ذات العين التي تشبه حبه البازلاء

قصة: د سيد شعبان


التخفي وراء الأبواب المغلقة لن يجلب النور للعينين،تلك حكمة قرأها لأحد حكماء ما وراء النهر الذي يفيض عسلا،ومن يومها بدأ يشتري أغراضه من هؤلاء المارين على الأبواب،أجسادهم النحيفة،

استمر في القراءة ذات العين التي تشبه حبه البازلاء

صورة لغلاف

القدس فى عيون مصرية

سيد الوكيل

قامت الهيئة العامة لقصور الثقافة بمصر ـ فى الآونة الأخيرة ـ على إصدار سلاسل كتب نوعية ومتخصصة ، تهدف لتوسيع التناول المعرفى بما يناسب عصر المعلوماتية ، فهى ذات طابع تأريخى وتوثقيى يتجه إلى إحياء ذاكرة الأمة والتنقيب فى تراثها الثقافى والحضارى بغية إجلاء معنى علمى وثقافى للهوية داعم لذلك القائم على المعني العرقى أوالدينى الذى لم يعد أى منهما  كافياً لإقناع العالم الحديث الذى ينهض على قيم التعدد والتجاورويمتثل للمنطق والقانون بديلاً عن العاطفة والعصبية وإذا كانت الثقافة هى ميدان الصراع والتنافس بين المجتمات،حتى أن أكثر القضايا حساسية فى العالم تصبح ذات صبغة ثقافية ، فإن التأكيد على الصفة الثقافية للهوية هو مطلب أساسى ، ودور داعم للدور السياسيى الذى لم يعد وحده قادراً على مواجهة التحديات الجديدة ، كتلك التى تجد لنفسها امتداداً واسعاً فى وسائط الاتصال الحديثة على روابط الشبكة العكنبوتية والفضائيات فضلا عن وسائط الاتصال التقليدية على صفحات الكتب والصحف .

ولعل من أبرز هذه السلاسل التى أصدرتها الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة    سلسلة ( هوية المكان ) ، التى صدر الكتاب الأول منها عن مدينة القدس .

وإذا كانت السلسلة موجهة أساساً إلى القارئ المصرى ومهتمة بالتعريف بالهوية الثقافية المصرية فى إطار مسح جيوثقافى للمدن والمعالم الكبرى فى مصر ، إلا أنها اتخذت مبادرة محمودة ، حين حرصت على أن يكون الكتاب  الأول فيها عن القدس ، باعتبار القدس تمثيلاً للهوية العربية كلها ، فضلا عن المكانة الخاصة للقدس فى عيون المصريين والمتأصلة فى وجدانهم حتى من قبل الفتح العربى والإسلامى لها ، وحيث كانت مصر المسيحية موطنا للكنيسة الشرقية ، وملاذا آمنا للمسيحين الأوائل الذين فروا تحت تأثير الاضطهاد الرومانى ، ولا غرابة فى ذلك ، مادامت مصر كانت قبلة السيدة العذراء فى رحلتها المقدسة هربا بالسيد المسيح فى طفولته ، ومازالت آثار تلك الرحلة شاهدا على عمق العلاقة الوجدانية بين مصر والقدس، فى الوقت الذى لم تظهر هذه العلاقة عربيا إلا بعد رحلة الإسراء ، حيث أصبحت القدس قبلة المسلمين الأولى ، ومن ثم فإن مكانة القدس لدى المصريين هى مكانة مضاعفة  .حتى ليمكننا القول أن القدس بالنسبة لأى مصرى تسكن فى العين والقلب معاً .ولعل هذه الارتباط الوجدانى ينعكس على طبيعة الصراع العربى الإسرائيلى ،حيث تتحمل مصر النصيب الأكبر فى تحريك هذا الصراع من أجل غاية تضمن الحقوق التاريخية للشعب الفلسطينى ، وهو تحريك قد شمل مستويات عدة ، فغير المستوى العسكرى الذى خاضت فيه مصر حروباً عدة ، فإن مصر قد خاضت ـ أيضاً ـ حروبا سياسية وإعلامية بل وقانونية ، إذ تظل القدس واستعادتها قرة العين  هدفا لابديل عنه ، أما وقد أصبح المستوى الثقافى الآن أبرز ميدان التنافس الدولى ، فقد كان من المهم الانتباه المبكر إلى هذا المعترك ، الدخول إليه عبر روافده المختلفة وقنواته المتعددة .   

ولقد تصادف صدور كتاب ( القدس العتيقة … مدينة التاريخ والمقدسات ) فى الوقت الذى تجددت فيه عمليات الحفر الصهيونى تحت المسجد الأقصى ، حيث تجوس أصابع الصهيونية فى التراب المقدس بحثاً عما يزعمون أنه وجودهم التاريخى فى القدس ، هذه مفارقة من المهم أن ُتقرأ فى سياقها ، ففى الوقت الذى تتعنت فيه الصهيونية لإثبات حقوقاً مزعومة فى الأرض الفلسطينية ، مرة بالقتل والتدمير وأخرى بالتشريد والعسف ، وثالثة بالحفر وسرقة التاريخ ، فإن مؤرخاً واحداً يستطيع أن يقدم بالكلمة والصورة عشرات ، بل مئات من الأدلة والوثائق والشواهد التى مازالت ماثلة للعيان على عروبة  القدس .

أما مؤلف الكتاب فهو المؤرج المصرى( عرفة عبده على )
الذى قدم من قبل سلسلة من الدراسات السياسية تدور فى معظمها حول القضية الفلسطينية . وتحذر فى بعض جوانبها من المخططات الصهيونية التى تسعى لتهويد القدس .

وفى هذا الكتاب، يؤكد المؤلف على أهمية الدرس الثقافى والحضارى للقدس  إلى جانب الدرس السياسى لها بوصفها مركزا مجسدا للموضوع الفلسطينى ، فالقدس كانت ولا زالت موضوعاً لعديد من الكتب والإصدارات لكونها قد أصبحت رمزاً للنضال العربى الفلسطينى ضد الاحتلال الصهيونى ، وقبل ذلك هناك الكثير من المؤرخين العرب الذين تناولوا القدس وأرخوا  لها ـ خاصة إبان الفتح العربى ـ غير أن مجمل هذه الكتب تراوح بين الموضوعين السياسى والدينى ، فقد انشغلت أكثر الإصدارات الحديثة بتحديد وضعية القدس فى مواجهة عمليات التهويد المتعمد ، والاعتداء المنظم على مقدساتها الإسلامية والمسيحية ، وعلى معالمها العربية والإسلامية ، كما أن الكتب العربية القديمة ، توقفت عند القدس بوصفها مكاناً مقدساً فى العقيدة الإسلامية ، مثلما انتبهت ـ أيضاً ـ  لتاريخها السياسى ولاسيما فى فترتى الفتح العربى والحروب الصليبية ، وحيث أحتلت القدس قلب المشهد السياسي فى ذلك التاريخ ، وكانت بمثابة ساحة الحسم التى تشهد بالسيادة  عبر الصراع العربى الصليبى ، كما هوالشأن الآن  فى الصراع العربى الإسرائيلى ، ولقد اعتبر دخول قوات صلاح الدين الأيوبى من أبواب القدس ، نهاية رسمية  تحسم سلسلة الحروب الصليبية لصالح العرب .

غير أن هذا العرض التاريخى الموجز ، يعنى أن النظرة العربية  إلى مدينة القدس ، انصرفت ـ عادة ـ بين الموضوعين الدينى والسياسى ، بحسب اختلاف زوايا النظر بين المؤرخين المسلمين العرب وبين المؤرخين الأجانب .

وغير هذا ، هناك عشرات من الكتب الإسرائيلية الحديثة التى عمدت إلى التزييف والتزوير وخلط الأوراق  وتشويه المعالم والوقائع والثوابت التاريخية لصالح المشروع الاستيطانى فى القدس . وإذا كانت النظرة العربية تمنح القدس هذه المكانة الخاصة حتى لتغدو معادلاً لقلب العروبة وشرفها ، ولا غرابة فى ذلك ، فهى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وملتقى الأديان السماوية الثلاث التى صدق بها المسلمون ، وإذا كانت القدس تحتل كل هذه المكانة فى الوعى والنفس العربيين ، فإن مشروع تهويد القدس ، يبرز بوصفه معركة ثقافية بامتياز ، ولعل التأكيد الثقافى على هوية القدس داعم لمسارات التفاوض وأشكال المنازلات الأخرى بغية ترسيم الحدود العربية لمدينة القدس .

وهكذا .. فإذا كانت السلسة تعنى بهوية المكان ، فإن صدور العدد الأول فيها عن  القدس كان بمثابة تأكيد ضمنى على أن القدس  هى المعادل المكانى للهوية العربية كلها .

لاحظ مؤلف الكتاب أن النبرة الحضارية والثقافية  أقل خفوتاً فى التأريخ للقدس ، فى مقابل النبرة السياسية والدينية ، كما لاحظ أن النظرة الدينية للقدس موزعة بين المؤرخين المسلمين والمسيحين كل بحسب عقيدته ، لهذا فإن من مآثر هذا الكتاب ، هو الالتفات إلى البعدين الحضارى والثقافى المرتبط بإنسان المكان وإعماره له ، بعيداً عن النظرة الدينية ، ومن ثم فإن الوصف والتوثيق يشمل المعالم والآثار الإسلامية والمسيحية جنباً إلى جنب ، بما يدعم الموضوعية العلمية التى حاول الكتاب انتهاجها .

يركز الكتاب على البعدين الحضارى والثقافى من حيث اعتبارهما أفقين فسيحين تتجلى فيهما عروبة القدس ، وهذا بجانب البعدين الدينى والسياسى بطبيعة الحال . ومن ثم يقسم الكاتب كتابه إلى خمسة فصول ، يتضمن الفصل الأول عرضاً جغرافياً وتاريخيا للمدينة المقدسة ، إذ يذهب فى عرضه التاريخى لأبعد ـ كثيراً ـ من الفتح العربى ،وبالتحديد  منذ النزوح الأول لليبوسيين ( 2500 ق. م) بوصفهم قبائل كنعانية من بطون العرب ، وهو أول تأسيس للمدينة تذكره كتب التاريخ ، فى حين كان الدخول الأول لليهود إليها عام ( 1006 ق. م ) عندما استولى عليها الملك داوود وأسس مملكته فى فلسطين وجعل القدس عاصمة لها، وقد استمرت مملكة داوود دولة لليهود حتى سقطت على يد الملك الآشورى ( شلو منصر ) الذى قام على سبى اليهود وطردهم من المدينة .فكان شتاتهم الأول .

 ويشرح المؤلف ، أن فترة إقامة اليهود فى فلسطين لم تخل من قلاقل وحروب مع الجيران العرب بغية استردادها ، وهى حروب حفظها التاريخ وذكرتها التوارة ، بما يعنى أن أهمية القدس بالنسبة للعرب أهمية تاريخية.وأن العرب ـ عبر التاريخ كله ـ لم يستسلموا لاستاثار اليهود بالقدس .

 غير أن المصريين القدماء ـ وحدهم ـ هم الذين تمكنوا من استرداد القدس ، وطرد الآشوريين منها ، وفى ذلك الوقت كان ثمة وجود محدود لليهود فيها بوصفهم قبائل بدوية تعيش على هامش المجتمع وخارج حدود المدينة المقدسة ، وإن نجحت هذه القبائل  فى استرداد عافيتها مرة أخرى فى ظل السياسة المتسامحة للمصريين ، حتى سقطت القدس فى يد البابليين ، الذين أستأصلوا شأفة اليهود من المدينة ، فيما عرف بالسبى البابلى .

يمضى الكتاب فى تتبع الدول التى تعاقبت على القدس ، مثل دولة الفرس وجيوش الإسكنر المقدونى وحتى الدولة الرومانية ، هكذا ظلت القدس مطمعاً  ومغنماً تسعى إليه كل الدول القديمة والحضارات القديمة ، حتى تمكن العرب من استردادها مرة أخرى إبان الفتح العربى على يد ى أبى عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد ، وكانت زيارة عمر بن الخطاب إلى بيت المقدس ( 636 م ) بمثابة تثبيت للوجود العربى فيها ، وإعلان لأهمية القدس ومكانتها فى قلب كل مسلم بوصفها أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ، وملتقى الأديان السماوية ،  حيث أسرى بالرسول إليها ومنها كان معراجه.

يختص الفصل الثانى من الكتاب باستعراض مفصل للحكم العربى لمدينة القدس ، بدءاً من الدولتين الأموية والعباسية ، مروراً بعصر الدويلات وسلاطين المماليك حتى عصر الإمبراطورية العثمانية  التى لم تنجح ـ فى أواخر عهدها ـ فى الحفاظ على مدينة القدس وتركتها بسهولة للا نتداب البريطانى الذى سلمها ـ بدوره ـ إلى الكيان الصهيونى ، ليكون ذلك بداية لحقبة من الصراع العربى الإسرائيلى مازلنا نشهد فصولها المأساوية ، ونعاين ممارسات الصلف والاستبداد الصهيونى وتعدياته التى تجاوزت رغبتة الخبيثة فى الاستحواذ على المكان إلى رغبة أشد خبثاً فى لاستحواذ على التاريخ وسلب هوية المدينة المقدسة .

ولقد بدأ الاهتمام العربى بالقدس منذ اللحظة الأولى لخضوعها تحت حكم الدولة الأموية فى عهد الخليفة ( معاوية بن أبى سفيان ) ، بما يعنى وعى العرب الأوائل بها وبمكانتها التى تأكدت برحلة الإسراء المقدسة ، لهذا فإن الخليفة معاوية عهد بولايتها إلى (سلام بن قيصر ) وأمر بإجراءالإصلاحات و الاهتمام بأسوارها القديمة وإعادة ترميم مبانيها والعناية ببساتين الكروم والزيتون فعادت القدس مقصداً للتجارة والزيارة .

  غير أن المكانة الدينية للقدس زاد الاهتمام بها فى عهد الخليفة عبد الملك بن مروان ، الذى بنى قبة الصخرة المشرفة ، المكان الذى بدأ منه العروج بالرسول الكريم ، ثم بدأ بناء مسجد قبة الصخرة ويعتبر أول مسجد جامع  يشيد فى بلاد الشام ، وحيث كانت المساجد حتى هذه اللحظة بسيطة ، كمجرد مواضع للصلاة ، ولقد بدت القبة وخلفها المسجد آيتين معماريتين لفتتا الانتباه إلى مكانة القدس الدينية لدى المسلمين ، حتى فتن الناس بهما ، وصار من يزعم أن بناءها تم بنية صرف الأنظار عن الكعبة المشرفة .

وهنا تجدر الإشارة إلى أن خلطا يصير بين الناس فى عصرنا بين مسجد قبة الصخرة والمسجد الأقصى ، فالمسجد الأقصى بناه الخليفة عبد الملك بن مروان، خلال فترة حكمه ، وجعله على مقربة من مسجد قبة الصخرة ، لكنه لفت الانتباه باتساعه وطرازه المعمارى الفخم حتى حظى بالاهتمام الأكبر بين علماء المسلمين فسرعان ماتحول إلى جامعة لدارسى القرآن الكريم وعلوم الشريعة .

ولقد توالى الاهتمام بهذه المزارات الإسلامية على مر العصور حتى صارت رمزاً عربيا وإسلاميا ، وهو ما يفسر رغبة الصليبين فى تخريبها ، فبعد دخول الصليبيين القدس ( يوم الجمعة من شهر شعبان 492 هـ ) كان المسلمون من سكان المدينة  قد تجمعوا فى الساحة بين المسجدين كملاذ آمن ظناً منهم أن الصليبيين سيحترمون حرمة المكان ، غير أن الصليبيين أحتفلوا بانتصارهم هناك بعد أن أقاموا مذبحة مخذية راح ضحيتها أكثر من سبعين ألفاً من المسلمين المسالمين . كما قام الصليبيين على سرقة كنوز المسجدين وتخريب قبة الصخرة بعد أن وضعوا عليها الصليب ، وبعد عودة القدس للحكم العربى على يد الناصر صلاح الدين الأيوبى ، أعاد ترميم المزارات المقدسة وإعادها لما كانت عليه من رونق وبهاء كما أزال الصليب عن قبة الصخرة .

 ولم يكن العمران وقفاً على المزارات الدينية الإسلامية إذا كانت صايانة المزارات المسيحية  ـ التى أقيمت خلال الحكم الصليبى ـ عهدا على صلاح الدين الأيوبى ضمن عهود حماية المسيحيين من سكانها ، وبهذه الوضعية صارت القدس على نهج التسامح والتعدد  والتجاور لتتحول إلى قبلة للديانات السماوية الثلاثة .

 وكان من بين الاهتمام العمرانى للقدس العمل على ترميم أسوارها وأبوابها وأبراجها ضمن التحصينات الحربية لها بعد أن اتضحت أهمية القدس الاستراتيجية والحربية فى حسم الصراعات بين العرب والصليبيين .    

وقد ركز الفصل الثالث من الكتاب على التكوين العمرانى والحضارى للقدس العربية ، ويعرض للآثار والمنشئات الدينية ( الإسلامية والمسيحية ) والمدنية والعسكرية التى بلغت أوجها فى عصر الدولة الأيوبية ، وكذا فى عصر دولتى المماليك البحرية والبرجية واستمرت حتى منتصف العصر العثمانى حين بدأت مظاهر الضعف والشيخوخة تدب فى  مفاصل الدولة العثمانية .

هنا يبدأ الكتاب فى ذكر توثيقى للمساجد والمدارس والدوواين والبيوت ومظاهر العمران كافة ، لكل دولة من الدول العربية التى تعاقبت على حكم القدس ، وقد تدهشنا غزارة المعلوات عن الزوايا والربط الأبواب التاريخية للمدينة ، فضلاً عن الترب والقبور الشهيرة  والأسبلة والخوانق والمكتبات التى حوت نفائس الكتب والوثائق الشاهدة على عروبة القدس .

 وقد اختص المؤلف المزارات المسيحية بجزء كبير ومفصل من الفصل الثالت مثل : كنيسة القيامة  وكنيسة المهد وكنيسة الصعود  ودير الآباء الفرنسيسكان ودير مار أنطونيوس ودير السلطان الذى وهبه السلطان صلاح الدين لأقباط مصر ، فنسبوه إليه امتناناً واعترافاً بروح التسامح  التى حظى  بها المسيحيون تحت الحكم العربى .

