المؤسسات الثقافية، رافضين أن تكون القصة القصيرة فنًا في طريقه إلى الزوال، مستشهدين بعدد من االمجموعات القصصية المميزة، التي قدمت اقتراحًا سرديًا مغايرًا في شكل القصة القصيرة. كما أشاروا إلى تجارب واتجاهات فارقة في مسيرتها القصيرة، تتجاوز الأنماط الشائعة في بنية الإبداع القصصي. فعلى مستوى عالمي، كان نموذج ( ناتالي ساروت) انحرافًا مهما في مسيرة السرد القصصي، وفي مصر، انبثقت مقولة (الكتابة عبر النوعية) برعاية متكاملة من الروائي (إدوار الخراط) فعبّرت عن تململ السرد القصصي من سلطة النوع. غير أن آليات التطوير والتجديد للفنون، لاتفرض من خارجها بأفكار مسبقة، بل عبر الاختبار والتجريب، وضرورات الانحراف التي تستدعيها الفنون نفسها. فلم يكد ذلك القرن ينتهي إلا وأصبحت فكرة عبور النوع مجرد ذكري عابرة في تاريخ القصة القصيرة، تماما كما حدث مع نموذج ناتالي ساروت. ولا يعني هذا أن مثل هذه التجارب والانحرافات، لم تكن مؤثرة، بل يعني، أنها تحولت إلى مدخلات ومعطيات، تذوب في معنى واسع ومتجاوز لكل التصنيفات والأنواع، هذا المعنى هو: السرد.
نعرف أن ظهور القصة القصيرة بمعناها الفني الذي نعرفه الآن، قد بدأ متأخرًا بعد الرواية بأكثر من قرن، ومن ثم، يبدو ظهورها، كما لو كان ثورة على الرواية التي مازالت تتلكأ في تقاليدها القديمة،على نحو ما يقول فرانك اكونورو: يمكن أن نري في القصة القصيرة اتجاهاً عقلياً يجتذب جماهير الجماعات المغمورة علي اختلاف الأزمنة، وأن الرواية مازالت بالفكرة التقليدية عن المجتمع المتحضر، فلا نستبعد، أن ما حققته القصة القصيرة من تنوع في أساليب السرد وتقنياته أسهم في تطور الرواية.
صحيح أن واقعة حجب جائزة القصة القصيرة، وملابساتها المؤلمة، ظلت ماثلة في ذاكرة كتّاب القصة كجرح عميق، لكنها في المقابل، منحتهم مساحة أكبر من حرية التجريب، ومفارقة النماذج المألوفة، والبحث عن مسارات جديدة؛ تلك هي هوية السرد القصصي، مسيرة من التجدد والانحراف والتفرد، حتى لتبدو كل قصة قصيرة هي هوية مستقلة.
إن دافعية الانفعال العابر التي تقف وراء لحظة ميلاد قصة قصيرة، تنسحب على بناء القصة ولغتها. إنها محرومة من أسبقية التصميم، والأمد الاستراتيجي كما هو الحال في الرواية، ومن ثم، فهي في كل مرة ميلاد جيد، أو بتعبير أكثر شعرية، كل قصة قصيرة تخلق نفسها، وتعد بميلاد جديد من رحمها، يمكنه أن يكون أكثر امتدادً وأطول أمدًا على نحو ما عبر عيسى عبيد.
في اعتقادي، أن واقعة حجب جائزة القصة القصيرة، عكست أزمة الخطاب النقدي، ورغبته العنيفة في رسم أطر، ومسارات، ومحددات شكلية للسرد. إذ كان الفصل بين القصة والرواية –منذ البداية- محيرًا ومربكًا، ولم يجد له سندًا ومعيارًا غير الحجم. لكن حتى هذا لم يكن حاسمًا أيضًا، فأصبح لدينا قصة، وقصة طويلة، وقصة قصيرة، وقصة قصيرة جدًا، وأقصوصة، وأخيرًا.. قصة الومضة.
وفي مسار آخر بعيدًا عن معيار الحجم. جاءت المتتالية القصصية لتطاول الرواية في قدرتها على نسج شبكة معقدة وواسعة من العلاقات السردية. كما جاء الكتاب القصصي ليحوي عددًا من القصص ذات الصلة، التي تقف على معنى، أو موضوع، أو تجربة، أو عالم محدد، كما نجد في (حيوانات أيامنا) عند محمد المخزنجي فظهر على استحياء مصطلح (النوفيللا)، ليعبر عن سرد كيفي، وبيني، منحرف عن موائمات النوع، فيقدم نفسه بخجل أمام فحولة البناء الروائي المتماسك واتجاهه نحو ما يعرف بالرواية الكعب.
المعنى .. أن القصة وجدت نفسها في مأزق يستلزم تحديد هويتها، والانطلاق بعيدًا عن التصنيفات المجحفة. وظني أن هذه الهوية الرجراجة للقصة، هو سر قدرتها على البقاء، وسر حريتها في التنقل بين الأشكال، والأنماط والنماذج السردية المختلفة، وسر طاقتها التجريبية ونزوعها لتجديد مساراتها، حتى أن محفوظ يفاجئنا في نهاية مشواره الأدبي العظيم. بأصداء السيرة الذاتية والأحلام.
وظني أن نجيب محفوظ، وبحدس يخصه وحده، لم يسقط –منذ البداية- في فخ الهويات المغلقة لأنواع السرد، التي تقضي بفرضيات شكلانية حاسمة فيم بينها. ويبدو أن نتائج التجريب القصصي، التي تجعل من كل قصة حالة منفردة.. كانت تصب في فضاء السرد الواسع عنده. ومن ثم يمكن القول إن بعض رواياته أفادت كثيرًا من النزوعين التقني والتجريبي للقصة القصيرة.. إن عددًا لايستهان به من رواياته، كالمرايا وحديث الصباح والمساء، وأمام العرش، قد خلّقت بنيتها الخاصة، مستفيدة من بناء القصة القصيرة، ولغتها المكثفة، ورؤيتها المركزة. بل حتى الحرافيش رغم فضاءها الملحمي الواسع زمنًا والمتنوع دلالةً، لا تبتعد كثيرًا في معمارها عن المتتالية القصصية. لكن نجيب محفوظ لم يكن مشغولاً بمثل هذه التصنيفات كغيره، كان يعرف أنه يعيش في فضاء السرد فحسب.
في الواقع، ليس في نيتنا التورط في موضوع الأنواع الأدبية، بقدر ما نظن أن هذه المقدمة مدخل مناسب للوقوف على ملامح السرد عند الأستاذ نجيب محفوظ، فهو لم يلتزم بالحدود الفارقة بين القصة والرواية، ولم يكن حريصًا على تصنيف أعماله، سواء اعتبرناها قصصًا أو روايات، كما لم يكن معنيًا بلصق هذا التصنيف على أغلفة كتبه. إنه موقف رحب في رؤيته للسرد، امتد عبر تجربته الفنية شكلاً وموضوعًا، فحافظت على طبيعتها المرنة، وقدرتها على المراوغة والانحراف عن المسارات والأطر المألوفة للنوع، وتنوعت مساحات التجريب فيها. كما أن هذه الرغبة في تجاهل التصنيف السردي على أغلفه أعماله، تترك مساحة رحبة لأفق توقعات القارئ على نحو ما ذهب ياوس.. فالقارئ هو الذي يرسم صورة لحدود ما يقرأ عبر التلقي، ويستمر في القراءة طالما ظلت النصوص في حدود ما توقعه، حتى إذا خرجت عن صورتها التي يحددها القارئ، يدرك لحظتها فقط، أنه أمام نوع مختلف. معنى ذلك أن النوع الأدبي هو مجرد محددات سابقة على النص، أي أنها: نظرية وافتراضية، وربما غير ملزمة.