وتعد كنيسة القيامة أبرز وأهم المزارات المسيحية فى القدس ، وتمثل ذروة الترف المعمارى لما تحوية من تيجان ومجوهرات وزخارف ذهبية ، ومن الطريف أن سدنة كنيسة القيامة ،وحملة مفاتيحها مسلمون ، ينتسبون إلى أسرة الصحابية الجليلة   ( نسيبة بنت كعب ) ، وقد توارثت هذا الشرف منذ عصر صلاح الدين الأيوبى بعد اختلاف الطوائف المسيحية على من يحوز هذا الشرف ، ومن المعروف أن هذه الكنيسة تضم بين جنباتها القبر المقدس ، وممر الجلجلة ، وشيئا فشيئاً اتسعت رقعة الأرض التى تقوم عليها كنيسة القيامة ولحق بها العديد من الأديرة والكنائس الصغيرة والمبانى الكنسية المختلفة .   

أما الفصل الرابع من الكتاب ،  فيتوقف عند القدس فى كتابات الرحالة ، وحيث كانت المدينة مقصداً للحج ومزاراً مقدساً ، فضلا عن الولع الخاص بالقدس عند المستشرقين الذين تناولوها فى كتاباتهم وصوروها فى رسومهم ولوحاتهم ، ومن الرحالة المشاهير الذين أرخوا للقدس : دانيال الراهب ، وهو القديس الروسى المعروف وكذا الرحالة الفارسى ناصر خسرو علوى ، ولقد تناوب على تأريخ القدس ووصفها بعض الرحالة والمؤرخين العرب من أمثال : ابن بطوطة والمقدسى ، ومن الطريف أن الكتاب يتوقف عند الرحالة اليهودى بتاحيا الراتسبونى ، الذى زار القدس ( 1174 م ) ، وكتب عنها ، بما يعنى أن القدس وحتى هذا الوقت كانت مدينة مفتوحة لأتباع الديانات الثلاثة بقصد الحج والسياحة الروحية بلا تمييز أو عنصرية .

ولقد كان الطابع الغالب على الرحلة إلى القدس هو الحج والزيارة المقدسة ، ومن ثم حج إليها العديد من العلماء ورجال الدين ، وسجلوا مشاهداتهم وملاحظاتهم التى لم تخل من اجتهاد علمى أفردت له صفحات من الكتب  مازالت مرجعاً هاماً ومقصداً معرفيا لباحثين فى تاريخ المدينة ، ومن هذه الكتب  : “كتاب الأنس فى فضائل القدس ” لبهاء الدين بن عساكر و “والأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل ” لمجير الدين عبد الرحمن العليمى قاضى القدس فى أواخر العصر المملوكى  وكتاب          ” إتحاف الإحصا لفضائل المسجد الأقصى ” لكمال الدين السيوطى ، و” الجامع المستقصى فى فضائل الأقصى ” لأبى محمد بن على بن عساكر ، وكتاب ” باعث النفوس إلى زيارة القدس المحروس ” لبرهان الدين الفرازى .

ولدى المسيحيين ،  فقد نشأت عادة الزيارة المقدسة إلى القدس فى القرن الرابع الميلادى إبان عهد الأمبراطور قسطنتين الذى جعل من المسيحية دينا رسميا للإمبراطورية الرومانية فشجع الحجيج إليها وعنى بالمزارات المسيحية .

وقبل ذلك كان اليهود يحتفلون بأعياد ثلاثة فى القدس من كل عام امتثالا لما جاء فى الإصحاح الثالث والعشرين من سفر الخروج : ” ثلاثة مرات تعيد لى فى السنة ” ، وهذه الأعياد هى عيد الفطير ( الفصح ) وعيد الحصاد وعيد الجمع ، وهى أعياد يكون الاحتفال بها قاصراً على الذكور من دون الإناث ، ولقد حرم قسطنتين على اليهود دخول القدس ، وظل هذا التحريم قائما خلال فترة خضوع القدس  لحكم الإمبراطورية الرومانية ، وعندما  وقعت القدس  تحت الحكم العربى بعد فتحها ، سمحت لليهود ببمارسة شعائرهم واحتفالااتهم ، وبعد سقوط القدس فى يد الصليبيين منع اليهود من دخول القدس مرة ثانية إلى أن استعادها صلاح الدين اليوبى فسمح لهم بدخولها وممارسة شعائرهم من جديد ، ومنذ تلك اللحظة ظلت القدس مقصداً للرحلة الدينية من تابعى الأديان الثلاثة . 

ينتهى الكتاب بالفصل الخامس تحت عنوان : ” تهويد القدس ” ، ويعرض للممارسات الصهيونية الهادفة لتهويد القدس وطمس هويتها العربية ، وما يتبع ذلك من سرقة للأرض والتاريخ وتدمير المقدسات ، والخطط الهيكلية والتوسعية والاستيطانية الرامية إلى الاستيلاء على القدس ، ويتضمن هذا الفصل مناقشة سياسية للاتفاقيات والمباحثات التى تدور فى أروقة السياسين حول القدس ومصيرها الذى مازال معلقاً وغامضاً وملتبساً باساليب التآمر والتشويه ، فيما تظل القدس عربية فى قلب كل عربى ، ورمزاً مقدساً معادلاً للهوية العربية .

يقع الكتاب فى 150 صفحة من القطع الكبير ، ويتضمن  مجموعة كبيرة من الصور النادرة ، فضلا عن لوحات خالدة رسمها فنانون مستشرقون هاموا عشقاً فى القدس أو بيت المقدس أو أور شالم أو مدينة الله .

ومن الجدير بالذكر أن هذه السلسة تصدر تحت إشراف الروائى إبراهيم عبد المجيد ، ومدير التحرير الناقد سيد الوكيل .

صورة نادرة لقبة الصخرة من الداخل

النهج الديني في أدب نجيب مجفوظ

بقلم: سيد الوكيل

البحث عن حلقة وسيطة بين الأصالة والمعاصرة شغلت مساحة كبيرة فى أدب نجيب محفوظ ، كما هو الحال عند الكثير من كتاب ومثقفى جيله ، بحيث يمكن اعتبار هذه القضية هى الأكثر إلحاحا بين قضايا الحداثة العربية، ومنذ جمال الدين الأفغايى ورعيل كبير من تلاميذه ومثقفي عصره .ربما كان لدراسة محفوظ للفلسفة دور كبير فى تكوين نزعة الجدل الفكرى بين الأضداد التي تأتى على رأسها أنماط الصراع النفسى والفكرى بين الميتافيزيقى والفيزيقى ، بين إملاءات السماء والتعاليم الدينية من ناحية ورغبات الإنسان وغرائزة من ناحية أخرى .

والنماذج التى طرحها نجيب محفوظ فى رواياته كمحاولة للتوفيق بين هذه الثنائية القديمة ، كانت تنتهى عادة إلى فشل ذريع ، ليس فقط لأنها كانت تحاول الجمع بين طرفين كل منهما على نقيض الآخر، ولكن ـ أيضاً ـ لأن الإنسان  المعتد بعقله ، يظل قاصرًا  طوال الوقت عن فهم الطرف الآخر في العلاقة ، جاهلاً بتدابير السماء حيث يفرض القدر كلمته فى النهاية .

فى رواية قلب الليل ، كان سعد كبير نموذجًا للمثقف الحداثى ، علمانى ودارس للفلسفة ، وقارىء نهم فى كثير من فروع العلم والديانات ، أخذ على عاتقه وضع نظرية توفيقية أخذت أطرافًا من الماركسية والاشتراكية والفلسفة وعلوم الدين ، رآها جعفر الراوى     (بطل الرواية ) مجرد هراء ومحاولة للتلفيق بين سياقات مختلفة ، لهذا قتل الراوى سعد كبير ، وقرر أن يضع بنفسه نظرية جديدة ، لا تلتزم سوى بصوت العقل العلمي والجدل الفكري ، هو آمن بقدرات العقل الإنساني على حل كل معضلات البشر ، لكن محفوظ يسخر من قدرات العقل الإنساني على قيادة العالم بعيدًا عن الإيمان بالله ، فى الحقيقة  لم يكن جعفر الراوى مثقفًا ، ولكنه آمن بقدرات العقل وحده ، وفى لحظة واحدة تهاوى العقل ، عندما امتدت يده لقتل سعد كبير ، وأمضى باقى عمره فى ظلام السجن ، خرج منه مجنونًا فاقدًا لكل عقل، وبهذه الطريقة يسخر محفوظ من العقل الإنسانى المغتر بقدراته ويسخر من قدرة الإنسان على أن يكون سيدًا على الكرة الأرضية .فعلى الرغم من كل أشكال التقدم العلمى وعلى الرغم من بلوغ العقل الإنسان غاية عظمى من السيطرة على مقدرات الحياة ، يظل للسماء كلمتها الأخيرة ، لهذا فإن عرفة ( رمز المعرفة العقلية واليقين ) لم ينجح فى حل مشاكل الحارة فى رواية ( أولاد حارتنا ) وعلى الرغم من أنه أعلن موت الجبلاوى ( الدين ) إلا أن الناس فى الحارة ظلت تنادي على الجبلاوي من جديد لينقذها مما هي فيه ، لهذا فإن خلاصة الموقف الفكري في هذه الرواية هي أن الحياة لايمكنها أن تستمر سوي من خلال التوازن بين اليقينى والغيبى .

 وإذا وضعنا فىي الاعتبار أن الحداثة في هذا الوقت ـ مثلت أقصى درجات الإيمان بالعقل وقدرات الإنسان إلى درجة نفى الغيبي ، بل وجعلت العقل تمثيلاً لميتافيزيقا الحداثة الغربية بديلاً للميتافيزيقا الدينية في القرون الوسطي ، فمعنى هذا ، أن محفوظ ينتصر للغيبي والديني معاً ، ويسخر ـ فى نفس الوقت ـ من الإيمان الكامل بفلسفة الحداثة الغربية وهو موقف يعني ، أن نجيب محفوظ الذي درس وتربى عقله على الفلسفة الغربية لم يكن مجرد متلقٍ لها يردد أفكارها كالببغاء بل، يمتلك وعيًا جدليًا  يمكنه من نقدها واختبارها عبر ثقافته الدينية ..

غير أن هذه المرجعية الدينية لنجيب محفوظ ، لم تمنعه أيضًا من نقد الخطاب الدينى بوعى يجعله يفرق بين الدين والخطاب الدينى ، فالخطاب الدينى هو اجتهاد بشرى لفهم الدين ، معرض للخطأ والصواب ، لهذا كانت نظرة نجيب محفوظ للإيمان من حيث هو جوهر يجسد قيم الجمال والخير والعدل ، إنه أعظم وأكبر من مجموعة من الأوامر والنواهى والعبادات التى يراها تالية للإيمان لتثبيته وتعميقه ، قد تختلف بين الأديان السماوية ، غير أن جوهر الإيمان نفسه يظل واحدًا بينها جميعًا .

 وفى قصص نجيب محفوظ رجال يواظبون على العبادات ، لكنهم لايتورعون عن ظلم الناس وأكل حقوقهم بالباطل، وفى مقابل ذلك سنجد رجالاً وصلوا إلى جوهر الإيمان ، فجسدوا قيّمه ويصبحون ملاذًا للضالين والمظلومين والمقهورين من بنى البشر ، فسعيد مهران بطل رواية ( اللص والكلاب ) لايجد ملاذًا له سوى عند شيخ الزاوية الذاهد ، وفى رحاب الشيخ يشعر بالنور يملاء قلبه وتفعمه بالسكينة  ، فى البداية ظن سعيد مهران أنه سيجد الأمان فى أحضان ( نور ) صديقته القديمة ، لكنه يظل عندها مؤرقا وممسوسا بفكرة الانتقام ، وعندما يصل البوليس إليه يهرب ، ويحتمى بزاوية شيخه ، وهناك يغتسل قلبه بالنور وتنزله السكينة ويذوب بين رجال الحضرة . وفى هذا الموقف يرسى نجيب محفوظ مبدءاً هامًا ، هو العدل ، لقد ارتكب سعيد مهران جرائم قتل وسرقة، ومن ثم يصل البوليس إليه .

مأساة سعيد مهران الحقيقية أنه ظن العدل مسألة بشرية خالصة ، هذا الإيمان بالعدل البشرى هو ما دفعه إلى سرقة الأثرياءْ وفق قيم الماركسية التى علمها له رؤوف علوان الصحفى ، وهو ما دفعه للانتقام من زوجته وعشيقها . كان مهران يبحث عن العدل ويرى أن تحقيقة لايكون إلا بالقوة متناسيًا تمامًا العدل الإلهى . وكلما حاول ذلك أخطأ من جديد وقتل أبرياء لاذنب لهم . المغزى من هذه التراجيديا الرائعة أن سعيد مهران لم يكن مسلحًا بالإيمان ولا بالعلم الكافيين لمعرفة ما العدل، وأين هو، أو كيف يحققه ؟ وهو ما لم يدركه إلا بعد فوات الأوان وفى زاوية  الشيخ الذاهد .

وهذا الإدراك المتأخر للحقيقة هو مبعث التراجديا الإنسانية فى أكثر روايات محفوظ . لهذا فعلاقة الإنسان المحفوظى مع الزمن مشتبكة ومعقدة ، وهو فى صراع دائم معه ، فجلال صاحب الجلالة فى        ( الحرافيش ) كان ممسوسًا بفكرة الخلود والشباب الدائم والبحث عن أكسير الحياة، حتى ظن الناس أنه لن يموت ، لكنهم فى الصباح وجدوه مرميًا فى حوض ماء تشرب منه الحيوانات فى سلام غير مبالية بجثته ، فى الحكاية عظة واضحة عن علاقة الإنسان بالزمن ، فالزمن هو الذى يحدد مصائر الناس يحدد حياتهم كما يحدد موتهم ، بل يحدد أدوارهم فى الحياة ، ففى رواية قصر الشوق وأثناء اختباء أسرة السيد أحمد عبد الجواد فى المخبأ هربًا من القصف الجوى لطائرات الألمان ، وفى الوقت الذى يتوقع فيه الجميع الموت بالقنابل فإنهم يخرجون سالمين فيما عدا السيد أحمد عبد الجواد نفسه..

 يمرض الرجل ويفقد الوعى تمامًا ، ويضطر ابنه (كمال) أن يحمله على ظهره ليموت على سريره، فكل عظمة وسطوة الأب تنتهى تمامًا فى لحظة كهذه، ويبدأ دور الأبن ، فالزمن هو الذي يحدد الأدوار .

 ولعل رواية ( حديث الصباح والمساء ) التى موضوعها الأول هو الزمن كما يظهر من عنوانها . سنجد كثيرًا من هذه المشاهد والمواقف والعظات،، فبين الميلاد/ الصباح  والموت / المساء يوجد زمن الإنسان ، وتتحدد حركته فى الحياة .

وهكذا فالزمن مرادف للقدر عند محفوظ ، وهو مفهوم إسلامى واضح، والقدر عند نجيب محفوظ له تصور يتفق مع المعنى الإسلامي المتداول ( أعقلها وتوكل ) فالقدر ليس مطلقًا تمامًا حتى يصيب الناس بالقعود والتسليم على طريقة ( الحذر لايمنع القدر ) . صحيح القدر موجود وواقع ، ولكنه يأتى على قدر حركة الإنسان فى الحياة .فالعدل الإلهى والرحمة الربانية ، تقتضى توزيع الأقدار على البشر بما يتناسب مع اجتهادهم.

وليس من قبيل المصادفة أن أول روايات نجيب محفوظ هى رواية  (عبث الأقدار ) وهى تتشابه فى بنائها مع قصتىّ موسى، ويوسف عليهما السلام..  كما وردتا فى القرآن الكريم ، ومغزاها أن الإنسان لايستطيع أن يدخل فى صراع مع قدره ولايستطيع تغييره ، ولكنه يستطيع أن ينعم به إذا ارتضاه .إن القدر نافذ ولكنه ليس ضد حركة الإنسان فى الأرض بل منظم لها .ففى الرواية  يفوز القائد ـ الذي حاول الملك قتله ـ بالعرش بعد أن تأكد من أخلاصه له ، وكان الملك قد عرف بنبوءة عراف أخبره أن هذا الطفل سيرث عرشه عندما يكبر ، يحاول الملك التخلص من الطفل ليحفظ عرشه لابنه ، ولكن القدر أنقذ الطفل ، وجعله أحد حراس الملك وقادته حتى أنه انقذه من مؤامرة شارك فيها ابن الملك ، فكافأه الملك بأن زوجة من ابنته وجعله وريثا لعرشه، وكان الملك قد عرف أن هذا القائد هو نفسه الطفل المقصود بالنبوءة .

والمغزى الذى نفهمه من هذه الرواية ، أن الملك الذى حاول أن يهرب من نبوءة العراف ، نفذ النبوءة بنفسه ، بعدما عرف أن ماقدر له  هو الأفضل .

   الشخصية الدينية فى قصص محفوظ لها أوجه مختلفة ، منها كما ذكرنا شخصية الشيخ الذاهد فى ( اللص والكلاب ) ومنها شخصية الجد فى ( قلب الليل ) وكذلك رضوان الحسينى فى ( زقاق المدق ) الذى كان ملاذًا لكل سكان الزقاق من المحتاجين وأصحاب الكروب .

والإنسان يمكن أن يصل إلى درجة من التدين البسيط وبالفطرة كالذى وصلته أمينة فى الثلاثية ، فالطريف أن أمينة لم تتمرد على البيت ولم تخرج منه سوى مرة واحدة فى حياتها بعدما اشتاقت لزيارة مقام الحسين ، هذه نزعة دينية بسيطة كما أنها جاهلة تمامًا بشؤون دنياها فهى لاتعرف عن الدنيا خارج بيتها شيئًا ، لهذا تتعرض لمحنة صغيرة عندما تصدمها السوارس ، كما تلقى عقابًا بسيطًا من زوجها.

لهذا فالشخصية الدينية لاتصل درجة من الكمال فى أعمال نجيب محفوظ ما لم تجمع بين العلم والإيمان ، أو بين نمطين من المعرفة ، المعرفة الدنيوية والمعرفة الدينية ، ويمثل عامر وجدى فى رواية ميرامار هذا النموذج ، فهو مثقف بلغ من العمر ما جعله يمتلك الحكمة والخبرة الدنيوية ، وهو فوق ذلك متدين.

يتعاطف عامر وجدى مع زهرة خادمة البنسيون والتى اعتبرها النقاد رمزّا لمصر . كما يتعاطف معها الشاب اليسارى منصور باهى . وفى حين يرتكب منصور باهى جريمة قتل سرحان البحيرى لأنقاذ زهره من براثنه ، فإن عامر وجدى يظهر بمثابة الملاك الحارس لها ، ومن ثم فهو الوحيد القادر على توجيهها إلى التعليم وتوعيتها لحماية نفسها ، لقد حاول كل من اليسارى المؤمن حماية زهره بطريقته الخاصة ، لكن القتل وإراقة الدماء ليس هو الحل عند محفوظ ، بل التسلح بالعلم والإيمان ليكون الإنسان قادرًا على حماية نفسه . ولا غرو أن نجيب ينهى الرواية بآية قرأنية تشير إلى اكتمال المعرفة بنفحة ربانية كما تشمل معانى العدل وأهمية التوازن النفسى والعقائدى  (  الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان * الشمس والقمر بحسبان * والنجم والشجر يسجدان * والسماء رفعها ووضع  الميزان * وأقيمو الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان *  ) إلى آخر الآية الكريمة

مقدمة المؤلف

يستهدف هذا الكتاب رؤى نقدية لعدد من أعلام السرد المصري الحديث.

 الرؤية معنى ذاتي وانطباعي، فيبدو أنه يفارق الموضوعية، ويتجاهل المنهجية البحثية في نفس الوقت، ولكننا نحذر من الأحكام المتسرعة، إذ علينا أن نقرأ المشهد النقدي في كل جوانبه بدقة. ففي عصر المعلوماتية الرقمية، يستطيع (الروبوت) أن يدعم الخطاب النقدي. لتصبح المعلومة بديلا للمعرفة، بما يضيف خطرًا جديدًا إلى جانب الخطر الذي حذر منه (تودروف) من غلبة العقلانية العلمية على الخطاب النقدي. في الواقع نحن نشهد عصرًا، تسوده عقلانية أداتية، وهي وفقًا لمدرسة فرانكفورت ذات نزعة تكنوقراطية تفصل بحدة بين الذات والموضوع، ومن ثمّ يتحول الموضوع إلى وحدة مادية، تُمحى فيه الفوارق وتتساوى الظواهر.

إن ملاحظاتنا على الخطاب النقدي، أن أدواته وإجراءاته تبدو صالحة لكل نص وأي نص، كون هذه الأدوات تهتم بتحقيق غاية ما بغضّ النظر عن قيمتها، عندما تكتفي بسؤال (كيف؟) بدلاً من (لماذا؟)   على كل حال هذا واقع لا يمكن تجاهله، ويستدعي تعظيم وظيفة النقد، بحيث يتحرك في اتجاه دعم وتأكيد الحضور الإنساني، قبل أن يتحول الإنسان إلى (روبوت).

 ما نعنيه هنا يرقى إلى مستوى المقاومة؛ بغية تأكيد الوجود الإنساني في مقابل خطابات مبرمجة، سواء كانت في صيغة رقمية، أو نظرية تحولت إلى أيقونات مقدسة. والمتأمل للمشهد النقدي الآن، يجده موزعًا بين اتجاهيين: الأول أكاديمي تغلب علية نزعة تكنوقراطية، والآخر انطباعي تغلب عليه نزعة إعلامية.

نعترف منذ البداية، أن اختيارنا لهؤلاء الكتاب ولتلك النصوص بالتحديد، ينهض على دوافع ذاتية بالأساس، أكثر منها موضوعية. لكن؛ هذا لا يمنع من وجود تماهٍ ملحوظ بين الذاتي والموضوعي في الجانب التطبيقي، يلتزم به خطابنا النقدي. إن طريقتنا في تناول هذه النصوص، هي عملية عبور فوق الثنائيات المتضادة في الموروث النقدي. لهذا نستخدم هذا التعبير (رؤية) احترامًا للحدس الانطباعي، ثم يتجاوزه، ليختبر في فضاءات معرفية وعلمية موثقة مثل :الأنثروبولجيا، وعلم النفس، والفلسفة بوصفها علومًا إنسانية بالدرجة الأولى. وعلى ما سبق، يمكننا القول: إن المنهجية التي نتبعها هنا، أقرب إلى التأثيرية الحديثة. ذلك المصطلح المستدعى من عالم الفن التشكيلي. التأثيرية الحديثة لا تستسلم لعفوية الانطباعات الأولى أبدًا، بل تختبرها مرات ومرات؛ مستعينة بعلوم البصريات، بل ويمكن للفنان أن يستعين بأحدث نظريات الفيزياء. لكنه لا يسعى أبدًا إلى تغريب الطبيعة وتجريدها،كما أنه لا يحاكيها فحسب، بقدر ما يغوص في أعماقها ليرى ماوراء الطبيعة. بهذه الطريقة، يمكننا ملامسة ملامح شخصية وأسلوبية للكاتب، تشف فيما وراء السرد. حيث تسكن الخبرات الخاصة للكاتب، التي تظهر في عناصر تكرارية تختبيء بين السطور، وتراوغ بوصفها الجين الوراثي الذي يميز التجربة الإبداعية لصاحبها.

في الواقع، كنت مضطرًا إلى الجنوح في بعض الأحيان، مدفوعًا بنزعة فينومينولجية لتفسير الظواهر المتكررة، سواء كانت أسلوبية، أو موضوعية. مرتكزًا في ذلك على خبرتي الذاتية مبدعًا وناقدًا في آن، بل وقارئًا خبيرًا بتعبير (أيزر) لهذا لا أتردد في الاعتراف – منذ البداية – أن ما سيجده القارئ هنا، لا يراهن على يقين منهجي أو نظري، يزعم الحقيقة المطلقة؛ ولكني لا أتردد في الإفادة منه لدعم يقيني الذاتي. إنها رؤى مشفوعة بحدس إبداعي يضع النص في فضاء واسع، يعطي القارئ الحق في إعادة إنتاجه، عبر إلهامات غير مطروقة وتخصه. ومن ثمّ لا ننكر أن من بين مستهدفاتنا في هذا الكتاب، أن يكون محاولة لرأب الصدع بين الناقد والمبدع، بعد أن أصبح كل منهما يتحرك في مسار مفارق للآخر، بما يجعل الأدب في خطر بحسب تعبير تودروف.

 تتفق ملاحظاتنا الشخصية مع تودروف، فالخطاب النقدي في صيغته الأكاديمية/ المهنية لا يضمن الحفاظ على المتعة الجمالية والشعورية التي يراهن عليها النص الأدبي، عندما ينقله من فضاء تخيلي فضفاض إلى آخر عقلاني ملتزم بمرجعيات نظرية؛ كما أن النقد الصحفي مهني بالضرورة أيضًا، يستهدف الإعلام والإخبار وربما الدعاية أكثر مما يستهدف الإبداع نفسه؛ لهذا فثمة ضرورة لإنتاج خطاب نقدي يتجاور بينهما، ويتجاوز الطبيعة المهنية لهما، لتصبح الرؤية النقدية بمثابة نص مواز، يتفاعل من النص الأصلي أملاً في أن يحظى كل منهما بفضاء دلالي أكثر اتساعًا وثراء.

كيف يصبح التناول النقدي لعمل ما، رحلة معرفية ممتعة للقارئ غير المتخصص؟.

ربما كان هذا السؤال هو الأهم في رحلتي مع النقد، تلك الرحلة التي بدأتها مع كتابي (أفضية الذات – 2006م) قراءة في اتجاهات السرد القصصي، ثم كتاب (مقامات في حضرة المحترم) الذي استهدف تقديم رؤية جديدة لنجيب محفوظ.

 الآن أشعر بقدر كبير من الرضا عن حصاد رحلتي مع هذا الكتاب، إذ أمكنني أن أجمع فيه بين الناقد والمبدع معًا، لأتنقل بيسر بين أفضية معرفية وجمالية مختلفة.

***

يحتوي الكتاب رؤى نقدية لعشرة من الكتاب، هم على الترتيب: إبراهيم أصلان، أمين ريان،  بهاء طاهر، خيري عبد الجواد، سعيد الكفراوي، سيد البحراوي، صبري موسى، محمد المخزنجي، محمد مستجاب، ثم صوفي عبد الله) 

لقد تم اختيارهم بالإنصات إلى حدس داخلي فحسب. أعني أن الاختيار لا يشير إلى معيار ية مسبقة،  بقدر ما كان رغبة منا في استكشاف مساحات التنوع والاختلاف بين تجربة كل منهم، حتى لو تقاربت المسافات أو تباينت على نحو ما. كما أن ترتيب فصول الكتاب،  أبجديًا لا أكثر، ليؤكد لا تراتبية الاختيار. ذلك باستثناء الفصل الأخير المختص بالأديبة صوفي عبد الله.

 يمثل هذا الفصل الأخير حالة خاصة واستثنائية في الكتاب. فتجربة صوفي عبد الله، خارج الإطار الزمني للكتاب الآخرين الذين نتاولهم هنا. كما أن تجربتي الشخصية مع كتاباتها ارتبطت بمرحلة أولية من العمر، مشتبكة بالإرهاصات الباكرة في علاقتي بالإبداع السردي، ومن ثم ظلت مشتبكة بمشاعر عاطفية تجعلها طازجة وحاضرة طوال الوقت، فكانت رغبتي في الحفاظ على نضارتها -بعد كل هذه السنين – ملحة.

ليس لدي تفسير لغلبة هذا الشعور: أن أكتفي باستدعاء رحلتي القصيرة جدًا مع صوفي عبدالله، تلك التي عاشت معي حتى الآن، وظلت تستدعي زمنها بكل مشاعره أكثر مما تستدعي كتاباتها. لقد تأكد شعوري هذا، بعد أن اكتشفت صعوبة البحث عن كتابات لصوفي عبد الله. لهذا استسلمت لنداءات النوستالجيا بداخلي، وآثرت أن أميزها بفصل خاص بعنوان: لوحة شرف… لوحة شوف فحسب.

المعنى الوجودي في: قلب الليل

سواء كان، في فكر سارتر الإلحادي، أو في عقيدة كيركجارد المؤمنة، هناك اتفاق على معانِ جوهرية في الوجودية: الذات ويقصد بها الذات الفاعلة لا الذات المفكرة.

 الواقع: أوما يسميه جبريل مارسيل (عضة الواقع) ويقصد بها التجربة الإنسانية ومحصلات الخبرة من الواقع المعيش، وليس من المعارف والتنظيرات والأفكار الفلسفية. والوجودية بهذا المعنى فلسفة واقعية، نوع من التأمل وليست نظرية.  

أما الثالث فهو: القلق الوجودي من حيث الشعور باليأس، والعدمية، وفقدان المعنى، وهو الدافع إلى رحلة البحث عن الحل الوجودي، عبر طرح الأسئلة الوجودية على الذات.

 وهكذا تُظهِر الوجودية تمركُزها حول الذات، فكل شيء ينطلق منها وينتهي إليها، عبر صيرورة يعيشها، ويدرك كنهها الإنسان متفردًا بذاته. لهذا تمد الوجودية جذورها لمقولة سقراط: ( أعرف نفسك بنفسك). 

 إنها فلسفة عن الذات أكثر منها عن الموضوع، ويعني هذا التأكيد على الذاتية، ضرورة تحديد موقع الذات من الوجود، بمعنى أنه: إذا كان الوجود سابقًا على الماهية، فإن الذات­­ تكون أولاً وقبل أي شيء. ثم تسلمنا الذاتية إلى نوع من الفردية الجميلة بحسب (شيللر) وهيّ بهذا المعنى مبدأ أخلاقي وجمالي في نفس الوقت. وأخلاقية الوجودية هي التي تضمن المسئولية والالتزام عند سارتر، كما تفسر المعنى الجمالي للوجودية بوصفها معرفة أدبية وجدانية وليست فلسفة أو نظرية. وهذه صفة تذكرنا بالرومانسية كما عند وردزرث وجون كيتس، أوصوفية كازنتزاكيس. أي أن الوجودية ممارسة، طريقة حياة وليست فكرة مجردة.

ولعل المعنى الدارج: كن جميلًا ترى الوجود جميلًا، على بساطته وابتذاله، يسبر غورًا عميقًا في الوجودية. على أن الجمال ـ هنا ـ ينسلخ عن  المنطق المجرد والقياس الأرسطي. إنه  واقعي وحسي، أو على نحو ما يذهب كيركيجار: ” فيما يجتهد الفكر المجرد ليفهم المحسوس فهما مجردًا، نجد الفكر الذاتي أو الوجودي، على العكس، يجتهد ليفهم المجرد محسوسًا”

    يقول تيري إيجلتون في معنى الحياة: (اليقين العقلي مهلك للروح، لأنه إذا حدث تحول أو انحدار أو كسوف للمعنى، تتحول الحياة إلى تراجيديا عنيفة).

غير أن هذا الموقف المناهض للعقلانية المجردة، ليس موقفًا وجوديًا من العقل، بقدر ما هو موقف من الحداثة، التي أغرقت العالم في ضلالات العقل وروافده الموضوعية والعلمية، حتى نصّبت نفسها بديلًا للميتافيزيقيا، ومن ثم أنتجت أوهامها المنطقية. إن الواقعية تدعو إلى نبذ كل الأوهام بأي دعوى، حتى وإن كانت بدعوى الدين أو العقل. لقد كانت رحلة الإنسان مع العقل، موضوعًا أثيرًا عند فلاسفة وأدباء الحداثة، على نحو مايقول تيري ايجلتون ( إنهم، كانوا يملكون تصورًا منطقيًا منظمًا ومنضبطًا عن العالم، فوقعوا في التشاؤم والبؤس، حيث أنهم أدركوا أن هذا الانضباط والتنظيم والوضوح المنطقي، سرعان ما يتلاشى مع الحركة الزمنية، فالحياة ـ هكذا ـ لامنطقية ولا عقلانية وعلى قدر كبير من الغموض).

وهكذا، يمكن فهم الوجودية، ليس على أنها موقف مضاد للحداثة فحسب، بل هى موقف طليعي، يستشرف آفاقًا جديدة لإنسان ما بعد الحداثة، من حيث إدراكه لذاته وماهيته. بما يستلزم الرحلة في الذات للوصول إلى ماهية موقفها، ومن ثم إدراك الوجود، على نحو ما يقول عبد الرزاق الجبران في الموقف الوجودي للدين:                  )الوجودية ليست أيديولوجيا،  بل هيّ تجربة، ورحلة تعكس الفشل، وتنتهي إلى التوقف عند نقطة، هيّ بالضبط ما أنت عليه، هيّ وجودك هنا والآن(…الحل ـ إذن ـ ليس تجربة جمعية، لا أيديولوجيا، ولافلسفة كلية، ولا عقيدة دينية، التجربة الفردية للإنسان، هي الطريق للخلاص. ومع ذلك، فالطريق ليس معبّدًا ولا متاحًا بالمرة. مغمور بالأشباه والضلالات، مؤهل للتيه أكثر من أي شيء آخر. ولذلك، سنعول ـ هنا ـ كثيرًا على الرحلة التي تعكس القلق الوجودي، ونحن نقرأ هذه الروايات. إن الرحلة قد تكون رديف الوعي والمعرفة، سواء في معناها الواقعي على نحو ما مشاها ـ ثائرًا ـ جعفر الراوي بطل رواية (قلب الليل) بوصفها خبرة فردية، بعدما اعترته أزمة وجوده في تعارض ذاته مع ذات الجد العظيم الإلهي الملامح والصفات

وجودية ملحدة

أو بمعناها النفسي. الغوص في الداخل ـ أيضًا ـ رحلة في كنه الذات، تعكس القلق الوجودي كما عاشها بطل رواية الشحاذ. انهيار دعائم الوجود، وتبدي الوجه العبثي للحياة، السقوط في الجب المظلم الرهيب، الذي انتاب الشحاذ عمر الحمزاوي، فراح يتسول وجوده من الطبيعة ومن أبيات الشعر (إن كنت تريديني فلماذا هجرتني) ومن حبة رمل في الصحراء، من وحي غامض يتبدى له في الأحلام ونوبات الهذيان. (وجودية مؤمنة ذات بعد صوفي).   

 واذا كان ثم اتفاق بين الوجوديين بنوعيهما (الملحد والمؤمن) على فردية الرحلة، إلا أن بعض الباحثين في أنثربولجيا ما بعد الحداثة، يرون أن المجتمعات يصيبها ما يصيب الأفراد من سأم وقلق، وتقطع رحلتها الجغرافية بحثًا عن مكانِ. وفي هذا السياق يتساءل ميشيل مافيزولي: (أوليس القلق والتوتر الداخلي، هما بنهاية الأمر، الخصيّصتان الكبيرتان لكل دفعة حيوية، بما فيها الانطلاق نحو التيه وشد الترحال للضرب في مناكب الأرض؟)

يرى ميشيل مافيزولي أن تجربة التيه الاجتماعي لاتقل خصوبة في معناها عن التيه الفردي، بوصفهما انفعالًا وجوديًا. ولو مدنا الأمر على استقامته، يمكننا أن نرى، ما يعيشه المجتمع المصري الآن من قلق وتوتر بعد ثورتين، تحركت كل منهما في اتجاه معاكس للآخر، وما نتج عنه من تشظي وتوزع القيم ورغبة عميقة في الترحال والهجرة الخارجية والداخلية، ونزعات إلحادية وأخرى متدينة وثالثة تعاني حيرتها وتبحث على نحو فردي عن خلاص وحل.

 إن رؤيتنا للأمر على هذا النحو التراجيدي العنيف لمجتمعنا، قد يجعلنا أكثر حرصًا على إثارة الأسئلة الوجودية الآن، وبعد انتهاء الحداثة التي كانت دافعًا لظهورها في القرن الماضي. وهو نفس الأمر الذي يجعلنا حريصين على مراجعة وقراءة روايتين قديمتين لنجيب محفوظ، لنرى الى أي مدى، كان وعى المبدع الكبير مهتمًا بالمعنى الوجودي، ومدركًا لمعطياته، ومجسدًا لها عبر مفهوم الرحلة، رحلة الإنسان، التي تعكس إخفاقاته وقلقه، لينتهي إلى النقطة التي يكون فيها بالضبط، هنا والآن.