وظني أن القصة عند نجيب محفوظ ليست نوعًا مستقلًا، ولا شكلًا مميزًا، بقدر ما هي طريقة لرؤية موضوع ما. هذه الرؤية هي التي تحدد طبيعة السرد بين التكثيف والتجريد والترميز من ناحية، وبين التحليل والتقصي والوصف من ناحية أخرى. والرؤية وعي فردي لصاحبها، وليست آلية أو تقنية يمكن ضبطها، وتحديد فاعليتها وأثرها. فما المانع، أن ما نظنه عناصر مؤسسة للقصة القصيرة تجتمع في عمل ما، لكنه يفتح عالمًا شديد الرحابة والاتساع، فالبذرة الأولى لرواية (الحارس في حقل الشوفان لسالينجر) كانت قصة قصيرة بعنوان (إني مجنون) وظلت تحتفظ بكل عناصر القصة القصيرة عندما قدمها سالينجر كراوية.. فهي ذات زمن محدود جدًا، وتنهض على حدث وحيد، وشخصية وحيدة…هناك فتي مراهق (هولدن كولفيلد) قرر أن يترك مدرسته الداخلية إلى الأبد، فخرج إلى الشارع، ولم يفكر في العودة إلى البيت. وبعد تسكع طويل في شوارع المدينة، عاد إلى البيت في اليوم التالي. الرؤية التي اشتغل عليها سالينجر، هي: كيف يستطيع فتي مراهق أن يملأ فراغه المعنوي بمزيد من الهراء؟.. فلا جدوى من الهروب من عبث إلى عبث، ليبدو حقل الشوفان مجرد رمز لهشاشة الواقع المعيش.. هذه الرؤية أفضت إلى أن يعيش الشاب عالمًا مكتظًا بالممارسات التافهة، والوقائع الصغيرة المتشابهة التي لا تفضي إلا إلى مزيد من الملل والثرثرة الفارغة، كأنها خشخشات أعواد شوفان يحركها الهواء..
لا شيء يحرك لا شيء.. وهذا اللاشيء أصاب الشاب بالسأم حتى من كل ما أنتجته الحضارة البشرية. هذا هو الواقع الذي رغب سالينجر في نقله إلينا لتأكيد هراء المعاني الكبرى التي من قبيل التعليم والمدنية والرفاهية. وهو نتاج وعي بأزمة (هولدن كولفيلد) وتقدير لإمكانات السرد، وقدرته على تغطية الدلالة الكلية دونما ترهلات أو ملل.
يذكر أن شخصية هولدن كولفيلد، ظهرت في عدد من قصص سالينجر قبل أن يكتب روايته الوحيدة (الحارس في حقل الشوفان).. هذه المعالجات المتعددة لشخصية واحدة تقارب البحث، بحيث تصبح كل كتابة نوعًا من الحفر في طبقة من طبقات الشخصية، ومن ثم اتساع الرؤية. أي أن شخصية الحارس في حقل الشوفان، وصلت إلى هذا الوجود الحي عبر محطات وتجارب وزوايا نظر مختلفة.
مثل هذا الوعي بطبيعة التجربة الإنسانية، ومأزقها الوجودي، ومثل هذا السرد في طبيعته البحثية، بإمكاناته اللامحدودة، هو المسئول عن روح التجريب والتجديد في أعمال محفوظ .. وسنرى أن بعض شخصياته المؤثرة كشخصية الفتوة مثلاً، قد مرت بعمليات بحث شبيهة بما فعله سالينجر، قبل أن تصل إلى هذا المعنى المدهش في الحرافيش. أما على مستوى البنية، فإن وعي محفوظ (العائش في السرد) بلا حدود أو فواصل وتصنيفات، أنتج لنا بنيات سردية على غير مثال، بحيث يقف هواة التصنيف مكتوفي أيدي أمامها على نحو ما حدث مع أصداء السيرة، وأحلام فترة النقاهة. كما لا يمكننا تجاهل البنية المركبة لرواية (حديث المساء) التي تتكون من قصص قصيرة وبالغة القصر، وبترتيبها الأبجدي، تعصف بكل تقاليد الزمن الروائي، فتتيح الفرصة لخلق روابط موضوعية بين وحدات صغرى ومستقلة من السرد. كما جاءت أعمال أخرى، على التخوم بين القصة والرواية والحكاية الشعبية والملحمة على نحو ما نلاحظ في: الحرافيش، وليالي ألف ليلة وليلة، وقلب الليل. التي تبدو في بنيتها، قصة طويلة عن حياة جعفر الراوي، لكن في ثقلها الفكري والموضوعي، تتماس بقوة مع أولاد حارتنا، بعمقها الزمني المدهش، وربما تفوقها في تشابكها الدلالي.
الفارق بين القصة والرواية، عند محفوظ، لم يكن معيارًا شكليًا أو خارجًا عن التجربة السردية، بقدر ما هو مرتبط بجوهر الرؤية لها، أو بزاوية النظر التي يتناول من خلالها التجربة. فنفس التجربة، يمكن النظر إليها من زوايا مختلفة، تمامًا كما يمكن النظر لمنظور ما من عدة مساقط (جانبية أو رأسية، أو أفقية). المنظور.. هوهو، فيما تكون المحصلة القرائية لكل زاوية مختلفة..
فحكاية داود المصري في (حديث الصباح والمساء) توقفنا على الطبيعة المتناقضة في روحه، كنتيجة للمفارقة بين نشأته الشعبية الفقيرة في سوق الزلط، وتعليمه العالي بدراسة الطب. فتقلب -على حد وصف نجيب محفوظ- بين التراث والمعاصرة، وحاول الانتساب إلى الطبقات العليا، حين تزوج من سنية الوراق ابنه الثري الذي كان أبوه يعمل عنده، كأنما يسعى لتعويض نقص في طفولته، ثم عاد وتزوج من الجارية آدم، فسكن إليها حتى أنه شيد لها ضريحًا مهيبًا بعد موتها، كأنه يشيد ضريحًا لذاته التي فقدها منذ اختطفه عسكر محمد على وهو يمشي مع أخيه (عزيز) في سوق الزلط… هذه الطبيعة المتناقضة، هي التي التقطها السيناريست الكبير (محسن زايد) بوصفه قارئًا لنص قصير جدًا تحت عنوان (داود يزيد المصري) لكنه أدرك اكتنازه الواسع بالمعاني والدلالات، فالنص المكتنز يتجاوز تصنيفه، بحيث مكّن (محسن زايد) من إعادة إنتاجه دراميًا على نحو فريد قد لا نجده متاحًا في النص القصير (داود يزيد المصري) بحيث استطاع دواد المصري، أن يحوز في المسلسل التلفزيوني مساحة درامية واسعة بحجم رواية مستقلة.
ما فعله النص أن حرك وأثرى أفق توقعات محسن زايد بوصفه قارءًا. ففي المسلسل التلفزيوني، يذهب داود باشًا ليطلب يد (هدى هانم الألوزي)، أرملة (عطا المراكيبي) ابنة الحسب والنسب والثراء. لكنها ترفضه. لقد أدركت أن رغبته فيها ليست حبًا، بقدر ما هي تعويض نفسي عن ماضية الموقوف.
ظل داود باشا سجين زمنين مختلفين، زمن طفولة ابن فرجة بائعة السمك، وزمن الباشا..حيث أصبح داود تحت رحمته غصبًا بعد حادث الاختطاف، وإجباره على دراسة الطب؛ بدلاً من بيع السمك. ظل داود باشا موزعًا ومعذبًا بين زمنين، وواقعين. زمن قديم، وزمن جديد. واقع نفسي داخلي وواقع خارجي معيش. يعبّر محسن زايد عن هذا الصدع في شخصية داود باشا، عندما جعله يصاب في نهاية عمره، بالشلل الرعاش (باركنسون). هذه الإضافات التي لم يشر إليها محفوظ في نصه، من وحي العطاء القرائي للنص، وتعني.. أن رؤية نجيب محفوظ للشخصية عميقة، ومكتنزة.. بما يدعو القارئ أن يكون منتجًا للدلالة. فما بين السطور، أكثر ثراء وعطاءً.
كما أن تجليات هذا التناقض، لا تظهر في حكاية داود المكتوبة في الرواية فحسب، بل تظهر أيضًا، في حكاية ابنه عبد العظيم باشا- الذي كان على خلاف مع أبيه معظم الوقت، إذ أخذ عليه زواجه من الجارية آدم ولم يغفره أبدًا. لم يكن المعيار الطبقي عند عبد العظيم قائم على امتلاك الثروة، بل كان العلم هو معيار التمايز الاجتماعي الجديد. لذلك كان يحتقر أولاد عطا المراكيبي الأثرياء فيقول عنهم: مال كثير وجهل أكثر فما المنبع؟ ..بياع مراكيب حقير بالصالحية.(3) كما أن فقر ابن عمه (عمرو افندي) لم يمنعه من التواصل معه بل ودعم أولاده.
كان عمرو افندي على قدر من التعليم والوعي الذي مكنه من دخول الطبقة المتوسطة، فتأهل ابنائه للتعليم العالي. وقد شعر عبد العظيم باشا بالرضا عندما تقدم عامر ابن (عمرو افندي) للزواج من ابنته، فبارك الزواج رغم معارضة أسرة زوجته ابنة الحسب والنسب. الواقع، أن داود باشا وابنه، كانا يسعيان طوال الوقت إلى خلق توازنات دقيقة، تحاول ضبط شخصيتهما وتحقق ذاتيهما المؤرقة بين طبقتين متباعدتين.. كما أن هذا المعنى يجب أن يقرأ بعناية عندما نضع شخصية داود باشا، في مقابل شخصية (عطا المراكيبي) الذي كان ينتمي لنفس الطبقة الدنيا، ولكن (عطا) اختار أن يتخلص منها ويعتلي إلى طبقة أرستقراطية، لم تكلفه سوى الزواج بهدى هانم الألوزي. المعنى الأدق أن (عطا المراكيبي) أحب طبقته الجديدة وانتمى إليها انتماء كاملًا فتحقق فيها، واستقر عاطفيًا، وحظي بالثراء والحب معًا. . يقول نجيب محفوظ عن عطا المراكيبي:
” الحق أن الثروة كشفت عن مواهبه الكامنة وقوة شخصيته” (4) بمعنى أن الثروة كانت وسيلته لتحقيق ذاته، وضبط توازنه النفسي. ومن ثم، فإن الموضوع الطبقي يأخذ عند محفوظ بعدًا نفسيًا أكثر من كونه مجرد بعد اقتصادي، وهو ما يؤكد أن النزعة الإنسانية في واقعية نجيب محفوظ، غالبة على النزعة الأيديولوجية التي وسمت الرواية الواقعية كما سعى إليها إدريس.
صحيح كل من داود باشا وعطا المراكبي يتشابهان في تطورهما الاجتماعي والصعود من الطبقة الدنيا إلى الطبقة العليا في قفزة واحدة، لكن هذا التشابه يظل خارجيًا، بينما ظليهما شديدي الاختلاف، فالأول (داود) ضحية القدر، ولم يكن مهيئًا بعد لخوض هذه الرحلة الجبرية فعاني اغترابًا لبقية عمره، فهل يُلمح نجيب محفوظ إلى قضية شغلته في بعض من أعماله، عن الجبر والاختيار، ربما.. أما عطا المراكيبى فقد اختار رحلته بإرادته، وكان جاهزًا نفسيًا ليمشيها حتى النهاية.
والآن.. كيف نفهم رغبة داود باشا في الزواج بهدى الألوزي؟..تلك الثرية التي خاضت رحلة معاكسة لرحلة زوجها (عطا الإسكافي) حين التقيا في منتصف الطريق والعمر. وكيف نفهم رفضها الحاسم لداود باشا، وهيامها بالإسكافي؟ ولماذا سكنت روح داود باشا إلى الجارية آدم. الظل الأسود بداخله؟.
كيف نفهم كل هذا الحراك العجيب بين الشخصيات وانتمائها الطبقي، ما لم ننتبه أن ثمة دوافع داخلية وشخصية أكثر تأثيرًا؟ بحيث لا يمكن أن يجيبنا المنظور الأيديولوجي عن هذه الأسئلة. هذه الدوافع هي التي تحركنا وتميز وجودنا الإنساني المفرد في المحيط الاجتماعي العام. تلك هي نظرة محفوظ للواقع الإنساني.
حكاية داود باشا، ثرية بجوانبها المختلفة حد التناقض، حتى أن النظر إليها من زاوية واحدة، لا يمكنه أن يضيء كل هذه الجوانب. كما أن البناء الأبجدي للرواية الذي انتهجه محفوظ في ترتيب الحكايات المنفصلة، كان يمنحنا الكثير من الإشارات عن داود باشا، عبر حكايات لآخرين، قبل أن نصل إلى حكايته وبعدها. هذه الإشارات، بمثابة علاقات تواصل بين الحكايات المختلفة، تضيء بعضها البعض، لأن الكل أكبر من مجموع أجزائه.. هكذا يتشكل البناء الروائي لحديث الصباح والمساء، عبر قصص قصيرة منفصلة متصلة. إنه بناء إشكالي يتواشج مع القصة القصيرة والمتتالية القصصية والكتاب القصصي والرواية أيضًا.
لكن نجيب محفوظ لم يكن مشغولاً بهذه التصنيفات، كان مشغولًا بالسرد في ذاته، لدرجة أنه لم يضع على إصداراته تصنيفات مباشرة. وكأنه يترك هذا الأمر للقارئ. لهذا فإن النظر إلى نجيب محفوظ على أساس الفصل بين الأنواع المختلفة للسرد، ينطوي على قمع لتجربته الواسعة والمتعددة. أما الحرية التي تعامل بها محفوظ مع السرد، فقد مكنته من القيام بمغامرات مدهشة في تشكيلات البنى السردية لأعماله. بحيث لا يمكننا الفصل، بضمير مرتاح بين ما هو قصة، وما هو رواية. لهذا فتجربة محفوظ كلها، هي عملية عبور واسع للنوع. وفي ذلك يقول إبراهيم فتحي:النوع الأدبي عند محفوظ شكل متميز من الرؤية، أي طريقة كلية لتخيل وتصور جوانب معينة من الواقع الإنساني”(5)
بهذا المعنى، فالقصة القصيرة عند نجيب محفوظ ليست شكلاً، أو بناءًا أو تقنية، ولا موضوعًا. بقدر ما هي طريقة، رؤية، زاوية للنظر، تمكّن الكاتب من رؤية الجوانب الأكثر دقة في عالمه السردي، بغض النظر عن الحجم، والقواعد الشكلانية للنص. عندئذ لا يحتاج إلى الكثير من الكلمات، أو الأحداث، أو الأزمنة والأمكنة. فسلوك ما، أو حدث واحد في حياة الإنسان، وفي لحظة محددة، يمكنه أن يفجر الكثير من التداعيات، ويمنح النص فضًاء دلاليًا واسعًا. وسوف نرى أن رواية قصيرة جدًا لنجيب محفوظ، مثل (قلب الليل) تختزن طاقة دلالية مساوية، إن لم تكن أكبر من تلك التي نجدها في روايته (أولاد حارتنا) رغم ضخامتها. حتى يمكن القول إن (قلب الليل) هي إعادة إنتاج أكثر تكثيفًا لأولاد حارتنا، وذلك بالنظر إلى الرؤية الكلية لكل منهما، من حيث الرصد التاريخي لرحلة الوعي الإنساني وتطوره من الأسطورة إلى الدين إلى العلم.
الذي حدث أن نجيب محفوظ وجد زاوية نظر جديدة لرؤية نفس الموضوع، مكنته من الوصول إلى الأعماق السحيقة لموضوعه. رؤية شديدة التكثيف والدقة والبلاغة، هكذا يتحقق معنى للسرد خاصًا بمحفوظ، فالسرد ليس تمثيلاً للواقع، وليس معادلاً موضوعيًا ولا محاكاة، بقدر ما هو أداة بحث ووسيلة للمعرفة.
إن إعادة النظر في حكاية ما، وإعادة إنتاجها في صيغة مختلفة، لا يعني التكرار بالضرورة، فعلينا أن نبحث عن الفروق بدلاً من البحث عن التشابهات، إنه حفر في الطبقات الأعمق لأرض الحكاية، وتحديق مستمر في فضائها. هكذا يكون السرد صيغة بحثية في الوجود، وهذا معنى أوسع كثيرًا من الوظيفة الاجتماعية التي انشغلت بها الواقعية في روافدها الاجتماعية والسياسية..
تنمو الرؤى، وتورق عبر اختبارها، وإمعان النظر فيها من جوانب مختلفة. بهذا المعنى، يمكن اعتبار حكاية الفتوة (بيومي الفوال) هى البذرة الأولى التي أورقت في ملحمة (الحرافيش). وسنرى أن شخصية الفتوة، تطورت على مهل، حتى أنتجت هذا الفضاء الملحمي المتعدد والواسع للحرافيش.
تبدو قصة (فتوة العطوف) كأنها حكاية من حكايات الحرافيش، سواء من حيث رسم أبعاد الشخصية (بيومي الفوال) وحركتها الحيوية، ومن ثم مصيرها. فضلاً عن البعد التاريخي لأدوات السلطة، وأشكالها، وأنماط الصراع بين القوى المختلفة من أجل الهيمنة. كل تلك العلامات التي يمكن أن نراها في الحرافيش.