رحلة جعفر الراوي

(تبدا رواية قلب الليل لنجيب محفوظ من نقطة محددة، وتنتهي عند نفس النقطة التي بدأت منها، وهي اللحظة التي يقف فيها جعفر الراوي أمام موظف الوقف، مطالبًا بحقة في ميراث جده اللعين. ويعني هذا أن رحلة جعفر الرواي التي قطعها بحثًا عن الحقيقة انتهت به إلى ما بدأ منه، لكن ما المعنى المرجو من ذلك؟ هو أن تدرك بذاتك المفردة كنه ذاتك)

منذ اللحظة الأولى، تعلن رواية قلب الليل عن بنيتها البسيطة، بوصفها حوارية طويلة تقع في (149) صفحة، وتدور بين شخصين : موظف الأوقاف، وجعفر الراوي الذي جاء مطالبًا بحقه في إرث جده. غير أن هذه البنية، لاتسلم لبساطتها الأولية. ففي الوقت الذي نعتقد فيه، أن موظف الأوقاف هو الراوي العليم للحكاية كلها، يتحول هو نفسه إلى مروى عليه، فيما يتحول (جعفر الراوي) من موقع المروى عنه، إلى موقع الراوي، بوصفه ساردًا لسيرته الذاتية. وصانعًا لأسطورته الخاصة، محاولاً انتزاعها من أسطورة الوجود. ونتيجة لتبادل المواقع بين الراوي والمروي عليه، يتراجع دور الراوي العليم (موظف الأوقاف) إلى محفز للسرد وموجٍه له ومفسر لما هوغامض أو مهمل فيه، بما يجعله أقرب إلى القاريء الضمني. وبما يعطى انطباعًا بأن الوظيفة الفنية، لتبادل مواقع الراوة، هي دعم النسيج المتشابك للحوارية، حتى لانكاد نشعر بوطأة الحوار في النص. ومن ثم، يبدو الحوار مجرد حيلة فنية لمسائلة التاريخ الشخصي لجعفر الراوي، أو بالأحرى واقعه، ثم لانلبث أن نكتشف ـ عبر بنية سردية أكثر عمقًا ـ أن هذه المساءلة تتجاوز تاريخ جعفر الراوي ـ أيضًا ـ إلى تاريخ الإنسانية. وذلك عبر مجموعة من الرموز والدلالات، توميُء أو تحيل إلى نص  مصاحب (مسكوت عنه) يمور بقوة بين سطور النص المكتوب. وهو نص، يتوازى في بنيته الزمنية مع مراحل ثلاثة لحياة جعفر الراوي: (من الطفولة إلى الشباب إلى الكهولة ليوميء إلى الإنسان  لغز أوديب).

ومن ثم فإن تاريخ جعفر الراوي هو معادل لتاريخ الحضارة الإنسانية، وأزمته هي أزمة الوجود الإنساني، وهو يبحث عن خلاصه من الأسطورة، حيث طفولة الفكر الإنساني، إلى الدين ونوازعه الروحية، ثم إلى العلم ونزوعه العقلاني (الحداثة) لينتهي كل هذا التاريخ، في لحظة تجسد عمق المأساة الإنسانية، تلك اللحظة التي يقف فيها جعفر الراوي أمام موظف الأوقاف، موزعًا بين الكبرياء والهزيمة، يتسول بضع جنيهات على سبيل الإعانة، فيما يردد بفخر كبير، كيف أنه تمرد وتحدى إرادة جده، صاحب البيت العتيق، والحديقة الغناء.

 لقد بدأت رحلة الراوي بالثورة على الواقع، والتمرد على الموروث والقدري، وهذا بالضبط، قلقه الوجودي. وإذا كانت الرحلة لم تصل إلى النهاية السعيدة، فهذا لأن جعفر الراوي، ليس ذاتاً مفردة تمامًا، بقدر ما هو رمزُ لها، تجسد تجربة الإنسان وتيهه بين شتيت المحطات:(صدقنى سأكافح، لقد حملت حياة لايقدر على حملها الجن. فلتكن معركة، لن أكف عن القتال حتى أنال حقي الكامل من تركة جدي اللعين) .

يمكننا ملاحظة أن: مغزى الرواية يتجه إلى الموضوع الملح عند نجيب محفوظ، عن الإنسان وأسئلته التي لاتنتهي عن الوجود وماهيته، وظهرت تجلياته ـ على نحو صارم ـ في أولاد حارتنا عبر بنية استعارية لرواية التاريخ الإنساني، ومحتشدة بالكثير من التفاصيل.

 أما (قلب الليل) فتنطلق بوضوح شديد من الواقع لتثور عليه، مختزلة الكثير من التفاصيل، عبر لغة شديدة التكثيف والإيحاء، لتوميء إلى نفس الموضوع، غير أنها لا تعتمد الاستعارة كوسيط لحكاية الإنسان، بقدر ما تعمل على إنتاجها من صيغة الواقع. عبر تجربة الحياة الشخصية لجعفر الراوي. وتقلباتها من الطفولة إلى الشباب إلى النضج العقلي، حتى المأساة، أو التراجيديا العنيفة كما يسميها تيري ايجلتون عندما يحدث كسوف أو انهيار العقل.

وظنى، أن هذه البنية، انقذت (قلب الليل) من المأزق القرائي الذي وقعت فيه (أولاد حارتنا) نتيجة لبنية الاستعارة. في حين أنها وسعت أفق القراءة لأقصى مدى زمني ودلالي على وجازتها. فلم تتوقف عند كونها محاكاة لتاريخ الإنسان وتقلبه بين العقائد المختلفة. فنحن ـ في هذه الرواية ـ إزاء مساءلات حيوية تمس الواقع الإنساني، وتتمركز ـ في النهاية ـ حول قيم إنسانية مؤرِقة، مثل الغريزة والعقل والعدل والحرية … إلخ.

يبدأ جعفر الراوى سرد حكايته لموظف الأوقاف بعدما انتهت. إنه الآن، عجوز محطم الوجدان، خرج من السجن لتوه، بعد ارتكابه لجريمة قتل. لكنه اختبر الحياة وعركها بما يكفي ليراها رؤية محيطة وواسعة، وبما يسمح بتحليل الأحداث، ومناقشة القضايا المعقدة،  كما أن زمن الرواية ـ كلهاـ استرجاعي، بما يسمح بالقفز فوق تراتبية الزمن وانتقاء الأحداث ذات المغزى. وإذا أضفنا إلى ذلك، البنية الحوارية للرواية، تلك التي تسمح باستنطاق الشخصيات بما لايتمكن منه الراوي، نكون أمام تصميم مسبق، يسمح لنجيب محفوظ بتمرير رؤاه وتحليل نظراته الفلسفية. مستنطقا جعفر الراوي، لكننا لانشعر في أية لحظة، أن هذه الشخصية  مجرد قناع، فهي ثرية بالتفاصيل الحية، ومؤهلة عبر رسمها وتاريخها النفسي والثقافي، لتنطق بغير العادي من الكلام، وقد تبدو في كثير من اللحظات تواقه له، ومندفعة إليه وكأنها تتعجل الزمن الباقي لها خشية أن تموت قبل إدراك ماهية وعلة، وسيرورة وجودها فيقول (لم يبق من عمري إلا أيام، ومازالت البشرية تعني العذاب والقلق، مازلنا نموت مخلفين وراءنا أملًا قد تحقق ونسيِّ….وأنت تريدني أن أروي قصتي بالطريقة التي تعجبك أنت..)  لهذا تبدو وظيفة (موظف الوقف) ليس فقط استنطاق جعفر الراوي لسرد حكايته، بل موجِهًا للسرد، ومنسِقًا لترتيبه فنيًا ومنطقيًا، يقول جعفر الراوي:( لست تافهًا كما تتصور، إنى صاحب حق، وذو ثقافة، بوسعي أن أحدثك عن عيوب الديموقراطية، وعيوب الشيوعية). فقال موظف الوقف: ( ستحدثنى عن ذلك فى سياق حكايتك، ولكن لنرجع الآن إلى حياتك الجديدة)

عهد الأسطورة :

يقول جعفر الراوي لموظف الأوقاف:

ـ دعني أحدثك عن عهد الأسطورة.

ـ لعلك تقصد الطفولة.

ـ إني أعني ما أقول فلا تقاطعني، لاتوجد طفولة، ولكن يوجد حلم وأسطورة، عهد الحلم والأسطورة، وهو يفرض ذاته في عذوبة فائقة، وربما زائفة، بسبب من معاناة الحاضر الأليمة عادة. وهو دوي ضخم في وجداني، وعندما أحلله لا أجده شيئًا.

على نحو أولي، يسمح الاسترجاع، بأن يحدثنا جعفر الراوي عن طفولته، لكننا عبر الإحالات الدلالية والرمزية، نسمح لأنفسنا، بالرجوع لأبعد من طفولة جعفر الراوي، إلى طفولة الوعي الإنساني (الأسطورة) سينشأ عبر هذا نوع من التزامن الخصب الذي يثري الرؤية ويعمقها على الرغم من ضيق العبارة ووجازتها، بحيث يمكننا مراقبة النص المصاحب، مراقبة لصيقة ومتزامنة مع النص المكتوب.

فعلى مستوى النص المكتوب، سيمني جعفرالراوي بطفولة مأساوية، حيث تغيب صورة الأب والأم تمامًا، سوى من إحالات حسية عابرة ومجتزأة. كان الأب قد مات مبكرًا، وما لبثت الأم أن لحقت به، فعرف جعفر الراوي يتمًا مبكرًا، انتقل على إثره إلى رعاية الجد. وهناك يدرك أن عهد الطفولة قد انتهى.

 وبدأ عهدًا جديدًا يقوم على التكليف بمهام لم يكن مؤهلًا لها. هنا تبدأ رحلة المسئولية والالتزام تتعارض مع الحرية التي عاشها في كنف الطفولة اللعوب. هنا نشير إلى تطور التاريخ البشري، وتحوله من الوعي الأسطوري للوجود (طفولة الإنسانية) إلى الوعي الميتافيزيقي له مع سطوع الأديان، وهو يمثل المرحلة السابقة على مرحلة الوعي العقلاني في الحداثة، أي أنه مرحلة وسيطة بين الإدراك الحلمي للوجود والإدراك العقلي له.

وعلى مستوى النص المصاحب، فإن (جعفر) قد ورث المأساة عن أبيه، عندما لحقت به لعنة الجد، كان الأب الشاب قد فتن هيامًا بالمرأة الجميلة (أم جعفر) والتى )لولا جمالها لما نشأت الماساة أصلًا (. ولسبب غائب عن إدراك الأب ولا يصرح به في الرواية وكأنه نتاج إرادة قدرية، رفض الجد هذه العلاقة وحرّمها، لكن الإبن ـ الضال ـ يذعن للغواية، فاستحق غضب الجد، وطرده من البيت العتيق، وسوف نرى، أن (جعفر) قد ورث لعنة الغواية عن أبيه، فحق عليه الغضب، وأعاد مأساة الطرد من البيت العتيق. إنها لعنة أبدية، وغضب أبدي، وتيه أبدي في قلب الليل. نتيجة الحرمان من ميراث الجد. الذي يتبدى في صفات إلهية. على نحو ماسوف نرى. في حين يعجز الحفيد، ليس عن إدراك صفاته وجلاله، بل عن إدراك حكمته، وتحكمه في توجيه حياته ليكون إنسانًا إلاهيًا، فيما هو لايملك من صفات الألوهية شيئًا.

هو في الواقع  ابن الإنسان، على نحو ما قال له الجد يائسًا: (أنت ابن أبيك). ومن ثم، لاغرابة أن يجد جعفر نفسه مدفوعًا ليكرر مأساة أبيه، فيقع في غواية الجمال، ويُطرد من البيت العتيق. يُمكننا ملاحظة أن جعفر الراوي لايمثل ذاته منفردة وحسب، بل يرمز أيضًا إلى معضلة الوجود الإنساني في مُطلقه.

بهذه الطريقة يوميء النص المصاحب إلى أسطورة الخلق الموصومة بالغواية والتحريم والعصيان. ومن ثم الطرد من الجنة. ولاعجب أن يقول جعفر الراوي لموظف الأوقاف (لي مع الجنة تاريخ طويل، كانت أمي تحدثني عنها حديث الخبير)

مأزق الوعى:

يمثل الوجود الإنساني على الأرض مأزقًا في هذه الرواية، يعبر عنه جعفر الراوي في قوله: (إني اتمرغ في التراب، ولكنني في الأصل هابط من السماء)

تعكس هذه العبارة، الموقف المأساوي، بين أصالة سماوية للإنسان، جديرة بامتلاك العالم والسيطرة عليه، وبين واقع مزريُّ وبائس. نحن أمام موقفين يعكسان قدرًا كبيرًا من التناقض في التفسير الديني للوجود الإنساني. لكن، آلية التجادل بين النص والنص المصاحب، كانت تمضي إلى النهاية، فيما يفسر كل منهما الآخر. فجعفر الراوي كان واعيًا بمأساته، وهنا تكون المعضلة وتبدأ رحلة القلق الوجودي، الوعي. نلاحظ أن التناقض لاينشأ عن عدم تكيف الذات بإمكاناتها الثرية مع الواقع فحسب، بل أن التناقض ـأيضًاـ جزء من طبيعة الإنسان، جزء من مأساة الوجود: (إنى حزمة من التناقضات) وتنشأ المأساة من هذا الوعي أصلًا . ففيما هو واع بواقعه، إلا أن هذا الوعي لم يعصمه من ارتكاب حماقات عديدة ـ تمليها الغريزة ـ عبر تاريخه الطويل. إن درجة الوعي بتناقض العلاقة بين الذات والوجود هي أزمة (الراوي) المستمرة حتى بعد أن خبر الحياة وصار كهلًا معدمًا. وهي دافعه إلى سيل من الأسئلة الوجودية ( إنى أتقدم في العمر ولم تكف الأسئلة عن مطاردتي، صدقني، فأنا شخص غير عادي )

الحياة في البيت العتيق:

التعريف الأول بالحياة الجديدة التى انتقل إليها الطفل (جعفر) بعد موت أمه. كان وصفًا مسهبًا للقصر وحديقته الغناء، أشجارها الباسقة وقطوفها الدانية، وبسطها المدودة، ومياهها الجارية، أي مكان هذا غير الجنة التي طرد منها الإنسان ليعيش تيههُ الأول على الأرض. إنه تعريف يسمح بتقديم الجد، بوصفه أزهريًا نال قدرًا واسعًا من العلم والدين. لاعمل له غير إدارة أملاكه.

بدأ لقاء الجد بمراجعة الثوابت الدينية عند الطفل: من الذي خلقك؟  من نبيك؟ ماذا تحفظ من القرآن؟ أما الجد ( فهو يطالب الإنسان بالسمو والتطهر والكمال وباعتناق رؤياه في الوجود، ويحتقر الضعف وما يراه انحلالًا وتدهورًا في التكامل البشري، هكذا اقتنعتُ بأن الطريق إلى حنانه واضح ومستقيم، ولكنه حافل بالجهد والصبر والعرق، والقوة والتقدم والسمو. هنا معضلة أخرى من معضلات الوجود الإنساني (الضعيف) على الأرض. عليه أن يكون إلاهًا، أن يتسم بالسمو والتطهر والكمال، أن يعتنق رؤيا الله الذي في السماء فيما هو على الأرض. الله الكامل الطاهر فيما هو ناقص ومدنس.  

عندئذ يدرك جعفر أن عصر الأسطورة  قد انتهى، وأن حياة جديدة قد بدأت للتو وفق مطالب الجد وتصوراته عن الإنسان الكامل فيمتثل لها، ويخطو خطوات مباركة، حتى بلغ سن الشباب، ثم، بدأت اللعنة التى طاردت الأب، تتبدى للإبن. تمثلت الغواية الأولى في رغبته في السفر إلى أوروبا.

الترحال والتيه ( إشارة إلى كلام ميشيل مافيزولي السابق ).

“ـ يسرني ياجدي.. وأود بعد ذلك أن أسافر إلى أوروبا.

فتجلى الاهتمام في عينيه وسألني .

– مالذي جعلك تود ذلك

– أسوة بما فعل أبي .(ص43)

هل التيه قدر، أم أنها رحلتنا لاكتشاف ذواتنا؟، بكل أبعادها المعرفية و الحسية المكتسبة عبر الممارسة والخبرة الخاصة المميزة لكينونتنا؟ أهي انتزاع للذات من هيمنة الغيبىي والموروث، واختبار القدرات الإنسانية على مواجهة الحياة؟. لكن الرحلة لاتتم على نحو اختياري كما سوف نرى.

  وفي هذه المرحلة يتعرف جعفر الراوي على صديق الصبا ( محمد شكرون ) وكان يتمتع بصوت عذب أعجب الجد فقربه إليه في مجالس الذكر والإنشاد. مما أثار غيرة الشاب، فتمنى لو ينافس صديقه ملكة الصوت الجميل التي يرعاها الجد ويغدق عليها. ولأن الجد عليم بما في الصدور، نصح الحفيد أن يقدّر ذاته بما وهبه الله:

(وهبك الله عقلًا راجحًا كما وهب صديقك صوتًا عذبًا، فانعم بما وهبك ولا تنغص صفوك بما تفتقد، ولوكنت ذا استعداد للغناء ما ساءني أن تصير مطربًا، فالمطرب ـ أيضًا ـ يستطيع أن يكون إنسانًا إلاهيًا).. المغزى ـ هنا ـ أن على جعفر أن يدرك كنه ذاته، أن يكون ما هو عليه.

يقول جعفر الراوي: (وثبت عندي من ذلك حب جدي العميق للغناء والموسيقى، وإنها عاطفة مستقلة بذاتها عنده وليست تابعة لتدينه فحسب)

إن هذا التوفيق بين المتع الحسية، والرغبات الإنسانية، وبين أن يكون إنسانًا إلاهيًا، مطلبُ لم يتمكن جعفر الراوي من تحقيقه طوال الوقت، وستكون فتنة الغناء وعشق الحياة الصاخبة لأهل الفن والطرب، بداية لطريق طويل من المعاناة يجسد الإخفاق في اكتشاف جعفر لذاته بقدراتها وإمكاناتها المتاحة، عندما قاده محمد شكرون إلى بيوت العوالم (الراقصات) وكان ذلك بمثابة إشارة البدء بإحساس جعفر الراوي بمأزق الجسد الإنساني وورغباته التي لاتكف عن العواء، والدفع به إلى مصير مماثل لمصير أبيه.