يخبرنا محمد جبريل في مقدمته لمجموعة (فتوة العطوف) (6) إنها من القصص الأولى التي نشرها محفوظ في دوريات مختلفة أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات، حتى جاء (محمد جبريل) ليضمها في كتاب واحد مع مختارات قصصية أخرى تحت عنوان (فتوة العطوف ـ2001 م).
يمكن اعتبار قصة (فتوة العطوف) نفسها، بمثابةالبذرة الأولى لشخصية الفتوة التي أصبحت نمطًا مميزًا في عالم نجيب محفوظ؛ سواءً في الأدب أو السينما. ربما فيما بعد أورقت (فتوة العطوف) منظومة متكاملة من حكايات الفتونة، وعالمًا واسعًا بلغ أوجه في الحرافيش في عام (1977م). ألا يذكرنا هذا بكلام عيسى عبيد عن اعتقاده أن كل قصة قصيرة، يمكن رعايتها وتنميتها بتتبع شخصياتها. وسنرى أن ليس شخصية الفتوة، بل وشخصية ضابط البوليس الذي يطارده، تنمو في قصة أخرى بعنوان (الخوف).
ينبغي الالتفات إلى أن الحرافيش، في بنائها الجزئي هي قصص، أو حكاياتمتصلة/ منفصلة، تعرض لتاريخ الفتونة، وهو جزء خطير من التاريخ الاجتماعي الحديث بوصفه نمطًا من أنماط السلطة. لكن لجوء الكاتب إلى بنية على هذا النحو من الاتساع، لا تكتفي بأن تقدم في كل حكاية تصورًا مختلفًا لشكل السلطة وطبيعتها، بل تعنى بالجوانب الإنسانية، بضعفها وجبروتها وأحلامها ونزواتها.. كل هذا نتاج النظر من زوايا متعددة لموضوع السلطة، فإذا بنا أمام صور عديدة للسلطة، ودوافع مختلفة، حتى أن السلطة لم تعد مرادفًا للقوة فحسب، فالخوف سلطة، والشهوة سلطة، والجمال سلطة، والمال سلطة، والعقل سلطة، والقدر سلطة، والزمن سلطة، والموت هو السلطة الأعلى نحو ما نجد في حكاية (جلال صاحب الجلالة) من حكايات الحرافيش.. إلخ.
إن الإنسان ليس محكومًا بواقعه فحسب، بل ثم دوافع غير منظورة لا قبل له بها، لكنها أكثر سطوة على الواقع نفسه، لدرجة أنها قادرة على خلق لحظات من التحول الدرامي، ليس في مسارات السرد فحسب، بل في مصائر الشخصيات أيضًا. دوافع كتلك التي ارتعش لها قلب عاشور الناجي عندما رأي( فلة) في خمارة درويش. هذه لحظة فارقة في حياة فلة أيضًا، كشفت عن إمكانات لم تكن منظورة لها، فزواجها من عاشور أبرز صلابتها وقوة شخصيتها ومواهبها الحقيقية في أن تكون زوجة وأمًا بدلاً من كونها فتاة الخمارة.
على الرغم من أهمية لحظات التحول الفارقة في شخصيات الحرافيش، تظل أكثر انشغالاً بموضوع السلطة، وفي خدمتها، بغرض إجلاء معاني كلية عن أنظمة السلطة، قوتها وضعفها، والآفات التي تفت في عضدها، وومعانتها من أدوات للقهر، والأبعاد النفسية والاجتماعية التي ينتجها الواقع. فيما الرؤية، التي اشتغل عليها محفوظ في (فتوة العطوف) ركزت على لحظة وحيدة، ولكنها فاصلة، وهي لحظة التحول لانتقال السلطة من يد الفتوة إلى ضابط البوليس. ليس بهدف التسجيل أو التوثيق لتلك اللحظة، بقدر ما كان يستهدف الكشف عن الأبعاد التراجيدية للمصائر التي ترتبت عليها.
هذه نظرة مختلفة تمامًا، بل ومركزة جدًا،عن تلك التي نخرج بها من حكايات الحرافيش بأبعادها التاريخية دينيًا واجتماعيًا وسياسيًا. لكن هذا التركيز لا يمنعنا من اعتبار بيومي الفوال رمزًا لتاريخ الفتونة كله. وهذا يفسر لنا، لماذا كان محفوظ حريصًا على سرد تاريخ بيومي الفوال، منذ بدايته الأولى ونشأته بين الفتوات، حتى امتلك السيطرة الكاملة على الحارة. ثم بدأ منحنى تطور الفتونة في الهبوط تدريجيًا وسط ملابسات عديدة، حتى ظهر ضابط الشرطة الشاب الذي كان بمثابة المسمار الأخير في نعش الفتونة. إذ تمكن من تحجيم بيومي الفوال، حتى قضى عليه تمامًا.
كيف نشعر بالأسى والتعاطف مع الفتوة الذي طالما تجبر وطغى؟
إنه البعد الإنساني الذي تحقق في معنى الواقعية عند نجيب محفوظ. . لقد ظل الإنسان في أدب محفوظ، له الحضور الأول، قبل أي معنى سياسي أو اجتماعي. فمهما كانت الشخصيات ذات بعد رمزي، لا تنجرف إلى التجريد، إذ تحتفظ بطابعها الإنساني في كل حالات ضعفة وقوته، وانتصاره وانكساره. فتبدو كما لو كانت من لحم ودم، وليست مجرد شخصيات ورقية مكتوبة، وموجهة لخدمة معنى أو فكرة أو أيديولوجيا.
في (فتوة العطوف) تتبدى لنا تراجيديا المصائر الإنسانية في لحظات التحول، ونحن نشهد الفتونة التي سادت الدنيا وهي تترنح وتهان وتنزوي. حتى لنجد أنفسنا متعاطفين معها، وهي تعاني مأزقها الوجودي، على يد سلطة جديدة شابة. ثم تبدأ الأسئلة: فهل اندحار فتوة العطوف، جاء عبر صراع قوي على النمط المألوف؟
أم هو صراع أجيال؟ أم صراع أزمنة؟ يأتي في سياق تطور الحضارة البشرية، ومن ثم تطور أدوات السلطة مع بزوغ الحداثة، ورسوخ مفهوم الدولة بمقوماتها الحديثة.
ما نعنيه، أن التكثيف، والتركيز على لحظة واحدة في تاريخ الفتونة، لم يضيق من الأفق الدلالي للنص، ولم يجعل الشخصية مجرد رمز يحيل إلى معنى يخرجها من طبيعتها الإنسانية.
في (فتوة العطوف) يتجلى البعد الإنساني في شخصية الفتوة، عندما يكشف عن ضعفه، وحيرته، وانكساره. لكن هذا لم يمنعنا من التحديق في هذه اللحظة المختارة بعناية.. لحظة التحول من نظام السلطة القائمة على الانتخاب الطبيعي، إلى السلطة الممنهجة والمسيسة، من قوة الجسد إلى قوة القانون. هكذا يصبح للتحول دلالة مجتمعية، وتاريخية، بل حضارية واسعة، أكير من كونها قصة حياة فتوة.. ينهي محفوظ قصة (فتوة العطوف) هكذا: ” والظاهر أن الحظ الذي حالفه قديمًا، قد تخلى عنه إلى الأبد، وإنه ليعاني الآن آلام السجن، والله وحده يعلم ما هو صانع به بعد ذلك”.(7)
محفوظ لا يكتفي فقط بتأمل تاريخ الفتونة، بل يدعونا لنظرة استشرافية إلى التاريخ الجديد للسلطة الجديدة، التي ستتشكل على يد الضابط الشاب. هكذا تتسع الرؤية، في قصة قصيرة لاتتجاوز تسع صفحات. لكن الرؤية الاستشرافية المرتقبة، تورق في قصة أخرى بعنوان (الخوف) ضمن مجموعة (بيت سيء السمعة-1965م) (8). تتناول القصة تراجيديا العلاقة بين الإنسان والسلطة في صورها المختلفة: سلطة القوة، سلطة الجمال، سلطة الشباب، سلطة القانون. السلطة ليست تمثيلاً سياسيًا فحسب، بل هي تمثيل لقانون الحركة والتدافع في الوجود. يبدو أن الجمال الممثل في (نعيمة) هو الحلقة الأضعف في هرم السلطة. فجمال نعيمة يزوي وينطفئ تحت سطوة السلطات المختلفة. هنا يأخذ الجمال في تسلسل السلطات بعدًا فلسفيًا، فالجمال في كل تجلياته لا يمكنه أن يعيش تحت القهر في كل تجلياته أيضًا. ولا بأس أن هذا المعنى الفلسفي يتسع ليأخذ بعدًا سياسيًا، أو بعدًا اجتماعيًا حيث تكون المرأة (نعيمة) هي الحلقة الأضعف في سلم السلطة الاجتماعي.
الحكاية تبدأ من حارة (الفرغانة) وهي منطقة وسطى تقع بين حارتي: الحلوجي ودعبس.
الفرغانة!! هل يوحي اسم الحارة، بالخلاء الذي تبدأ وتنتهي فيه حكايات فتوات الحرافيش.. بانتصار أو انكسار؟ هل الفرغانة هي امتداد مكاني فحسب، أم نشعر فيه بعمق زمن الفتونة، وبداية التكوين السلطوي؟
كان (جعران) هو فتوة حارة الحلوجي، وكان (الأعور) هو فتوة حارة دعبس، فيما كانت الفرغانة بلا فتوة، لهذا عانت الفرغانة وسكانها من صراعات (جعران والأعور) لفرض سيطرتهما على الفرغانة الخالية من السلطة فيما هي تنعم بالجمال البري ممثلاً في نعيمة، هكذا كانت الفرغانة مسرحًا لمعاركهم، والضحايا دائمًا هم سكان الفرغانة، حتى ظهرت (نعيمة) بائعة الكبدة، فأصبحت موضوعًا مثيرًا. نعيمة.. صبية جميلة ريانة القوام، فأثارت شهوة كل من جعران والأعور. للجمال سلطة تثير فتوة الجسد، لكن جعران والأعور يدركان أن لا سبيل إلى امتلاك الجمال بالعنف والقوة، فراحا يخطبان ودها ويتناوبان حمايتها من مشاكسات أهل الحارة، ويتوددان إلى أبيها الكفيف المغلوب على أمرة. وخلال هذه الفترة القصيرة نعمت حارة الفرغانة بالسلام ورعاية كل من جعران والأعور كرامة لعيون نعيمة، لكن هذا لم يدم طويلاً، إذ تقدم كل من: جعران والأعور بطلب الزواج من نعيمة، فوقع الأب ووقعت الحارة كلها في حيص بيص، لأن الرد بالموافقة على طلب واحد منهما، يعني رفض الآخر، الذي سوف يجعل من أهل الفرغانة هدفًا مباشرًا لغاراته.
في هذه الأثناء يظهر الضابط الشاب (مرة أخرى). وعد أهل الفرغانة أن يخلصهم من الفتوات إلى الأبد.. لكن تاريخ أهل الحارة مع الخوف، جعلهم حذرين، متوجسين، فوقفوا يشاهدون الضابط الشاب وهو يصرع الفتوات واحدًا بعد الآخر، بلا حماس، ولا انحياز لأي من الطرفين، إنه ميراث الخوف.
سيطر الضابط ليس على الفرغانة فحسب، بل على كل الأراضي المجاورة، حتى بلغت خلاء شبرا. إنه-مرة أخرى- انتصار سلطة شابة منظمة وممنهجة، على سلطة تقليدية شاخت.فبدأ سكان الفرغانة يشعرون بالامتنان للضابط الشاب الذي خلصهم من الخوف. لكن الخوف هو قدر سكان الفرغانة. في خلاء شبرا، رأى الناس الضابط الشاب يختلي بنعيمة الجميلة. كانت قد وقعت في غرامه، كأي امرأة تبهرها القوة ويثيرها الشباب، حتى عندما اكتشفت استغلاله لجسدها، لم تتمكن من الخلاص منه. عانت نعيمة قهرًا مضاعفًا، بين ابتزاز الضابط لها، وغمزات وملاسنات أهل الفرغانة وإهانتهم لها. هنا ينبثق معنى جديد لسلطة قديمة، سلطة القيم والتقاليد الاجتماعية التي لم يجرؤ الفتوات أنفسهم على المساس بها، بل تظاهروا بحمايتها، وعقاب كل من يتجرأ بالخروج عليها، فحتى الفتوات يعرفون أن الخروج على قيم الجماعة الشعبية، يعني الخروج من الجماعة الشعبية نفسها.. ففي رواية الحرافيش، بدأت نهاية الفتوة (حسونة السبع) عندما اخترق قوانين الجماعة الشعبية.
ومن جديد يعود الخوف لحارة الفرغانة. وقفت الحارة عاجزة عن الدفاع قيمها، وبدلًا من مواجهة الضابط، وجهت غضبها نحو نعيمة. لنقرأ هذا الوصف البديع الذي يجسد المعنى المركب لمشاعر نعيمة بالخوف:” وانتبهت نعيمة إلى الصمت الذي يطوقها والازدراء، وجعلت تتودد إلى هذا وذاك لتختبر شكوكها فارتطمت بجدار من الحنق. ولم تخش اعتداء عليها، وفتوة الفتوات قائم بمجلسه أمام النقطة ( قسم البوليس) ولكنها عانت وحدة غريبة. ورفعت رأسها في استكبار ولكن نظرة عينيها العسليتين خلت من الروح كورقة ذابلة. ولأقل احتكاك عابر كانت تنفجر غاضبة وتمسك بالتلابيب. وتسب وتلعن، وتصيح في وجه ضحيتها: أنا أشرف من أمك.
يتربع الضابط على الكرسي الخيزران يدخن النارجيلة ويمد ساقيه حتى منتصف الطريق وقد امتلأ جسمه وانتفخ كرشه وتجلت في عينيه نظرة متعالية، ولكن خمد حماسه حتى بدا أن نعيمة نفسها لم توقظ مشاعره، والذين لم ينسوا فضله رغم كل شيء تنهدوا قائلين: المكتوب مكتوب” (9)
هكذا، تتقلب القصة بين معاني مختلفة للسلطة، لتؤكد المعنى العميق للخوف الذي يحكم الإنسان وحيرته، بين آليات الترغيب والترهيب التي تستخدمها كل السلطات. وتظل الجملة الأخيرة: )المكتوب مكتوب(. تعكس عجز الإنسان وتسليمه بقدره، وتحيل في نفس الوقت، إلى معنى ميتافيزيقي للسلطة، سنراه في رواية (قلب الليل) أكثر تركيزًا.. فالتحرر من الخوف، لايكون إلا بكسر وهم السلطة بالخروج عليها،. كخروج جعفر الراوي على سلطة الجد في قلب الليل، أو خروج الحرافيش بالنبابيت، لمواجهة(حسونة السبع) ورجالة.
أما قصة الخوف، فقد اكتفت، بالنظر إلى معنى الخوف، وتأمله من زوايا عدة. نظرة مجهرية لفحص وتحليل معنى عميقًا في مسيرة الوجود الإنساني على الأرض ومرافقًا للطغيان. لننظر كيف ذبل شباب وجمال نعيمة تحت سطوة الخوف الذي يحاصرها في عيون سكان الفرغانة، وكيف للجمال أن يحيا تحت الخوف يقول محفوظ:” لم تعد نعيمة تمكث في العطفة إلا أقصر وقت ممكن ثم تسرح في الأحياء ولا تعود إلا مع الليل. ولأنها دائمًا مكفهرة ومتوثبة للشجار، فقد قست ملامحها وبردت نظرتها وطبعت بطابع الجفاف فركضت الشيخوخة نحوها بلا رحمة”.(10) ولم يكن من قبيل المصادفة أن ينهي محفوظ هذه القصة العجيبة بسطر مستقل عن الصمت كمظهر للخوف، وهو يصور الضابط في مجلس الفتوة، أمام النقطة بكرشه المنتفخ، على الكرسي الخيرزان، يدخن النارجيلة، وفي لحظات الصمت ترتفع قرقرة النارجيلة في العطفة الخابية الضوء كسلسلة من الضحكات الساخرة”.(11) وكان الخوف يضحك ويعربد بين جنبات الفرغانة.