 كانت الخادمة في بيت الجد قد لاحظت نظراته الشبقة لإحدى زميلاتها فجزعت وتوسلت إليه ألا يقدم على التفكير فيما يغضب الجد كما فعل أبوه.

مأزق الجسد :

يقول جعفر الراوى عن فترة الشباب:

  (أما أزمة تلك الفترة الحقيقة فكانت أزمة جنس، أزمة المراهق المتشوف إلى القداسة، ونزاعه الدائم مع غرائزة القوية )

 كانت الخواطر الجنسية تلح علي جعفر الراوي في مراهقته، وكثيرًا ما حاول فهم الغريزة الجنسية وطبيعتها، وسطوتها المستبدة بالجسد الإنساني في تحد صريح لروحانية الحياة في بيت الجد. وكثيرًا ما كان يفكر، هل يمكن أن يكون لجده حياة جنسية خاصة؟ لكنه كان يرتعد لمجرد التفكير في هذا، منزهًا أياه عن أي تناقض أونقص أو دنس.

غير أن علاقة جعفر الراوي بجسده، واكتشافه لرغباته الحسية، وتناقضها مع القيم المجتمعية، كانت قد بدأت بالفعل منذ عهد الطفولة، إلا أنه كان عهد ما قبل التكليف والمسؤولية، أو كما يسميه جعفر الراوي: (عصر الجن الماجن والجماد اللعوب والحقائق الطيفية والأحلام الحقيقية ).

عندما ضبطته أمه في سحارة الخبز، يحتضن ابنة الجيران فعاقبته بعلقة ساخنة، كان ذلك في ليالي رمضان، وكان يحب الغوص بين أجساد البنات على نحو فطري، يفعل هذا منذ طفولته (في سن السادسة) مختلطًا باللعبِ والأطيافِ الحسية، كما لو أن هذا البعد الزمني للتجربة الحسية هو تأكيد على جذرها الغريزي العميق، وكأن حدود المأساة قد رسمت بالفعل منذ عهد الأسطورة، وربما قبل الميلاد، وأنها سوف تلاحقه في شبابه بدفق عاصف لاقبل له به. عندما وقعت عيناه على راعية الغنم (مروانة). وما أن وقع نظره على عينيها حتى انتابه الجنون الكامل. فسار وراءها مدفوعًا بهجس شيطاني: (سرتُ بقوة الجنون والسكر وتفجرت في قلبي ينابيع المغامرة بلا حدود).

يرمز نجيب محفوظ للهجس الشيطاني، بصورة غاية في البراعة، وفيما يشبه طقسًا للتناول والتعميد، عندما ناولته (مروانة) كوبًا من لبن الماعز: (وربط كوب اللبن بيننا برباط حريري قاتل) فتبدل حال الشاب الأزهري المستقيم ـ ربيب البيت العتيق ـ إلى النقيض فيما يشبه الطفرة. عندئذ، يطل وجه النص المصاحب بنظراته وتحليلاته للأمور وكأنها محاججة فلسفية لنظرية النشوء والارتقاء، أو وكأنه (محفوظ) يؤهلنا لثورة الشك التي اشتعلت في قلب جعفر الراوي:

(الإنسان يخلق المنطق ولكنه يتجاوزه، والطبيعة ياعزيزى تستعمل الطفرة كما تستعمل التطور) 

ولا غرو أن نعرف بعد ذلك أن مروانة تنتمي إلى معسكر الشياطين أو معسكر المتشردين ـ كما ورد في موضع آخر ـ .تعيش بين أهلها في جماعات هامشية بعشش الترجمان، مطرودة من المتن الاجتماعي، وموصومة بالانحراف والتمرد على كل قوانينه. وهي في المقابل، جماعة تملك كل أسلحة الهجوم على هذا المتن، تتحداة وتتعالى عليه. بل تتعالى على أيقوناته و تتحدى رموزه. إنه هامش، يسعى إلى خلق سرديته الخاصة، يحدث هذا في مفارقة طريفة من طرائف محفوظ.

 كان الأزهري الشاب (جعفر) قد ذهب إلى معسكر الشياطين يطلب الزواج من مروانة. وكان أبوها يجلس بين عصابة من المتشردين وقطاع الطرق. وبدا للشاب أنه قد يحظى بالقبول إذا ما تحدث عن أصله ونسبه إلى جده الراوي، رجل الله: فيقول أبو مروانة ساخرًا: (نحن رجال الله حقًا، الله المنتقم الجبار خالق الجحيم والزلازل ،أنظر إلى هولاء  – مشيرًا إلى معسكر المتشردين-  إنهم رجال الله، صورة منه في جبروته وانتقامه )

ولاتكتمل سردية الهامش إلا بهدم المتن وتقويضه بالتمركز فيه أولاً..(أنا جدك الحقيقي، وأهبك هذه المرأة التي تمتص قذائف غرائزك الشريرة). هنا تظهر سردية التمرد الأزلي والتحدي الأسطوري للإرادة الإلهية عندما عصى أبليس ربه، هذه سردية تعكس فلسفتها الخاصة في مناقضة واضحة لسردية المتن المقدس. لكن المأزق الحقيقي أنها تسلم بالإرادة الإلهية في نفس الوقت. فالتمرد ـ في حد ذاته ـ إرادة إلهية، والهامش، هو الوجود المقدر له تأكيد المتن. إنه مأزق الجسد الإنساني بتناقضاته بين منطق يخلق المتن، وآخر يحطمه أو على نحو مايقول جعفر الراوي نفسه: (الإنسان يخلق المنطق ويتجاوزه)

أما على مستوى النص، فإن جعفر الراوي ينظر إلى تمرده على أنه إرادة الجد، التي شاءت أن تحرم عليه الزواج بمروانة التي يريدها جسده. وكأننا في سياق لعبة تعارض الإرادات، نعيد اختبار ذواتنا واكتشافها، هكذا يكتشف جعفر الراوى ميراثه الإنساني بكل ضعفه، عندئذ يعلق الجد: (إنك ابن والديك). بعدها، اختار جعفر الخروج من جنة صاحب البيت العتيق.

وكان ذلك المعنى إيذانا باستمرار المأساة الإنسانية، وخروج جعفر الراوي من البيت العتيق. وانتسابه إلى معسكر الشياطين، فعاش حياة حسية باذخة. لكن الفقدان الروحي، يفقده التوازن النفسي الذي عاشه في بيت الجد. ولأن لاعودة إلى الوراء أبدًا، إذ أن الرحلة هكذا، كل شيء يمضي قدمًا كالزمن، مضى جعفر الراوي إلى الانهماك في حياة حسية، حتى التقى ـ يومًا ـ هدى صديق.

العقل الجميل :

” المغامرة الحقة في رأس الإنسان “ص 98

هذا هو القانون الجديد الذي اكتشفه جعفر الراوي بعد مغامرة الجسد مع مروانة، عندما التقى بامرأة أخرى هى ( هدى صديق) التي تمثل نموذجًا مضادًا لنموذج مروانة. هى سيدة كريمة الأصل، تتمتع بقدر من الثراء وإن ظل لايماثل ثراء الجد. مثقفة رصينة، ترتاد المسارح والصالونات الثقافية، تزوجته، ثم قادته إلى التعليم النظامي بدلًا من التعليم الأزهرى الذي اختاره له الجد. إيذانا بمرحلة جديدة فى حياته. اتسمت بالنضج والعقلانية والشغف بالمعرفة والأخذ بأسباب العلم والمنطق والملاحظة والتجربة. بما يذكي فيه القدرة على مغالبة هواجسه الحسية التي ميزت مرحلته السابقة في معسكر الشياطين ( مع مروانة ). إنه يعيش عصر العقل. هدى صديق نموضج لإنسان الحداثة.

 وكان أن أبدى (جعفر) جدارة في طلب الحياة الجديدة بشروطها: الطموح والشغف للمعرفة واكتساب المهارات الذهنية، فشغل فراغ المرحلة الغيبية، وبدأ الحياة الجديدة بإخلاص يدهش صديقه محمد شكرون وهو يرقب تبدله من حال إلى نقيضه: ” إنك شيطان فى تكيفك مع العربدة، ملاك في تكيفك مع الاستقامة ” ص107

وهكذا فالإنسان ـ إذن ـ ابن بيئته، وليس ابن قدره.     

 وكالعادة، ففي كل مرحلة جديدة تسمح البنية الحوارية باستنطاق الشخصيات بوجهات النظر والتحليلات الفكرية والمعرفية، تأتي ـ هذه المرة على لسان جعفر الراوي شارحًا لموظف الأوقاف:” وهذا العقل يعتبر مخلوقًا حديثًا نسبيًا إذا قيس بالغرائز والعواطف، فالذي يربط الإنسان بالحياة غريزة، والذى يربطه بالبقاء غريزة، والذي يربطه بالتكاثر غريزة، ودور العقل في كل أؤلئك هو دور الخادم الذكى ” ص112 . هنا نتذكر، يذهب كيركيجار: ” … الفكر الذاتي أو الوجودي، على العكس، يجتهد ليفهم المجرد محسوسًا”

ولعل هذه المداخلات التفسيرية المبررة فنيًا عبر الحوار، جزء من وسائل دعم القاريء لينتبه إلى النص المصاحب. الذي سوف يتمثل ـ هنا ـ في حداثة التجربة البشرية (عصر الأنوار) ومرجعيتها المطلقة للعقل الخالص. مخلفة وراءها عصور الميتافيزيقا بصورتيها الأسطورية والدينية. لهذا ينبه محمد شكرون صديقه جعفر الراوي، إن هدى صديق تريده ” مقطوع السبب بالراوى ” ص101.

والحقيقة، أن هذه المرحلة سمحت لنجيب محفوظ بمناقشة موضوعة العقل الخالص، سواء عبر حوارات مطولة، أو عبر مفارقات سردية، وهى مناقشات مثيرة ومدهشة. لا تتوقف عند اختبار العقل، بوصفه جهازًا معرفيًا للإنسان الفرد، بل بوصفه تمثيلًا للحداثة وطموحاتها وأحلامها التي جسدت توق الإنسان لفردوس أرضي، حتى لايظل مصيره معلقًا بوعد غيبي يعطل حركة الحياة ويقمع الطاقات المعجزة التي يتمتع بها البشر. لكن المفارقة، ستكشف لنا ـ فيما بعد ـ أن فردوس الجد مازال مطمحًا لجعفر الراوى، وإن لم يتخل عن كبريائه.

 ولعل هذه المناقشات قد اختبرت مقولات ومفاهيم عديدة، وأبدت معارضات لبعضها على نحو مانراه يعارض ـ عبر صوت حعفر الراوي ـ مقولة فرويد عن جبل الجليد المطمور تحت الماء إلا قمته، فيعلق: ” المسألة ليست مسألة حجم ولكنها مسألة قيمة أولًا وأخيرًا” ص113. فضلًا عن معارضاته لمفاهيم مثل: الحرية وارتباطها بالالتزام، فالحرية في تقديره، هى حرية الإرادة الإنسانية:” الحرية الحقيقة وعي بالعقل ورسالته وأهدافه وتحديد الوسائل بحرية الإرادة ” ص114. لقد دخل جعفر مرحلة الحداثة، الأنوار، الإلهامات المضيئة بالعقل والحكمة. فهل ستهدأ روحه وتكف عن القلق. هل سيدرك ـ أخيرًا ـ بعقله كنه ذاته؟ سنرى.

 ثم، هاهو يرفض الوطنية التى تخضع لتصورات تتسم بالأنانية، مطالبًا أن نقيم أوطاننا بلا تأثر بما ندعوه الوطنية. وهذه ـ كما نظن ـ نظرات تتماس بقوة مع مفاهيم انتجتها الحداثة، عن التعددية، وبشرت بها. عبر رؤى كلية وإنسانية للعالم تجعل العقل مركزًا ومبررًا للوجود ( أنا أفكر إذاً أنا موجود) عالم تتماهى فيه الحدود الزمكانية الميعقة لتطور البشرية. كما تتماهى فيه المذاهب الفلسفية المتضادة، وكأن العالم فردوس يتعايش فيه الجميع.

هكذا ينتهى جعفر الراوى إلى تأليف نظرية توفيقية بين الشيوعية والديموقراطية، ترفضها زوجته ( الديموقراطية) وتراها خطرة مستحيلة التنفيذ، كما يرفضها سعد كبير ( الشيوعى ) ويعتبرها ” سمك لبن تمر هندى “ص132. ونرى في هذا الجزء من الرواية محاججات فكرية تدور بين سعد كبير وجعفر الراوى على نحو محتدم ومتناقض. لكن النقاش الذي يدور بين سعد كبير وهدى صديق بدا أكثر عمقًا وأصالة حتى أن هدى صديق وجدت في نقيضها الشيوعى تميزًا وجدارة عن زوجها الحائر بين المذاهب الفكرية.

 ووسط هذا الانهماك العقلى يشعر جعفرالراوى إنه مخول لحمل رسالة إلى البشرية، تبشر بدين جديد قوامه العقل والعدل والحرية. ولاغرو أنه وجد في منعطفات حياته تشابها مع حياة النبى.ص126   

يبدو لى أن مأساة جعفر الراوى العميقة تسكن في وعيه بذاته، فهو يحمل تناقضاته داخله، ولكنه يرغب أن يجمع بينها في نظرية توفيقية تسمح بتعايش الأضداد. أن يجمع بين عصيانه لجده الراوى واحترامه له، يحتاج إليه ويرفض الانصياع لإرادته. يعشق عقل هدى صديق وجسد مروانة، ويحب أن يتعايش مع صديقه الشيوعى وزوجته الديموقراطية. يحب القرآن والإنشاد الديني، ويعشق الطرب والغناء واللهو. هل هى أزمة الإنسان الحداثي؟ وهل يمكن له أن يجد طريقًا وسطًا ومتصالحًا بين المتناقضات؟

لكن جعفر الراوى يفرق بين مأساته الخاصة التي” نشأت من الصراع بين عقلي وبين إيماني الراسخ ” ص116. وبين مأساة عامة، تاريخية، تتبدى في طبيعة المراحل المفصلية، وانتقال الوعي من الميتافيزيقي والغيبي الذي لازم البشرية قرونًا، إلى العقل والتجربة على حداثتهما. وهنا تتجلى النظرة الموسوعية عند نجيب محفوظ للتراث الإنساني، وتأرجحه بين النقيضين، فالإنسان الذي ُوهب العقل لم يكن مؤهلا لحمله تمامًا ” ومايزال النصر مقررا حتى اليوم للغرائز، على الأقل في الحياة العامة، لم يظفر العقل بالسيادة إلا في العلم، فيما عدا ذلك فهو يخضع للغرائز” ص 115

لهذا، فإن نظرية جعفر الراوي تنبنى على مصالحة تاريخية بين العقل والغريزة. غير أن هذه المصالحة تنهار تمامًا عند أول اختبار يسمح للغريزة أن تنفلت من أسر العقل. لتبقى مأساة الإنسان هى الدال الوحيد على وجوده.” ثم اجتاحتنى المأساة كأنها زلزال غير مسبوقة بأسباب واضحة ..” ص137.هنا نتذكر تيري ايجلتون: (إذا حدث تحول أو انحدار أو كسوف للمعنى، تتحول الحياة إلى تراجيديا عنيفة ).

كان جعفر قد عانى قلقًا حديثًا متوهمًا أن علاقة ما نشأت بين صديقه ( سعد كبير ) وزوجته، ولطالما حاول وأد هذا الهاجس الذي لم يجد عليه دليلًا. لكن شيئًا غريزيًا كان ينمو مغالبًا عقله. خشية أن ينافسه سعد كبير ملكية هدى صديق التي صارت معادلًا لحياة جديدة: متعقلة، هانئة، مستقرة. لقد أصبح وجود (سعد كبير) مصدر تهديد لحياة جعفر الراوى. فشعر بالغيرة من اهتمام (هدى صديق) به، يذكرنا هذا بموقفه من (محمد شكرون) عندما شعر بالغيرة منه نتيجة لاهتمام الجد ورعايته له. لكنه هذه المرة، لم يكن في رعاية روحانية تهدىء من خواطره، فقط، كان معتمدًا على عقله، معتدًا به، وذات نقاش محتدم بينه وبين ( سعد كبير ) تخلى عنه عقله المقدس، فطعن الراوي صديقة المفضل، الشيوعي رفيق رحلة التنوير حت اراده قتيلًا.

 يقول جعفر الراوى:

” وقفت أتأمل جثته الملقاة بين المكتب والكنبة الجلدية فى ذهول بارد سرمدي وأنا اشعر بأنني تخففت دفعة واحدة من كافة أعباء الحياة وانفعهالاتها، ثم غصت فجأة إلى أعماق دنيا الحلم فرأيت من كوة في جدارها المتهافت شبح المأساة وهو يجري بعيدًا عني في كون آخر مضاد، لاتربطني به صلة بشرية، وسمعت صوتًا، لعله صوتي أو صوت آخر يهتف مذبوحًا: ياعقلى المقدس، لماذا تخليت عني؟ “ص141

” ماذا يفيد الإنسان لو كسب العالم وخس نفسه”

انتهت رحلة جعفر الراوي بانهيار العقل اعتز وآمن به، وتبدى له شبح الماساة وهو يجري بعيدا عنه في كون آخر، ألا تذكرنا تلك النهاية بمقولة تيري ايجلتون: ” اليقين العقلي مهلك  للروح، لأنه إذا حدث تحول أو انحدار أو كسوف للمعنى، تتحول الحياة إلى تراجيديا عنيفة ” ؟

هل كان نجيب محفوظ يهدف إلى هذا المعنى؟ ليقوض خدعة العقل التي آمنت بها الحداثة على نحو مطلق، وصار بديلًا للدين؟ هل هو استشراف لما بعد الحداثة بوعي ثاقب لروائي فيلسوف إدرك مبكرا ما تنطوى عليه الحداثة من أوهام؟ ربما.

يقول عمر الحمزاوي بطل رواية الشحاذ: ” أتريد أن تعرف سري حقا يامصطفى، اسمع عندما امضني الفشل جريت نحو القوة التي آمنا من قبل بأنها شر لابد أن يزول”ص42. عمر الحمزاوي يقصد الدين، الذي اعتبره في أيام نضاله الشيوعي ( أفيون الشعوب ). وفي موضع آخر من الرواية يقول مصطفى ( صديق عمر ورفيق رحلة النضال ): خبرنا الآن عن معنى الحياة؟ ص 100 ثم يستطرد: ” ” لماذا نسأل؟ الحكاية أن العقيدة كانت تعطينا معنى متكاملا، وأننا نحاول أن ملأ الفراغ تحقيقا لقانون طبيعي”ص100.