كان من المريح، ونظرًا للطبيعة المجهرية للقصة القصيرة، أن نعزوها دائمًا إلى المعاني الجزئية من تجربة الحياة. وبهذه الطريقة، تبدو القصة صورة أولية من التعبير السردي، كائن وحيد الخلية، يقف بنا عند حدود الحوادث العابرة، والانفعال المؤقت، والانشغال اللحظي بالمشاهدات اليومية، والاشتغال الفردي الذي لا يرقى إلى مستوى الترابطات الكلية للحياة. أنها أداة لمعاينة الواقع، وفحصه، وفرزه. هكذا كانت القصة القصيرة مناسبة لتيار الواقعية الاجتماعية ونزوعها النقدي والطليعي الذي يسعى لتأكيد وجهة نظر الكاتب، بوصفها مفهومًا مضمرًا أو رمزيًا في النص.
لقد نشأت القصة القصيرة منذ محمد تيمور معنية بانحيازها للواقع الاجتماعي، ومع الوقت، أصبحت أكثر إيغالًا، حتى أصبحت قصص إدريس نموذجًا لافتًا، بإمكاناته الفنية المميزة، وقدرته على التركيز على قضايا المجتمع بأبعادها السياسية والاقتصادية والإنسانية أيضًا. لقد أصبح الأدب في خدمة المجتمع. والكاتب منذ البداية، يوجه طاقته السردية لإبراز المعنى الاجتماعي، بأن يضع نصه في خدمة المجتمع، لهذا فبدلاً من أن يكون الواقع في خدمة الأدب، يكون الأدب في خدمة الواقع. وبدلاً من انشغالنا برؤية ذواتنا الإنسانية، انشغلنا بتصورات أيديولوجية عن مراقبة نظام العلاقات بيننا.
هذه الطبيعة الثورية للواقعية ومرادفاتها الاجتماعية، والنقدية والاشتراكية، تسامت على صورة الفرد في واقعه النفسي، وانسحاقه أمام غرائزه، ونوازعه العاطفية، فنبذت الضعف الإنساني، واستبدلت الأسئلة الوجودية للإنسان بأسئلة عن الواقع، أما أسئلة الإنسان عن ذاته فظلت تخفق في معظم أعمال نجيب محفوظ، حتى في تلك المعنية بالواقع وقضاياه الاجتماعية. وكانت تظهر -على السواء- في قصصه ورواياته.. لكن قضايا الوجود الإنساني بدت أكثر حضورًا في قصصه القصيرة، ولاسيما تلك التي تنهض على الشخصية لا الحدث. غير أن تصوراتنا التي ربطت القصة القصيرة بقضايا الواقع الاجتماعي، وقدرتها على عزل وفحص كل قضية في حد ذاتها، واستغراقها في المعاني السياسية. جعلتنا لا نلتفت إلى الجوانب الإنسانية الأبعد أثرًا في قصص نجيب محفوظ.
هذه الجوانب الإنسانية التي تناولها محفوظ في قصصه، لا تسلبها صفة الواقعية، لأن واقعنا الخارجي لا ينفصل عن واقعنا النفسي، سواء للفرد أو للجماعة. فالواقع النفسي، هو سجل الجينات البشرية بكل دوافعها المتناقضة، الغريزية والمكتسبة، الدنيا والعليا. وهذه النظرة الأكثر اتساعًا لمفهوم الواقعية عند محفوظ، أكسبتها مسحة إنسانية وفلسفية، تنأى بها عن المفهوم العام والمجرد للواقعية، إلى المفهوم الفردي المتعين. فحتى في أبعادها الرمزية، الكلية، تظل تشير إلى الإنسان بوصفه كائنًا حيًا تتنازعه متناقضات عدة، وليس مجموعة من الأفكار والمبادئ والمثل العليا.
هذه الجوانب الأكثر كثافة وتفردًا في تجربتة، تؤسس لمجموعة العلاقات والترابطات السردية، التي تدعم نزعته في التحرر من سلطة النوع، فتكتسب نصوصه -حتى القصيرة منها- فضاءً دلاليًا أكثر رحابة، وهو ما يطرحه إبراهيم فتحي على نحو أكثر دقة، مشيراً إلى محفوظ:” القصة القصيرة عنده، كانت تقتنص الجانب الأكثر تركيزًا، والأكثر خصوصية من تجربة الوجود الإنساني، وكان المعنى الجزئي يندمج في معنى عام، ولم يقف عند الطابع العابر للحياة”(12)
لنتوقف قليلًا عند تعبير إبراهيم فتحي “الوجود الإنساني”.. ذلك الذي يفلت الواقع من أسر المعاني العامة أو المؤدلجة. فيما يلامس وجوده بوصفه معايشة إنسانيًة، تعلو بقيمة الفرد في مواجهة المجموع، وتعني بالذات في مواجهة الموضوع. ففي القصص المحفوظية، تصبح قضية الإنسان الفرد بطلًا وحيدًا للقصة، هي قضية وجود، بخلاف رواياته التي تجسد مجتمعًا من الشخصيات، يحتاج إلى أطر سياسية واجتماعية لتنظيم العلاقة بين أفراده. وفيها يصبح الواقع موضوعًا منفصلاً عن الذات.. إنه موقف يميز بين مفهومين للواقع الاجتماعي، والإنساني. فربما اشتغاله على الفلسفة وعلم النفس، أوقفه على أن السلوك الظاهري واللحظي للإنسان، يلمح إلى واقع داخلي أكثر غورًا وتعقيدًا، قد يصل إلى البدائي القابع فينا. وفيه يصبح الخارج هو الداخل. والموضوع هو الذات والآخر هو الأنا.
إن الخسارة التي حققناها بتجاهل النموذج القصصي المحفوظي، خضوعاً للتصورات الشائعة عن شكل القصة وتقنياتها وأساليب سردها، كانت فادحة. غير أن أول نتائجها، هو أن ثلث إنتاج محفوظ، لم يُقرأ باهتمام كاف؛ ومع ذلك فإن الخط القصصي المحفوظي وجد امتداده عند كتاب قليلين، اكتنزت قصصهم بهذه النزعة التأملية والتحليلية العميقة، لموقف الإنسان من بعض القضايا الاجتماعية الكبرى؛ ولكنها تصور –في نفس الوقت- حيرته، بين ما يؤمن به في ذاته، وما يفرضه الواقع المعيش عليه، بوصفه موضوعًا خارجًا عن سلطته.
إن هذا المعنى العام لقضية ما، يظل مرتبطًا بقيمة الوجود الإنساني ذاته لا بقيمة القضية. فكل قضية هي حالة خاصة بالنسبة لصاحبها. بما يعني أن حضور البطل الفرد في القصة، يجعل من أزمته حالة خاصة بفضل المعالجة الفنية لها، وبحيث لا يمكننا تعميم قضيته – مهما كانت قيمتها- على المجتمع البشري. هذا يعني أن الإنسان، يمكن أن يدخل في مواجهة مع مجتمعه، ومع قيم وشعارات هذا المجتمع مهما كانت نبيلة وعادلة. ربما لهذا، انشغل سعيد مهران بطل (اللص والكلاب) بالصراع مع مجتمعه بوصفة سلطة، أكثر من انشغاله بالصراع مع السلطة في شكلها السياسي. لقد تنكر له الجميع حتى ابنته، ولم يجد له مكانًا إلا في ظلام بيت (نور) الغانية.
وفي رواية (قلب الليل) نرى جعفر الراوي، في صراع مع نفسه. أو بمعنى أدق، مع جده، بوصفة تمثيلًا قدريًا حاكمًا لوجوده. إنها قصة طويلة أو رواية قصيرة، عن حياة جعفر الراوي. مع ملاحظة أن نجيب محفوظ نفسه لم يحرص على تصنيفها. لكن البناء السردي الممسك بتلابيب الشخصية، يجعلها لا تختلف كثيرًا -في أسلوبها وشكلها- عن قصص قصيرة أخرى مثل:(فتوة العطوف) أو (أسعد الله مساءك). مع ملاحظة أن عدد صفحات راوية (قلب الليل) لا يفيض كثيرًا عن قصة (حكاية بلا بداية ولا نهاية) التي تقع في (97) صفحة. أي أننا، يمكن أن نقرأ رواية (قلب الليل) بوصفها قصة طويلة. فزمن السرد فيها، لا يتجاوز جلسة بين جعفر الراوي، وموظف الأوقاف.
لكن الفضاء الزمني لحكاية جعفر الراوي، تبدأ مع أبيه وأمه قبل ميلاده، ليس هذا فحسب، بل سنرى لاحقًا، أنها تبدأ مع وجود آدم وحواء على سطح الأرض. لتسقط دلالتها على عموم البشر، وترمز إلى عموم الإنسان. ومع ذلك، نظل نشعر، أننا أمام قضية متفردة بطلها جعفر الراوي فقط،. بفضل الإنصات الرهيف للداخل الإنساني في نفس جعفر الرواي.
وفي هذا السياق يمكن ملاحظة، أن كثيرًا من المعاني، والرموز التي تناولها محفوظ في بعض أعماله، تجد امتدادها وتفسيرها في أعمال أخرى. أو على نحو ما يقول محمود أمين العالم في وصفه لقصة خمارة القط الأسود: “.. أحداثًا ذات قسمات قديمة، تفريعات وتنويعات على ألحان سمعناها من قبل في رواياته وقصصه، ولكننا نحس كذلك بدبيب الرحلة الجديدة يشتد” (13)
ربما العلاقة بين الشكل والمضمون، عند نجيب محفوظ، تنهض على وحدة عضوية في العمل الواحد. لكن الطاقة الدلالية التي تنتجتها هذه العلاقة، تتجاوز حيزها السردي إلى فضاء شديد الاتساع، يسمح بتفعيل هذه الطاقة وتجددها في حيوزات جديدة. أو كما يصفها محمود أمين العالم، بالرحلة الجديدة.. وفي هذا السياق، سنجد في أحلام فترة النقاهة، إحالات إلى شخصيات وأماكن وعوالم موزعة في مجمل أعماله. على نحو ما نجد في الحلم رقم 104..حيث يقول:
” رأيتني في حي العباسية أتجول في رحاب الذكريات، وذكرت بصفة خاصة المرحومة عين فاتصلت بتليفونها ودعوتها إلى مقابلتي عند السبيل، وهناك رحبت بها بقلب مشوق، واقترحت عليها أن نقضي سهرتنا في الفيشاوي كالزمان الأول. وعندما بلغنا المقهى خف إلينا المرحوم المعلم القديم، ورحب بنا، غير أنه عتب علي المرحومة عين طول غيابها، فقالت إن الذي منعها عن الحضور هو الموت فلم يقبل هذا الاعتذار، وقال إن الموت لا يستطيع أن يفرق بين الأحبة.”(14)
الست عين هي الشخصية الرئيسة في رواية (عصر الحب- 1980م) ويقدمها محفوظ في مفتتح الرواية، فيصفها بأنها امرأةً قويةً، لا حدود لإمكانياتها. وعلى الرغم من أن الرواية قصيرة ومكثفة، أو ربما هي قصة طويلة لم يتوقف النقاد أمامها، إلا أن محفوظ استدعاها من جديد في الأحلام. ربما ليضعها في فضاء أكثر تكثيفًا واحتشادًا بالرموز. وكأنما ثمة شيء لم يشبع في الرواية أراد التركيز عليه هنا. أو كأن ذكراً عابرًا في الرواية، أراد اختباره وتأكيده بعد كل هذه السنين التي مرت على عصر الحب.
كان موت الست عين في الرواية ملتبسًا بواقعة غريبة. ففي ليلة القدر دب في جسدها العجوز الواهن نشاط مفاجئ، وراحت تغني بصوت ضعيف ولكنه مثير (يمامة حلوة.. ومنين أجيبها) ثم هتفت: إني أرى الذين ذهبوا ينادونني .. سمعًا وطاعة.. عين قادمة.(15)
عين قادمة: كانت هذه آخر جملة في الرواية، قبل أن يعقب الراوي بالقول إن الست عين لم تمت، وإنما صعدت إلى أحبائها في السماء. هكذا تذكرنا الست عين بعاشور الناجي، ونتوقع ظهورها من جديد، لكنها تظهر في عمل آخر، مختلف، ويفارق زمن كتابة (عصر الحب) بربع قرن تقريبًا. وكأن ثمة استباق في وعي نجيب بحركة الشخصية في الزمن، ومن ثم إمكانية تتبع صفحات جديدة من حياتها على نحو ما يقول عيسى عبيد.
فهل ذهبت عين للحياة في مكان آخر؟ وما هو؟ هل هو العالم الحلمي؟
ومن هم الذين ينادونها؟ هل من بينهم (محفوظ) الذي استقبلها في حلمه بقلب مشوق؟ كيف يمكن فهم هذا الارتباط الوثيق في الوعي بالزمن بين عملين كتبا في زمنين متباعدين؟ هل هو استباق في الزمن؟ وكأن محفوظ وقت كتابته للرواية، يستشعر أنه سيعود للنظر إليها في نص آخر، أم هو الشوق الذي عاش في قلب محفوظ؟ فراح يخفق بشخصياته التي خلقها في روايته، ثم أسكنها جنة الأحلام، حيث الموت لايستطيع أن يفرق بين الأحبة. هكذا يبدو الحلم يوتوبيا، ونبؤة بحياة أبدية لا يموت فيها المؤلف ولا شخصياته.
كأن الحلم، يجيب عن السؤال الذي شغل سكان الحارة عما إذا كانت الست عين ماتت أم لا. الست عين لا تعرف الحدود حقًا، يمكنها أن تقهر الموت، وتؤسس عصر الحب في مكان آخر بلا شيخوخة أو مرض، مكان حاضر أبدًا وبلا غياب. مكان يتأهب له نجيب محفوظ في شيخوخته وبحضور المعلم القديم. فمحفوظ يكتب الأحلام، . ويلتقي فيها بالمحبين الذين ينتظرونه هناك، على مقهى الفيشاوي.
على مستوى تقني، يستحضر نجيب محفوظ الراوي الشعبي ليصبح شخصية مضمرة في عصر الحب، الراوي الشعبي يكشف لنا عن البعد الأسطوري في حياة الست عين ومماتها. يستطيع الراوي الشعبي أن يحكي عن عوالم الغيب، إنه لا يخضع لقوانين الواقع، ولا لقوانين السرد ومنطقه، ولا قوانين الزمن. إنه مثل الست عين بلا حدود، لأنه صوت الزمن الهامس في الضمير الجمعي. إنه يمثل المعنى الأسطوري المفارق للواقع المعيش المنشغل بهموم الحياة اليومية، واقع قديم وغامض، موجود وسارٍ في التاريخ الإنساني كجينات يمكنها أن تتحور ولكنها لاتموت.. بهذا المعنى حصلت الست عين على أكسير الحياة، الذي فشل جلال صاحب الجلالة في الحصول عليه.. لننظر كيف يعرّف لنا محفوظ الراوي الشعبي في عصر الحب:
” لعله خلاصة أصوات مهموسة أو مرتفعة، تحركها رغبة جامحة في تخليد بعض الذكريات، يحدوها ولع بالحكمة والموعظة وتستأسرها عواطف الفرح والأحزان، ووجدان مأساوي دفين، وعذوبة أحلام يعتقد أنها تحققت ذات يوم. إنه في الواقع تراث منسوج من تاريخ ملائكي ينبع صدقه من درجة حرارته وعمق اشواقه، ويتجسد بفضل خيال أمين يهفو إلى غزو الفضاء رغم تعثر قدميه فوق الأرض..” (16)
في الشاهد السابق ينبغي ألا يشغلنا جمال اللغة وتحليقها المجازي عن المعنى الإيماني الذي يمنح الإنسان اليقين بتحقيق المعجزات.. إنه غامض وغير متعين، ولكنه نسيج قوي من تاريخ ملائكي صادق، ومهما تجاهلناه يلح ويهفو ويعاود الظهور، ليصبح تمثيلاً حيويًا لأسطورة العود الأبدي، حيث لا شيء يموت. ربما نحتاج أن نلتفت أكثر إلى الثقل القدري الذي يعانيه الإنسان في واقعه المعيش، ومن ثم تأتي فكرة العود الأبدي كما وصفها نيتشه، بمثابة وعد بالخلود، تعويض نفسي للإنسان عن معاناته في الواقع. فمالا يمكن تحقيقه في الواقع، يمكن تحقيقه في الحكايات والأساطير والأحلام.. أنفاقنا السرية المؤدية للخلود، وعبر شبكة الأنفاق السرية تلك، تتواصل شخصيات نجيب محفوظ، وتتنقل من قصة إلى رواية، أو إلى قصة أخرى على نحو ما فعل في (حديث الصباح والمساء).حيث لا سلطة لموت لا يمكنه أن يفرق بين المحبين.
إن حكاية الست عين ليست مجرد حكاية عابرة، ولكنها المعنى الأعمق للوجود الإنساني، رعب العدم، وحلم الخلود، فلابد من شيء يفسر وجودنا، لا بد من أن يأتي جودو.