يمكن القول أن الشحاذ تبدا من حيث انتهت قلب الليل. فإذا كان جعفر الراوي قد تمرد على حياة الجد الإلهى، ومضي في رحلته وراء شهوة الجنس ونشوة الفن والغناء، وانتهى إلى أنوار العقل بين يدي هدى صديق، فإن عمر الحمزاوي بدأ من هذه النقطة الأخيرة. أنوار العقل وسطوعه. وعلى العكس من جعفر الراوي، حقق عمر النجاح تلو النجاح. أنهى نضاله الثوري بعد قيام ثورة يوليو، وتبنيها  للأفكار الاشتراكية، ارتاح إلى هذه النتيجة، فأكب على حياته الخاصة وهجر بل ونسى سنوات النضال، نجح نجاحا باهرا في مهنة المحاماة، تزوج ممن يحبها ( زينب) وأنجب ابنتين هما

 قرة عينه، وها هو يرفل في حياة رغدة مترفة، فزاد وزنه وتورد وجهه. وفي غمار كل هذا التنعم بالنجاح، بعكس جعفر الراوي، تأتيه العاصفة من حيث لايدري ولا يفهم. عاصفة السؤال عن معنى حياته. كان أحد العملاء يلح عليه أن يسارع في تحقيق أمله بكسب القضية، فشعر عمر الحمزاوي بغيظ وسأله دونما سبب:

ـ  تصور أن تكسب القضية اليوم وتملك الأرض ثم تستولى عليها الحكومة؟

 فيهز العميل رأسه باستهانة ويقول:

ـ المهم أن أكسب القضية، ألسنا نعيش حياتنا ونحن نعلم أن الله يأخذها؟

هزته إجابة الرجل بعنف، واصيب بدوار مفاجيء، واختفى كل شيء حوله، كأنما انتزعت منه إجابة العميل كل تصور عن معنى الحياة، وكأنما رأي ببصيرته فجأة، ما لم يره بعمره الناجح وعقله الراجح.  ألسنا نعيش حياتنا ونحن نعلم أن الله يأخذها؟

ومنذ هذه اللحظة، يستبد بعمر الوجوم والصمت، ثم يذهب لاستشارة طبيب، لكن الطبيب لايرى فيه عله واضحة، فنصحه بالمشى وأنقاص الوزن، لكن ذلك لم يجد نفعا، فهاهو يهمل عمله، ويراه بلا معنى، ويصبح البيت في نظره صامتا بارد بلاحياة، ويعتريه الملل والضجر من كل شيء. فلا يأبه بتوسلات ابنته،ولا بجزع زوجته الجميلة، ولاحتى بمولودها القادم. فقدت الحياة نشوتها تماما، فراح يبحث عن النشوة في الملاهي وبين احضان اللاهيات، لكن ( نشوة الحب لاتدوم، ونشوة الجنس أقصر من أن يكون لها أثر” لا هو ولا احد يفهم سر هذا الضجر والزهد والانحدار المتتابع الذي ضيع به كل ما انجزه من نجاح في رحلة الحياة. وتتم الماساة بأن اعتزل الحياة تماما، فقبع في كوخ ناء، يناجي أشباحًا وأطيافًا تأتيه من الزمن السحيق،حيث الوحوش الأسطورية، والأقوام البدائية، والطبيعة الغفل. كأنه يغوص في الزمن إلى الوراء. إلى حيث العدم.

كانت رحلة جعفر الراوي كدا في الحياة، تمردا عليها، وصراعا معها، سعيا لغاية هناك،  يظنها ممكن في الواقع. أما عمر الحمزاوي، فعلى العكس، بدأ انهياره من الواقع، وراح يغوص في ذاته شيئا فشيئا حتى انتهى إلى عزلة أشبه بالموت ” ألم تدرك أنني ميت الحواس؟”ص160 وهذيان اشبه بالحنون. للراوي رحلة للأمام، معلومة السبب، محددة الغاية هى إرث جده اللعين، وللحمزاوي رحلة  للوراء، يلفها الغموص، ولايفهم غايتها ولا منتهاها. ومع ذلك فكل منهما مشى رحلة وجوده الخاص فما الفرق؟ كانت رحلة الراوي رحلة وعى بالذات، بدأت من عهد الأسطورة والأحلام ومرت بالمراهقة وفورة الجسد وانتهت إلى الحكمة ونور العقل. هنا ذات واعية، تقطع رحلتها عن قصد، أما عمر الحمزاوي، فكانت رحلته في عالم آخر، أكثر ظلاما ووحشية وغموضا، هو عالم اللاوعي. هنا ذات تبحث عن معنى قديم ضاع منها في رحلة النجاح، عودة للوراء بحثا عن ما كان يمتلكه ثم ضاع منه في الطريق. واكتشف أنه، بعد كل ما حقق في الحياة، ظل شحاذا، يتسول يقينا لا يعرفه.” أنا أعيش في مقام السؤال لكن بلا جواب”ص54،يقول صديقه مصطفى ” ولأنه لا يوجد وحي في عصرنا، فلم يبق لأمثالك إلا التسول”.

كان (عثمان خليل) هو الصديق الثالث لمصطفى وعمر، أمضى عشرين عاما من عمره سجينا سياسيًا، فيما تمكن مصطفى وعمر  من الهروب، وظلا ينعمان برغد الحياة ونجاحات العمل،فيما هو يعاني وحشة السجن وخسارة الشباب، وها هو يخرج من سجنه، فيجد صديقاه قد تخليا عن أفكار النضال التي دفع حياته ثمنا لها،  هكذا يظهر عثمان من الماضي فجأة، ليذكرهما بما آل إليه حالهما من اغتراب عن نفسيهما، وفى أول لقاء لهم دار ما يشبه العتاب واللوم، وكان عمر سادرًا في صمته، ينظر إلى السماء، أما مصطفى فيحاول اضفاء المرح على اللقاء، مذكرا عثمان أنه ضحى بعمره من أجل الإنسانية، أما عثمان فيصفعهما بكلماته اللاذعة:”يالفداحة الفشل… لا أصدق ما حل بكما من تدهور..” وفي هذا السياق يصف مصطفى ما حل بعمر قائلاً:” كأنما يبحث عن نفسه، فيرد عثمان مقطبًا:” أليس هو الذي ضيعها”.

هنا بيت القصيد في محنة عمر الحمزاوي، أنه كسب كل شيئ، لكنه خسر نفسه. وكأنما يغوص عمر في أعماق النفس ودهاليزها، بحثا عن اللحظة التي يكون فيها هو ذاته، كلما أوغل لايجد سوى الظلام والخواء. فما اشقى وأصعب أن تكون رحلتك داخلك.

والآن ما تفسير كل هذا؟

يرى ( يحيى الرخاوي) أن كل العلامات التي تصف حال عمر الحمزاوي هى علامات لمرض معروف ( الاكتئاب )، وهو مرض” يصيب وظائف النفس الثلاث ( العاطفة والتفكير والسلوك) بالهمود والانحطاط، وهو يصيب عادة ذوي الشخصية النوابية، أي التي يتناوب مزاجها بين المرح، والحزن والأحوال العادية، تلك الشخصية التي أطلق عليها صلاح جاهين، الشخصية الفرحنقباضية، وهى تسمية خليقة بالاعتبار”.ص172.

ثم يشير في موضع آخر عن نوع من الاكتئاب تم تصنيفه على أنه الاكتئاب الوجودي. أو الاكتئاب المتعلق بالكينونة.الذي يواجه فيه الإنسان  السؤال الخالد ( أكون أو لا أكون).

ترى كم من العمر ضيع عمر الحمزاوي قبل ان يسال نفسه هذا السؤال؟ وما هو الطريق الذي مشى فيه متسولا الإجابات؟ مرة بالشراب والتلسية، ولكن الضجر والسأم كفيل بإفساد كل متعة. وفكر أن يعود إلى الشعر الذي كان قد هجره منذ زمن، فيدرك  أن الشعر جميل، لكن الأجمل منه أن يعيش الشعر لا أن يكتبه. ثم هاهو ينهمك في البحث عن نشوة بين احضان النساء، ولكن يرى أن اللحظة الإلهية لاتجود بنفسها أكثر من ثانية واحدة. ولأنه لايجد إجابة شافية، يظل ينكص إلى الوراء حتى يصل إلى تماه تام وانسحاق كامل في الوجود بكل ما فيه، تيه عظيم في التاريخ ينتهى به إلى البدائية، أو ما أسميناه طفولة الإنسانية، حيث تقبع الأم الخافية * في عالمها الأسطوري، عالم الأحلام والخيالات والأطياف التي بدأ بها جعفر الراوي طفولته، هنا ارتداد ونكوص،وغياب في اللاوعي،  حتى يحس أنه ( جثة منسية فوق سطح الأرض) وهكذا ينتهى إلى موت نفسي.

والآن، الا تذكرنا هذه المحطات بما مر به جعفر الراوي من تهيؤات الطفولة، إلى ثورة الجسد في إلى المراهقة إلى الغناء والفن، وينتهى بالعلم قبل أن تحل به لعنة العقل ، كأن عمر الحمزاوي يمشي نفس الرحلة ولكن بالعكس. لكننا  لايمكننا الجزم بأن عمر الحمزاوي، امتلك الموقف الوجودي الذي امتلكه جعفر الراوي، فالانسحاب من الحياة والنكوص إلى البدئي لايمكن اعتباره وعيا أو موقفا. إنه مرض كما أشار يحي الرخاوي، إنه الاكتئاب الوجودي، الذي ينشأ عن اضطراب الوجدان.. نعم الوجدان الذي هو ما مادة وجد، يجد وجودا.

يقول يحي الرخاوي:

” ويختل التفكير وتظهر النزعات العدوانية الانتحارية:

ـ أفكر في تفجير الذرة

فإن تعذر ذلك ففي لقتل

فإن تعذر ذلك ففي الانتحار

وهكذا يظهر التسلسل الجميل ( آسف للتعبير غير المناسب) في أعراض المرض، فهو يطلب أن يثبت ذاته بالمستحيل، ثم يعجز، فينطلق التوتر الناشيء عن الإحباط إلى العدوان، فإذا عجز انقلب الدافع العدواني إلى داخل نفسه.

نموذجان للقلق الوجودي، كل منهما قد يودي بصاحبه، إلى الماساة 

مقولة الامام على الناس نيام

ثم هاهو حينما يصل إلى ما يظنه اليقين يبدأ الانهيار. أما رحلة عمر الحمزاوي، فكانت بالعكس

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) نجيب محفوظ : قلب الليل ـ رواية ـ مكتبة مصر ـ القاهرة ـ 1975   

ضحى

قصة: فتيحة قادة

الشارع الكبير يعجّ بروائح الطعام الشهية المنبعثة من المطابخ و الأفران تسحب الشّمس آخر خيوطها الذهبية بعد أن أذنت لها المدينة بالمغادرة ،لاتسمع غير أصوات الملاعق و هي تلتطم بالصحون و بعض الصّبية الذين يقلّدون صوت المؤذّن و بعد سويعات يخرج الرجال لأداء صلاة التراويح بينما تنشغل النّسوة والفتيات في التنظيف و إعداد السّحور ،

استمر في القراءة ضحى

قراءة في قصة “ركن الأمان” لأسماء عبدالراضي

د. سحر عبدالمجيد

 تقص علينا الكاتبة أسماء عبد الراضي حكاية لطفلة تعيش أهوال الحرب، ثم تنطلق لفضاء إنساني أوسع، تُصبح فيه الحرب قوة تعيد تشكيل الإنسان والبيت والذاكرة واللغة معًا. فالقصة تنشغل بوصف الحدث العسكري كما تنشغل بآثاره العميقة في الوعي، حيث يتحول المكان من فضاء للسكينة إلى فضاء للنجاة، ويغدو الطفل شاهدًا على انهيار العالم الذي كان يفترض أن يمنحه الطمأنينة.

استمر في القراءة قراءة في قصة “ركن الأمان” لأسماء عبدالراضي

استشهاد عباد الشمس.

قصة: سيد الوكيل


كانت الشمس في محاولة مستميتة للتخلص من الظلام المدلهم في اتجاه الشرق.عم الدفء وجرت الدماء في شرايين السماء فتشربت بحمرة وردية، إلا من سحابات داكنات بنفسجية تحففتْ بإطار ذهبي، وحنّتْ نسمة رقيقة، تراقصت لها الأغصان الهزيلة التي نبتت بجوار صنبور المياه الوحيد في الموقع. تلك التي عملت أيدي الجنود على رعايتها وتنميتها، وتوقف الأزيز الخافت المنبعث من محرك العربة الزل المخصصة لنقل الجنود، فاستكانت خلف الساتر الرملي.

عاد الصمت طاغية رهيبا يشمل الموقع.

مد قامته خارجاً. وهبط إلى الأرض.ابتعد عن العربة نزل عندما شعر بحاجته إلى التبول. من مكانه استطاع أن يرى أمواج القناة، موكباً جنائزياً يتهادى بين إيقاعات لسيمفونية حزينة. على بعد أمتار جلس يسترق النظر إلى الضفة الأخرى. بدا أمام عينيه الساتر الرمادي الهائل، كابوساً رهيباً. لكن بكارة الشمس أشعلت في قمته نوراً كالحريق

كتب على الأرض “عزيزة “يعرف أن خطه مضحك، شعر بالندم لأنه لم يتعلم في المدارس. في المصنع محو أميته، لكن خطه ظل مثيراً لضحك المتعلمين. لا يشعر بالغضب تجاههم، فقط يشعر بالخجل من نفسه، لكنه تذكر أن الجندي مؤهلات (درويش ) طلب منه أن يكتب على العربة: الله أكبر، خمسة  وخميسة في عين العدو، سيضيف من عنده: محروسة من العين ياعزيزة. سيطبع كفة عليها بلون أحمر.  وعند عودته في الإجازة سيشتري حذاء لابنته الصغرى، ومسبحة يعلقها في كابينة العربة الزل.

انتفض واقفاً عندما أحس بحركة خفيفة من خلفه. تبين ملامح النقيب إبراهيم بقامته الفارعة، أدى له التحية. خرج صوت إبراهيم متعبا متهدجاً، ورغم ذلك استطاع أن يشد ابتسامة مرهقة، وقال:

  • رأيت السيدة عزيزة خلف الساتر، فتنبأت بوجودك هنا.
  • استيقظت مبكرا يا فندم، تعطلت “السارينة ” ولم استرح إلا عندما انتهيت من إصلاحها الآن.
  • لكنك ترهق نفسك أكثر من اللازم يا مصطفى، تلزم نفسك بالكتابة على كل العربات أيضاً.
  • فكر مصطفى أن يرد عليه، أن يقول: ولماذا ترهق نفسك أنت أيضاً، لكنه صمت، وصمت النقيب إبراهيم، ابتسم كأنما عرف ما يدور بخلده.
  • اعتقد أن سيادتك كنت “نوبتجي ” بالأمس.. السهر يبدو عليك.

أطبق إبراهيم جفنين حمراوين، ثم ابتسم، متعمدا تغيير الحديث قال:

قل لي يا مصطفى، لماذا سميت سيارتك عزيزة، أهو اسم زوجتك؟

  • لا. يا فندم. إنه اسم أمي.
  • ثم تعلقت نظراته بقرص الشمس، الذي بدا أن ملامحه تتحدد الآن، بعدما توارت السحب. تذكر زهرة عباد الشمس عند صنبور الماء، تمتم: لابد أنها تستيقظ الآن. لكن النقيب إبراهيم لم يتبين كلماته، ظن أن مصطفى يتكلم عن أمه، سأله عما يفكر فيه، أطرق مصطفى قليلا، ثم رفع عينيه إلى إبراهيم:
  • هل تظن أننا سنحارب فعلا؟
  • لا أستطيع أن أجزم بشيء، لكني لا أشك لحظة في حتمية المعركة.

هز مصطفى رأسه، وراح يتذكر أمه، والشارع، فرأي حسين بائع الفول المدمس محاطا بصبية ورجال، يمسكون في أيديهم صحون الصاج الأبيض في انتظار أن يملؤها حسين بالفول. تداعت صور لم يتمكن من تجاهلها. عويس البقال، أم محمد بائعة الخضروات، أولاد الأسطى أديب السمكري يملئون الشارع ضجيجا وحياة. تخيل نفسه بطلا عائدا مظفرا من المعركة، تستقبله أمه بالزغاريد، تتعلق ابنته بساقه الطويلة، وتحتار زوجته بين فرحتها وحشمتها أما الناس الذين جاءوا ليباركوا عودته سالما. وهذا هو المعلم رجب، الذي طالما كان على خلاف وشجار معه، يحضنه إلى صدره العريض، ويبكي معتذرا..

لم ينتبه عندما انصرف النقيب إبراهيم، قائلا:

  • سأذهب الآن لصرف التعيين. الأفضل ألا تصوم اليوم.
  • لماذا يا فندم؟ هل لدينا تدريب اليوم؟

نظر إبراهيم إلى الأرض ليداري عينيه، وقال: ربما.. إنها تنبيهات العميد طحان.

****


قبيل الظهيرة، بدا كل شيء غير عادى، زادت الحركة وقوى النشاط. والتهب الحماس وانصهرت الأجساد كتلة واحدة. تعمل بلا كلل وبينما كان مصطفى يملأ مبرد السيارة بالماء. حانت منه التفاتة إلى زهرة عباد الشمس المنبثقة بجوار الصنبور فرآها تميل بقرصها عن كبد السماء قليلا، وعندما رفع عينيه. رأى أولى طلعات الطائرات المصرية تعبر الأفق في اتجاه الشرق فانفلتت من بين شفتيه تكبيرة خافتة.

وما أن بلغت الطائرات هدفها، حتى توالت الانفجارات، وتصاعد الدخان كثيفا. بينما تعبر الزوارق المياه إلى الضفة الأخرى، وبدأت عملية إزالة الساتر الترابي الهائل. وانهار الكابوس. ودأب رجال المهندسين على إقامة الجسور، وتهاوت حصون بارليف أمام الرجال. واستطاع مصطفى أن يرى من موقعه، أول علم مصري يرفرف فوق الضفة الأخرى.