تظل هذه القدرة على تذويب الحقيقي في الخيالي، والموضوعي في الذاتي، هي كلمه السر التي لا يعرفها أحد غيره. هذه الكلمة ليست شيئًا بسيطًا ومتاحًا في وصفها، كونها ملتبسة بعالم معقد من الرموز: السبيل، القبو، المقهى، الخمارة، الخلاء، العوامة، التكية، الحارة، الزقاق، البانسيون.. إلخ. لكنها ليست جامدة بحيث تصبح مداخل مباشرة لقراءة نجيب محفوظ؛ إنها عالم حي، محتشد بالأفندية والبكوات، وبنات الهوى والقوادين، والمعلمين والفتوات، والمتصوفين، والساسة والمثقفين، والعربجية. هذا الحشد الهائل من مفردات الواقع الحي، والذي نسميه عالم نجيب محفوظ، ينتج رموزه فيطفو بعضها على السطح،. ويغوص بعضها في الأعماق المبهمة،. لكنها في كل مرة تبدو خلقًا جديدًا ومستقلاً يتأهب للرحلة الجديدة. إنه عالم لا ينضب أبدًا، بفضل حركية الدوال وتبدلاتها والإنصات الرهيف للصوت الداخلي والمميز لكل شخصية، بوصفها حالة فردية، لا تذوب في المجموع العام لمعنى الواقع.فليس كل شهود الحضرة رجال الله، ولا كل سكاري البوظة فتوات.
لننظر، كيف ترمز (خمارة القط الأسود).
يتمكن العربجي من الاختباء في الخمارة حتى أغلقت أبوابها، كان ينوى سرقة النقود، ولكنه بدلاً من ذلك شرب كثيراً حتى الثمالة، غاب العقل وطفت الأحلام والخيالات اللعوب، وعندما اكتشفت الحكومة فعلته، هدد بحرق الخمارة، لكن.. لم يكن أحد مستعدًا لحرق الخمارة، لا الناس، ولا البوليس، ولا العربجي أيضًا. الخمارة، بيت الأحلام الصغيرة للمعذبين في الأرض، يوتوبيا مؤقته، حيث يصبح الجميع على حقيقتهم في لحظة تواصل طقسي، وحيث يمكن للعربجي أن ينادم الأفندي كتفًا بكتف. الأمر هنا لا يتعلق بالمساواة، ولا بالفضيلة أو الرزيلة، بقدر ما يتعلق برغبة الإنسان الدفينة في تغييب عقله، والتحرر من سلطة الواقع، وتعثر قدميه على الأرض. قد يبدو هذا تأويلاً مفرطًا، ولكن، في بعض أعمال محفوظ، لا يبدو العقل مقدسًا، ولا حلاً بديلاً للميتافيزيقيا، ولا ضابطًا لها كما يراه كانط، بقدر ما هو لعنة تخص البشر. فالعقل يخون صاحبه كما يقول في قصة الهذيان من مجموعة (همس الجنون).
في غيبة العقل تنبثق اللغة المنسية من قبوها المظلم. كما تنطلق الرموز من الأحلام، لتذهب بعيدًا، لأكثر مما نتوقع. والخمارة هي بيت الأحلام، حيث يمكن للغتنا المنسية أن تتكلم بحرية وطيش بدائي.
في قصة (كلمة غير مفهومة) (17) نرى المعلم (حندس) وقد امتلك الفتونة وتمكن من السيطرة على واقعه المعيش؛ لكن لا أحد يسيطر على الأحلام. في الحلم يرى حندس أن (حسونة) أحد ضحاياه، يتوعده بالانتقام وهو في قبره. حندس يستهين بالأمر. فبالعقل، كيف ينتقم الموتى؟
لكن الحلم لا يتوقف عن مطاردته والإلحاح على وعيه. من باب الحذر، قرر حندس، أن يقتل ابن حسونة، فهو الوحيد من عائلة حسونة الذي له حق الثأر. عرف حندس أن الشاب يسكن المقابر مع أمه، فأعد الرجال والسلاح وذهب لقتله. لكن لا أثر لمخلوق في المكان. وفجأة يتلقى حندس ضربة على رأسه، ويموت بين رجاله، ولا أحد يعرف من أين جاءته الضربة!! ربما من حسونة الميت في قبره.
هكذا.. تبدو الأحلام حقائق غامضة، كلمة غير مفهومة، تنطلق من البدائي والسحيق الكامن فينا، لكنها تمتلك القدرة على التحقق، وتمتلك القوة، لتمد ظلالها من الخيال إلى الواقع.
للأحلام حضور قوي في قصص وروايات نجيب محفوظ، ولكنها في (أحلام فترة النقاهة) تنفرد بالبطولة، فتثير سؤال النوع الأدبي عند نجيب محفوظ. في أحلام فترة النقاهة، لسنا –بالتأكيد- أمام أحلام يستعيدها شيخ على أعتاب التعسين من العمر ليكتبها لنا كما حلم بها؛ وكذلك لسنا أمام قصص قصيرة تخضع للمعايير الفنية لكتابة القصة، ولكننا بالتأكيد أمام كتابة فنية بالغة التكثيف والدلالة تستفيد من آليات إخراج الحلم، فتغوص في أعماق اللاوعي، وترقى بذاتها إلى مستوى نوع فني مستقل، بحيث يمكن للأجيال اللاحقة أن يكتبوا في رحابها.
وفي تقديري أن محفوظ وثق معادلته السردية في هذه النصوص. هذه المعادلة التي تتلخص في تجسيد الأفكار المجردة، والأخيولات المبهمة، بحيث تتشكل عبر وقائع وأحداث وشخصيات. ويضعها التجسيد في المعنى الحكائي لتذوب فيه، وتصبح جزءًا منه، بحيث لا يمكننا إدراك المعنى العميق للفكرة بدون الحكاية. فالحكاية هكذا ليست مجرد طريقة لإبراز الفكرة وجلوها، بل هي جسد الفكرة وشكلها الذي لا يمكن إدراكها بدونه. لكن أحلام فترة النقاهة، شقت طريقًا معاكسًا، لأن آليات إنتاج الحلم، لا تحاكي الواقع، ولا تجسده، بل على العكس، إنها رمزية بالأساس وتنزع إلى التجريد والتغريب؛ لهذا فكثير من الشخصيات والوقائع التي جسدها في قصصه ورواياته، يستطيع أن يجردها، ويضعها على نحو رمزي في أحلام فترة النقاهة.
هكذا توفر الأحلام رؤية مختلفة للواقع. إن نزوع التجريب عند نجيب محفوظ حاضر بقوة، فالرجل لم يتوقف بحثًا عن زوايا جديدة للنظر إلى عالمه السردي. فتبدو (قلب الليل) قصةً طويلةً، وحديث الصباح والمساء متتالية قصصية، كما تبدو(أصداء السيرة الذاتية) ليست من نوع السير الذاتية، بقدر ما هي تأملات سردية في معاني مثل: الثورة، الموت، الشيخوخة، النسيان، السعادة، الطرب، العدل، التحدي، الوحدة، الحياة. الفتنة.. إلخ. بعضها يبدو مترعًا بالشجن أو مثقلاً بالحكمة، أو صادحًا بالسخرية، حتى ليبدو نص (الطاهر) مزحة، أو واحدة من القفشات الجامحة للسيد أحمد عبد الجواد.
الأصداء نص مفتوح كلما أمسكت بشكل له أفلت من يدك، ليمنحك شكلاً جديدًا. كما أن (أحلام فترة النقاهة) تضعنا في مواجهة وعي جمالي مميز، يرقى بآلياته، وأساليبه، وتقنياته ولغته إلى أن يكون رافدًا سرديًا مستقلًا، بل ومتفردًا في طبيعته عن القصة القصيرة. إن الأحلام والأصداء تبدوان مقترحين جديدين في السرد، يتجاوزان السيرة والقصة والرواية معًا. فبأي حق نتكلم عن الأنواع، والأطر الشكلية، في مثل هذا الفضاء السردي الفسيح. لنجيب محفوظ وعي متفرد بالنوع الأدبي، أُنتج على مهل، اتخذ سمتا تجريبيًا وتطبيقيًا فذاب في مجمل أعماله، ثم انتهى إلينا بإضافات حقيقية، تقنية وأسلوبية. توسع مفهوم السرد شكلاً ومضمونًا...