****

تحرکتْ جماعة المشاة فوق المعابر. واندفعت العربات والمدرعات الواحدة تلو الأخرى، فناءت بحملها الجسور. واضطربت المياه من وحشية القصف الطائش. عزيزة واحدة من تلك العربات التي تعبر. مصطفى والنقيب إبراهيم في الكابينة الأمامية..في الصندوق الخلفي انتظم الجنود مدججين بشداتهم العسكرية، ومن شدة قبضتهم على السلاح، تصلبت أيديهم، وكأنهم ولدوا هكذا. ثمة شعور عام بالحذر والترقب يسيطر على الجميع. فتبادلوا النظرات أول الأمر. وتمتم أحدهم بآيات من القرآن، وحاول البعض أن يبتسم مشجعا، وصفق الرقيب مينا عبد السيد داعيا إياهم لمشاركته. لكن اقتراحه قوبل بابتسامة.. فقط ابتسامة ممهورة بقلق، وأبت أيديهم أن تبرح السلاح، فتوقف عبد السيد عن التصفيق، وبدرت حركة مضحكة، لا ارادية منه فضحك الجميع. وما أن وصلوا أرض سيناء حتى استقرت أنفاسهم.

قال النقيب إبراهيم بصوت..عالٍ:
-هذا هو وجودنا.. فيجب أن نتمسك به حتى النهاية.

التفتنا في اتجاه الكابينة الأمامية، ورأيناه يرزح تحت صمت رهيب، يتناسب مع مسئوليته، متفكرا في إمكانيات الفشل والنجاح. مصطفى لم يكن لديه وقت للتفكير. فكان منهمكا في قيادة السيارة طبقا للخطة المكلف بها..

عند بلوغ الهدف كان كل شيء على ما يرام. فقد أجهز رجال الكوماندوز على الموقع. وانسحب العدو مسافة مكنت النقيب إبراهيم من تسلم الموقع،وبدأ في توزيع المهام الدفاعية..

لم يكن غروبا كما نعرفه. فقد تكاسلت الشمس في خطوها نحو الغروب. كأنما تأبى مغادرة السماء، كأنما أرادت أن تبقى لتبث في حنايا الرمال دفئا. فكان ذلك اليوم أطول يوم في التاريخ.

 . . وفجأة اشتد القصف من جهة العدو، في محاولة يائسة لاسترداد الموقع،لكن الردع أقوى والجنود أشد ثباتا. كأنما يقذفون من صدورهم غلا. بأمر من النقيب إبراهيم، كان على مصطفى أن ينقل ثلاثة من الجرحى إلى الخطوط الخلفية. وكان على مصطفى أن يجنح بعربته بعيدا عن مرمى النيران فاستدار بها متجها إلى خلف الساتر الذي يبعد أمتارا عن موقعه. لكن شيئا ما مرق من نافذة السيارة، واستقر بمؤخرة رأسه، تحسسها بكفه فتخضبت بدماء راحت تسيل على كتفيه، أحس غثيانا لكنه تماسك. شدد قبضته على عجلة القيادة، كل همه أن يصل بالسيارة إلى منطقة آمنة. خلف ساتر رملي استقر: –الآن.. عزيزة في أمان.


 بصعوبة فتح الباب فسقط فوق الأرض، عندئذ أدرك أنها النهاية. زحف إلى مقدمة السيارة، وطبع كفه عليها، فكر أن يكتبها هذه المرة بدمائه: محروسة من العين يا عزيزة. حاول الوقوف لكنه سقط مرة أخرى، استحالت الرؤية أمام عينيه، أغمضها وسقط على وجهه. امتصت الرمال دمه فظلت دافئة برغم أن الشمس أتمت رحلتها إلى الغروب، أغمض عينيه مستسلما، فرأى نفسه واقفا أمام صنبور الماء، وزهرة عباد الشمس تنحني في اتجاه الأرض.

————————————-

هذه أول قصة كتبها الروائي والناقد سيد الوكيل.

كتبها عام 1976 أثناء نوبة حراسة في قاعدة أبي قير البحرية.ز

فازت القصة بالمركز الثاني في أول مسابقة عن أدب أكتوبر برعاية الشئون المعنوية بالقوات المسلحة. وتسلم كاتبها جائزته من الأديب يوسف السباعي الذي كان وزيرا للثقافة وقتها. نشرت لأول مرة في مجلة الكاتب، العدد 199، في عام 1977. بعد انتهاء خدمته العسكرية التي بدأها متطوعا عام 1971.

أحمد رجب شلتوت

سيد الوكيل يرصد التحولات الأنثوية في السرد العربي

  يقدّم  الناقد والمبدع الكبير “سيد الوكيل” في كتابه “سرديات نسوية: نار برومثيوس المخبوءة” (أطياف للنشر – 2026) قراءة موسّعة لمسارات النقد النسوي، وإسهامات المرأة العربية في تشكيل الخريطة الأدبية الحديثة، مفككا جذور العلاقة بين المرأة والحكاية بالعودة إلى البدايات الأسطورية، فيقول “إن الوجود هو حكاية، ويبدو أن الحب فقط هو الذي يمنحها الرغبة في البقاء”، وكأن الحكاية ذاتها كفعل ليست ممكنة إلا بوجود المعنى الذي تنتجه الأنثى.

  وتأتي قراءة الوكيل لشهرزاد باعتبارها مسيحًا جديدًا كما يصفها، لتُظهر أن المرأة تخلّص العالم عبر السرد، في هذا التصور تصبح شهرزاد نموذجًا للمرأة التي تستطيع تحويل الخوف إلى معرفة، فشهرزاد كما يرى “مسحت آلام شهريار بالحكايات”، هذه القراءة تجد صداها لاحقًا في تحليلاته للكتابة النسوية العربية الحديثة، التي يرى أنها تستعيد قدرة شهرزاد عبر الكتابة.

    يتناول الوكيل النظرية النسوية العالمية بمنهج نقدي متوازن، يصفه بقوله “إن الناقدات رأين أن النظرية النقدية تعبر عن العماء والغرور الأكاديمي الذكوري الطابع”، ولهذا يرحب بالنقد النسوي الذي يفتح للمرأة مساحات للتجريب اللغوي والجسدي، لكنه يتحفظ على التيارات التي تجعل من النظرية مرجعًا أعلى من التجربة.

   ومن أهم إنجازات الكتاب إعادة تدوين تاريخ الكتابة النسوية العربية بطريقة نقدية، فينظر إلى الريادة باعتبارها تأثيرًا نوعيًا وكميًا وليس مجرد أسبقية زمنية، ويتوقف عند عائشة التيمورية باعتبارها أوّل مَن كتبت سيرة ذاتية نسوية عربية، ويصف نصها بأنه “يرسّخ نزعة ناقدة لأساليب تربوية تفرّق بين البنات والأولاد” ثم ينتقل إلى مي زيادة، وزينب فواز، وملك حفني ناصف، ولبيبة هاشم، وعفيفة كرم، ليقدم تأريخا للكتابة النسوية العربية. وهو لا يعزل هذه الأسماء عن سياقاتها، بل يربط بينها وبين التحولات الاجتماعية والسياسية التي عاشها العالم العربي، وبذلك  يتحول النقد إلى تحليل لخطاب المرأة في لحظته التاريخية.

   كذلك، يتعامل الوكيل مع الجسد باعتباره فضاءً معرفيًّا تشتبك فيه السلطة والسياسة واللغة. ويؤكد أن أحد أهم معارك المرأة في الكتابة الحديثة هو “استعادة الجسد بوصفه الإقليم الذي يجب أن تسترده المرأة”، وينجح الوكيل هنا في الربط بين: أسطورة إنانا، أسطورة إيزيس وأوزوريس، بنيلوب وأوليسيوس، عنترة وعبلة، قيس وليلى. ويقول: “الرجل مثل أوليسيوس، تعس مغترب، باحث عن ذاته التي لا يجدها إلا بدخول جنة المرأة”.

   كذلك يعالج الوكيل أطروحات ناقدات مثل ألفت الروبي وزهرة الجلاصي حول اللغة المؤنثة وبلاغة التوصيل النسوية، ويذهب يذهب نحو رؤية أكثر تركيبًا، فاللغة ليست ذكرية أو أنثوية؛ إنها فضاء دلالي، تتحدد هويته بالسياقات التي ينتجها.  ويرى أن هذا الطرح يمثل تجاوزًا لخطاب التأنيث الصرف الذي شاع خلال موجات النسوية العربية في التسعينيات، ليفتح الباب أمام رؤية أكثر سعة تعتمد على إعادة تأويل اللغة بدلًا من البحث عن بديل جوهري لها.

   كذلك يسائل الوكيل مصطلح الأدب النسوي، مشيرًا إلى الجدل الذي صاحب استعماله داخل الأوساط العربية. ويستشهد بكاتبات أنكرن انتماءهن للمفهوم، مثل فاطمة العلي التي رأت أن الظروف الاجتماعية هي التي عطّلت كتابة المرأة، وليس كونها امرأة.

   والوكيل لا يعتبر الأدب النسوي نوعًا أدبيًا وإنما يراه اتجاها سرديا يتشكل عند تقاطع ثلاثة عوامل: الجسد بوصفه خبرة معيشة، والذات بوصفها منطقة صراع داخلي، والواقع بوصفه سلطة تقمع وتعيد تشكيل الدور الاجتماعي، هكذا يحرّر الأدب النسوي من أسر التصنيف، ويمنحه سعة دلالية تسمح بتعدد التجارب وثرائها.

   وفي القسم التطبيقي من الكتاب ينتقل سيد الوكيل من التأمل النظري إلى الواقع النصّي؛ حيث يختبر النسوية ككتابة تواجه القارئ بلغتها وتجربتها وأسئلتها. وفي هذا الجزء يبدو الكتاب أكثر حيوية، إذ يقارب النصوص النسائية العربية بوصفها حقل تجارب تتكشف داخله طرق جديدة في النظر إلى الذات والعالم والجسد.

  وهو يرى أن الكتابة النسوية ليست نمطًا واحدًا، ولا صوتًا موحدًا، بل فسيفساء واسعة تمتد من كتابة السيرة والاعتراف، إلى كتابة الجسد والذاكرة، وصولًا إلى التجريب اللغوي الذي يطمح إلى خلق مساحة تعبير لم تكن متاحة من قبل. ويرى أن كثيرًا من الكاتبات استطعن خلال العقود الأخيرة إعادة ترتيب الذائقة السردية العربية، بعدما حرّرن بطلات النصوص من موقع الديكور العاطفي ليصبحن محركًا أساسيًا للحدث والرؤية.

  فالهامش الذي كان يُكتب عنه أصبح هو الذي يكتب، والمرأة صارت هي التي تكتب الحكايات وتحدد مسارها. ويلاحظ أن أحد أبرز ملامح هذه الكتابات هو ميلها إلى النبرة الاعترافية، حيث تتحول الكتابة إلى مساحة للكشف والبوح وإعادة فهم الذات. ويشير إلى أن عددًا من النصوص يجنح إلى لغة مغلقة، تكدّس المجاز وتستبدل المعنى بالالتباس، حتى “يفقد النص رسالته ولا يصل إلى قارئه إلا بمن يملك مفتاحه الخاص”.   وفي المجمل، يقدم الجزء التطبيقي من الكتاب صورة واقعية عن كيف تُكتب النسوية فعليًا داخل النص، وكما يشير الوكيل، يظل صوتًا مهمًا في المشهد السردي العربي، لأنه يكسر صمتًا قديمًا ويفتح بابًا كان مغلقًا طويلًا.

    بهذا المعنى، يبدو الكتاب مساهمة نقدية تتجاوز حدود التصنيف إلى مساحة فكرية حرة، تمنح المرأة نارها الأولى التي أعادها برومثيوس إلى البشر، ويبقى الكتاب دعوة لإعادة بناء الحكاية من مركزها الأنثوي، بوصفها إعادة صياغة للوجود.

الحراك السردي بين القصة والرواية

بقلم: سيد الوكيل

لست أذكر الآن، عدد الذين نصحوني في بداية مشواري مع السرد: إن كنت ترغب في قراءة القصة القصيرة فعليك بإدريس، وإن كنت ترغب في قراءة الرواية فعليك بمحفوظ. أفكار كهذه، قسّمت السرد بين زعيمين. لا بأس، ولكنها ـ في الحقيقة ـ نتيجة لجهد نقدي طويل في رسم الحدود الفاصلة بين القصة والرواية. فنحن نعرف، أن النشأة الأولى، لم تكن على هذا القدر من الحسم، للفارق بين القصة والرواية. وكثير من القصص كانت تنشر تحت مسمى (رواية). ونعرف، أن بعض الكتاب كانوا ينشرون قصصهم القصيرة، ثم يحولونها إلى روايات، بما يعني أن الوعي بحدود النوع بينهما لم يكن ماثلًا في أذهانهم، حتى وهم يطلقون على ما يكتبونه قصًا. ففي مقدمة مجموعته القصصية (إحسان هانم) يقول عيسى عبيد: “وقد حذونا حذو بلزاك شيخ الروائيين الفرنسيين في مؤلفاته الموسومة بالإنسانية الممثلة.. بمعنى أننا قد نتتبع في قصصنا المقبلة حياة الأشخاص الذين صورنا صفحة من حياتهم في هذه القصص، أو نأتي على صفحة أخرى من حياتهم.” (1)

كانت القصص المحفوظية، تقدم نموذجًا لا يبالي بهذه الحدود. فبدت قصصه القصيرة، في أثرها القرائي بقوة الرواية. سواء في عالمها المركب، أو فضائها الدلالي، أو زمنها الرحب، أو لغتها المتأنية. لكن كثيراً من النقاد المولعين بالتخصص الدقيق، ورسم الحدود بين الأنواع السردية، لم ينظروا لقصصه القصيرة بتقدير مناسب، فانتهوا إلى توزيع إمارة السرد بينه وبين إدريس. فمنحوه عرش الرواية، ومنحوا إدريس عرش القصة القصيرة.

 هذا سجال لا بأس به. لكن ما يعنينا هنا، هو الترسيم الضيق لسمات القصة القصيرة، الذي انحصر في النموذج المدرسي لقصة (نظرة) ليوسف إدريس. إذ بدت قصص محفوظ في مواجهتها، وكأنها روايات ملخصة، وربما مجهضة. فبظني أن هذه اللحظة، كانت فارقة في حياة القصة القصيرة، وعكست صراعًا غير مبرر بين نوعين من السرد كأخوين من أم واحدة وأب واحد.

في بداية هذا الصراع، ازدهرت القصة القصيرة وحظيت بالرعاية المتكاملة، كتابة وقراءة ونقدًا، حتى طالعتنا مقولة (زمن الرواية) فوجدت القصة القصيرة نفسها في العراء. وتراجعت مكانتها بين النقاد والناشرين، والقراء، وفي عام (2007) حُجبت جائزة الدولة التشجيعية في القصة القصيرة وسط ذهول الكثيرين من كتاب هذا الفن المعذب. وفي سجال صحفي، اعتبره البعض إعلانًا رسميًا بوفاة القصة القصيرة، وعارضهم آخرون معبرين عن قلقهم إزاء سياسات المنح والمنع التي تديرها المؤسسات الثقافية، رافضين أن تكون القصة القصيرة فنًا في طريقه إلى الزوال، مستشهدين بعدد من االمجموعات القصصية المميزة، التي قدمت اقتراحًا سرديًا مغايرًا في شكل القصة القصيرة. كما أشاروا إلى تجارب واتجاهات فارقة في مسيرتها القصيرة، تتجاوز الأنماط الشائعة في بنية الإبداع القصصي. فعلى مستوى عالمي، كان نموذج ( ناتالي ساروت) انحرافًا مهما في مسيرة السرد القصصي، وفي مصر، انبثقت  مقولة (الكتابة عبر النوعية) برعاية متكاملة من الروائي (إدوار الخراط) فعبّرت عن تململ السرد القصصي من سلطة النوع. غير أن آليات التطوير والتجديد للفنون، لاتفرض من خارجها بأفكار مسبقة، بل عبر الاختبار والتجريب، وضرورات الانحراف التي تستدعيها الفنون نفسها. فلم يكد ذلك القرن ينتهي إلا وأصبحت فكرة عبور النوع مجرد ذكري عابرة في تاريخ القصة القصيرة، تماما كما حدث مع نموذج ناتالي ساروت. ولا يعني هذا أن مثل هذه التجارب والانحرافات، لم تكن مؤثرة، بل يعني، أنها تحولت إلى مدخلات ومعطيات، تذوب في معنى واسع ومتجاوز لكل التصنيفات والأنواع، هذا المعنى هو: السرد.

نعرف أن ظهور القصة القصيرة بمعناها الفني الذي نعرفه الآن، قد بدأ متأخرًا بعد الرواية بأكثر من قرن،  ومن ثم، يبدو ظهورها، كما لو كان ثورة على الرواية التي مازالت تتلكأ في تقاليدها القديمة،على نحو ما يقول فرانك اكونورو: يمكن أن نري في القصة القصيرة اتجاهاً عقلياً يجتذب جماهير الجماعات المغمورة علي اختلاف الأزمنة، وأن الرواية مازالت بالفكرة التقليدية عن المجتمع المتحضر، فلا نستبعد، أن ما حققته القصة القصيرة من تنوع في أساليب السرد وتقنياته أسهم في تطور الرواية.

صحيح أن واقعة حجب جائزة القصة القصيرة، وملابساتها المؤلمة، ظلت ماثلة في ذاكرة كتّاب القصة كجرح عميق، لكنها في المقابل، منحتهم مساحة أكبر من حرية التجريب، ومفارقة النماذج المألوفة، والبحث عن مسارات جديدة؛ تلك هي هوية السرد القصصي، مسيرة من التجدد والانحراف والتفرد، حتى لتبدو كل قصة قصيرة هي هوية مستقلة.

إن دافعية الانفعال العابر التي تقف وراء لحظة ميلاد قصة قصيرة، تنسحب على بناء القصة ولغتها. إنها محرومة من أسبقية التصميم، والأمد الاستراتيجي كما هو الحال في الرواية، ومن ثم، فهي في كل مرة ميلاد جيد، أو بتعبير أكثر شعرية، كل قصة قصيرة تخلق نفسها، وتعد بميلاد جديد من رحمها، يمكنه أن يكون أكثر امتدادً وأطول أمدًا على نحو ما عبر عيسى عبيد.

في اعتقادي، أن واقعة حجب جائزة القصة القصيرة، عكست أزمة الخطاب النقدي، ورغبته العنيفة في رسم أطر، ومسارات، ومحددات شكلية للسرد. إذ كان الفصل  بين القصة والرواية –منذ البداية- محيرًا ومربكًا، ولم يجد له سندًا ومعيارًا غير الحجم. لكن حتى هذا لم يكن حاسمًا أيضًا، فأصبح لدينا قصة، وقصة طويلة، وقصة قصيرة، وقصة قصيرة جدًا، وأقصوصة، وأخيرًا.. قصة الومضة.

وفي مسار آخر بعيدًا عن معيار الحجم. جاءت المتتالية القصصية لتطاول الرواية في قدرتها على نسج شبكة معقدة وواسعة من العلاقات السردية. كما جاء الكتاب القصصي ليحوي عددًا من القصص ذات الصلة، التي تقف على معنى، أو موضوع، أو تجربة، أو عالم محدد، كما نجد في (حيوانات أيامنا) عند محمد المخزنجي فظهر على استحياء مصطلح (النوفيللا)، ليعبر عن سرد كيفي،  وبيني،  منحرف عن موائمات النوع، فيقدم نفسه بخجل أمام فحولة البناء الروائي المتماسك واتجاهه نحو ما يعرف بالرواية الكعب.

المعنى .. أن القصة وجدت نفسها في مأزق يستلزم تحديد هويتها، والانطلاق بعيدًا عن التصنيفات المجحفة. وظني أن هذه الهوية الرجراجة للقصة، هو سر قدرتها على البقاء، وسر حريتها في التنقل بين الأشكال، والأنماط والنماذج السردية المختلفة، وسر طاقتها التجريبية ونزوعها لتجديد مساراتها، حتى أن محفوظ يفاجئنا في نهاية مشواره الأدبي العظيم. بأصداء السيرة الذاتية والأحلام.

وظني أن نجيب محفوظ، وبحدس يخصه وحده، لم يسقط –منذ البداية- في فخ الهويات المغلقة لأنواع السرد، التي تقضي بفرضيات شكلانية حاسمة فيم بينها.  ويبدو أن نتائج التجريب القصصي، التي تجعل من كل قصة حالة منفردة.. كانت تصب في فضاء السرد الواسع عنده. ومن ثم يمكن القول إن بعض رواياته أفادت كثيرًا من النزوعين التقني والتجريبي للقصة القصيرة.. إن عددًا لايستهان به من رواياته، كالمرايا وحديث الصباح والمساء، وأمام العرش، قد خلّقت بنيتها الخاصة، مستفيدة من بناء القصة القصيرة، ولغتها المكثفة، ورؤيتها المركزة. بل حتى الحرافيش رغم فضاءها الملحمي الواسع زمنًا والمتنوع دلالةً، لا تبتعد كثيرًا في معمارها عن المتتالية القصصية. لكن نجيب محفوظ لم يكن مشغولاً بمثل هذه التصنيفات كغيره، كان يعرف أنه يعيش في فضاء السرد فحسب.

في الواقع، ليس في نيتنا التورط في موضوع الأنواع الأدبية، بقدر ما نظن أن هذه المقدمة مدخل مناسب للوقوف على ملامح السرد عند الأستاذ نجيب محفوظ، فهو لم يلتزم بالحدود الفارقة بين القصة والرواية، ولم يكن حريصًا على تصنيف أعماله، سواء اعتبرناها قصصًا أو روايات، كما لم يكن معنيًا بلصق هذا التصنيف على أغلفة كتبه. إنه موقف رحب في رؤيته للسرد، امتد عبر تجربته الفنية شكلاً وموضوعًا، فحافظت على طبيعتها المرنة، وقدرتها على المراوغة والانحراف عن المسارات والأطر المألوفة للنوع، وتنوعت مساحات التجريب فيها.  كما أن هذه الرغبة في تجاهل التصنيف السردي على أغلفه أعماله، تترك مساحة رحبة لأفق توقعات القارئ على نحو ما ذهب ياوس.. فالقارئ هو الذي يرسم صورة لحدود ما يقرأ عبر التلقي، ويستمر في القراءة طالما ظلت النصوص في حدود ما توقعه،  حتى إذا خرجت عن صورتها التي يحددها القارئ، يدرك لحظتها فقط، أنه أمام نوع مختلف. معنى ذلك أن النوع الأدبي هو مجرد محددات سابقة على النص، أي أنها: نظرية وافتراضية، وربما غير ملزمة.

وظني أن القصة عند نجيب محفوظ ليست نوعًا مستقلًا، ولا شكلًا مميزًا، بقدر ما هي طريقة لرؤية موضوع ما. هذه الرؤية هي التي تحدد طبيعة السرد بين التكثيف والتجريد والترميز من ناحية، وبين التحليل والتقصي والوصف من ناحية أخرى. والرؤية وعي فردي لصاحبها، وليست آلية أو تقنية يمكن ضبطها، وتحديد فاعليتها وأثرها. فما المانع، أن ما نظنه عناصر مؤسسة  للقصة القصيرة تجتمع في عمل ما، لكنه يفتح عالمًا شديد الرحابة والاتساع، فالبذرة الأولى لرواية (الحارس في حقل الشوفان لسالينجر) كانت قصة قصيرة بعنوان (إني مجنون) وظلت تحتفظ بكل عناصر القصة القصيرة عندما قدمها سالينجر كراوية.. فهي ذات زمن محدود جدًا، وتنهض على حدث وحيد، وشخصية وحيدة…هناك فتي مراهق (هولدن كولفيلد) قرر أن يترك مدرسته الداخلية إلى الأبد، فخرج إلى الشارع، ولم يفكر في العودة إلى البيت. وبعد تسكع طويل في شوارع المدينة، عاد إلى البيت في اليوم التالي. الرؤية التي اشتغل عليها سالينجر، هي:  كيف يستطيع فتي مراهق أن يملأ فراغه المعنوي بمزيد من الهراء؟.. فلا جدوى من الهروب من عبث إلى عبث، ليبدو حقل الشوفان مجرد رمز لهشاشة الواقع المعيش.. هذه الرؤية أفضت إلى أن يعيش الشاب عالمًا مكتظًا بالممارسات التافهة، والوقائع الصغيرة المتشابهة التي لا تفضي إلا إلى مزيد من الملل والثرثرة الفارغة، كأنها خشخشات أعواد شوفان يحركها الهواء..

لا شيء يحرك لا شيء.. وهذا اللاشيء أصاب الشاب بالسأم حتى من كل ما أنتجته الحضارة البشرية. هذا هو الواقع الذي رغب سالينجر في نقله إلينا لتأكيد هراء المعاني الكبرى التي من قبيل التعليم والمدنية والرفاهية. وهو نتاج وعي بأزمة (هولدن كولفيلد) وتقدير لإمكانات السرد، وقدرته على تغطية الدلالة الكلية دونما ترهلات أو ملل.

يذكر أن شخصية هولدن كولفيلد، ظهرت في عدد من قصص سالينجر قبل أن يكتب روايته الوحيدة (الحارس في حقل الشوفان).. هذه المعالجات المتعددة لشخصية واحدة تقارب البحث، بحيث تصبح كل كتابة نوعًا من الحفر في طبقة من طبقات الشخصية، ومن ثم اتساع الرؤية. أي أن شخصية الحارس في حقل الشوفان، وصلت إلى هذا الوجود الحي عبر محطات وتجارب وزوايا نظر مختلفة.

مثل هذا الوعي بطبيعة التجربة الإنسانية، ومأزقها الوجودي، ومثل هذا السرد في طبيعته البحثية، بإمكاناته اللامحدودة، هو المسئول عن روح التجريب والتجديد في أعمال محفوظ .. وسنرى أن بعض شخصياته المؤثرة كشخصية الفتوة مثلاً، قد مرت بعمليات بحث شبيهة بما فعله سالينجر، قبل أن تصل إلى هذا المعنى المدهش في الحرافيش. أما على مستوى البنية، فإن وعي محفوظ (العائش في السرد) بلا حدود أو فواصل وتصنيفات، أنتج لنا بنيات سردية على غير مثال، بحيث يقف هواة التصنيف مكتوفي أيدي أمامها على نحو ما حدث مع أصداء السيرة، وأحلام فترة النقاهة. كما لا يمكننا تجاهل البنية المركبة لرواية (حديث المساء) التي تتكون من قصص قصيرة وبالغة القصر، وبترتيبها الأبجدي، تعصف بكل تقاليد الزمن الروائي، فتتيح الفرصة لخلق روابط موضوعية بين وحدات صغرى ومستقلة من السرد. كما جاءت أعمال أخرى، على التخوم بين القصة والرواية والحكاية الشعبية والملحمة على نحو ما نلاحظ في: الحرافيش، وليالي ألف ليلة وليلة، وقلب الليل. التي تبدو في بنيتها، قصة طويلة عن حياة جعفر الراوي، لكن في ثقلها الفكري والموضوعي، تتماس بقوة مع أولاد حارتنا، بعمقها الزمني المدهش، وربما تفوقها في تشابكها الدلالي.

الفارق بين القصة والرواية، عند محفوظ، لم يكن معيارًا شكليًا أو خارجًا عن التجربة السردية، بقدر ما هو مرتبط بجوهر الرؤية لها، أو بزاوية النظر التي يتناول من خلالها التجربة. فنفس التجربة، يمكن النظر إليها من زوايا مختلفة، تمامًا كما يمكن النظر لمنظور ما من عدة مساقط (جانبية أو رأسية، أو أفقية). المنظور.. هوهو، فيما تكون المحصلة القرائية لكل زاوية مختلفة..

فحكاية داود المصري في (حديث الصباح والمساء) توقفنا على الطبيعة المتناقضة في روحه، كنتيجة للمفارقة بين نشأته الشعبية الفقيرة في سوق الزلط، وتعليمه العالي بدراسة الطب. فتقلب -على حد وصف نجيب محفوظ- بين التراث والمعاصرة، وحاول الانتساب إلى الطبقات العليا، حين تزوج من سنية الوراق ابنه الثري الذي كان أبوه يعمل عنده، كأنما يسعى لتعويض نقص في طفولته، ثم عاد وتزوج من الجارية آدم، فسكن إليها حتى أنه شيد لها ضريحًا مهيبًا بعد موتها، كأنه يشيد ضريحًا لذاته التي فقدها منذ اختطفه عسكر محمد على وهو يمشي مع أخيه (عزيز) في سوق الزلط… هذه الطبيعة المتناقضة، هي التي التقطها السيناريست الكبير (محسن زايد) بوصفه قارئًا لنص قصير جدًا تحت عنوان (داود يزيد المصري) لكنه أدرك اكتنازه الواسع بالمعاني والدلالات، فالنص المكتنز يتجاوز تصنيفه، بحيث مكّن (محسن زايد) من إعادة إنتاجه دراميًا على نحو فريد قد لا نجده متاحًا في النص القصير (داود يزيد المصري) بحيث استطاع دواد المصري، أن يحوز في المسلسل التلفزيوني مساحة درامية واسعة بحجم رواية مستقلة.

 ما فعله النص أن حرك وأثرى أفق توقعات محسن زايد بوصفه قارءًا. ففي المسلسل التلفزيوني، يذهب داود باشًا ليطلب يد (هدى هانم الألوزي)، أرملة (عطا المراكيبي) ابنة الحسب والنسب والثراء. لكنها ترفضه. لقد أدركت أن رغبته فيها ليست حبًا، بقدر ما هي تعويض نفسي عن ماضية الموقوف.

 ظل داود باشا سجين زمنين مختلفين، زمن طفولة ابن فرجة بائعة السمك، وزمن الباشا..حيث أصبح داود تحت رحمته غصبًا بعد حادث الاختطاف، وإجباره على دراسة الطب؛ بدلاً من بيع السمك. ظل داود باشا موزعًا ومعذبًا بين زمنين، وواقعين. زمن قديم، وزمن جديد. واقع نفسي داخلي وواقع خارجي معيش. يعبّر محسن زايد عن هذا الصدع في شخصية داود باشا، عندما جعله يصاب في نهاية عمره، بالشلل الرعاش (باركنسون). هذه الإضافات التي لم يشر إليها محفوظ في نصه، من وحي العطاء القرائي للنص، وتعني.. أن رؤية نجيب محفوظ للشخصية عميقة، ومكتنزة.. بما يدعو القارئ أن يكون منتجًا للدلالة. فما بين السطور، أكثر ثراء وعطاءً.

 كما أن تجليات هذا التناقض، لا تظهر في حكاية داود المكتوبة في الرواية فحسب، بل تظهر أيضًا، في حكاية ابنه عبد العظيم باشا- الذي كان على خلاف مع أبيه معظم الوقت، إذ أخذ عليه زواجه من الجارية آدم ولم يغفره أبدًا. لم يكن المعيار الطبقي عند عبد العظيم قائم على امتلاك الثروة، بل كان العلم هو معيار التمايز الاجتماعي الجديد. لذلك كان يحتقر أولاد عطا المراكيبي الأثرياء فيقول عنهم: مال كثير وجهل أكثر فما المنبع؟ ..بياع مراكيب حقير بالصالحية.(3) كما أن فقر ابن عمه (عمرو افندي) لم يمنعه من التواصل معه بل ودعم أولاده.

 كان عمرو افندي على قدر من التعليم والوعي الذي مكنه من دخول الطبقة المتوسطة، فتأهل ابنائه للتعليم العالي. وقد شعر عبد العظيم باشا بالرضا عندما تقدم عامر ابن (عمرو افندي) للزواج من ابنته، فبارك الزواج رغم معارضة أسرة زوجته ابنة الحسب والنسب. الواقع، أن داود باشا وابنه، كانا يسعيان طوال الوقت إلى خلق توازنات دقيقة، تحاول ضبط شخصيتهما وتحقق ذاتيهما المؤرقة بين طبقتين متباعدتين.. كما أن هذا المعنى يجب أن يقرأ بعناية عندما نضع شخصية داود باشا، في مقابل شخصية (عطا المراكيبي) الذي كان ينتمي لنفس الطبقة الدنيا، ولكن (عطا) اختار أن يتخلص منها ويعتلي إلى طبقة أرستقراطية، لم تكلفه سوى الزواج بهدى هانم الألوزي. المعنى الأدق أن (عطا المراكيبي) أحب طبقته الجديدة وانتمى إليها انتماء كاملًا فتحقق فيها، واستقر عاطفيًا، وحظي بالثراء والحب معًا. . يقول نجيب محفوظ عن عطا المراكيبي:

” الحق أن الثروة كشفت عن مواهبه الكامنة وقوة شخصيته” (4)  بمعنى أن الثروة كانت وسيلته لتحقيق ذاته، وضبط توازنه النفسي. ومن ثم، فإن الموضوع الطبقي يأخذ عند محفوظ بعدًا نفسيًا أكثر من كونه مجرد بعد اقتصادي، وهو ما يؤكد أن النزعة الإنسانية في واقعية نجيب محفوظ، غالبة على النزعة الأيديولوجية التي وسمت الرواية الواقعية كما سعى إليها إدريس.

 صحيح كل من داود باشا وعطا المراكبي يتشابهان في تطورهما الاجتماعي والصعود من الطبقة الدنيا إلى الطبقة العليا في قفزة واحدة، لكن هذا التشابه يظل خارجيًا، بينما ظليهما شديدي الاختلاف، فالأول (داود) ضحية القدر، ولم يكن مهيئًا بعد لخوض هذه الرحلة الجبرية فعاني اغترابًا لبقية عمره، فهل يُلمح نجيب محفوظ إلى قضية شغلته في بعض من أعماله، عن الجبر والاختيار، ربما.. أما عطا المراكيبى فقد اختار رحلته بإرادته، وكان جاهزًا نفسيًا ليمشيها حتى النهاية.

والآن.. كيف نفهم رغبة داود باشا في الزواج بهدى الألوزي؟..تلك الثرية التي خاضت رحلة معاكسة لرحلة زوجها (عطا الإسكافي) حين التقيا في منتصف الطريق والعمر. وكيف نفهم رفضها الحاسم لداود باشا، وهيامها بالإسكافي؟ ولماذا سكنت روح داود باشا إلى الجارية آدم. الظل الأسود بداخله؟.

 كيف نفهم كل هذا الحراك العجيب بين الشخصيات وانتمائها الطبقي، ما لم ننتبه أن ثمة دوافع داخلية وشخصية أكثر تأثيرًا؟ بحيث لا يمكن أن يجيبنا المنظور الأيديولوجي عن هذه الأسئلة. هذه الدوافع هي التي تحركنا وتميز وجودنا الإنساني المفرد في المحيط الاجتماعي العام. تلك هي نظرة محفوظ للواقع الإنساني.

حكاية داود باشا، ثرية بجوانبها المختلفة حد التناقض، حتى أن النظر إليها من زاوية واحدة، لا يمكنه أن يضيء كل هذه الجوانب. كما أن البناء الأبجدي للرواية الذي انتهجه محفوظ في ترتيب الحكايات المنفصلة، كان يمنحنا الكثير من الإشارات عن داود باشا، عبر حكايات لآخرين، قبل أن نصل إلى حكايته وبعدها. هذه الإشارات، بمثابة علاقات تواصل بين الحكايات المختلفة، تضيء بعضها البعض، لأن الكل أكبر من مجموع أجزائه.. هكذا يتشكل البناء الروائي لحديث الصباح والمساء، عبر قصص قصيرة منفصلة متصلة. إنه بناء إشكالي يتواشج مع القصة القصيرة والمتتالية القصصية والكتاب القصصي والرواية أيضًا.

 لكن نجيب محفوظ لم يكن مشغولاً بهذه التصنيفات، كان مشغولًا بالسرد في ذاته، لدرجة أنه لم يضع على إصداراته تصنيفات مباشرة. وكأنه يترك هذا الأمر للقارئ. لهذا فإن النظر إلى نجيب محفوظ على أساس الفصل بين الأنواع المختلفة للسرد، ينطوي على قمع لتجربته الواسعة والمتعددة. أما الحرية التي تعامل بها محفوظ مع السرد، فقد مكنته من القيام بمغامرات مدهشة في تشكيلات البنى السردية لأعماله. بحيث لا يمكننا الفصل، بضمير مرتاح بين ما هو قصة، وما هو رواية. لهذا فتجربة محفوظ كلها، هي عملية عبور واسع للنوع. وفي ذلك يقول إبراهيم فتحي:النوع الأدبي عند محفوظ شكل متميز من الرؤية، أي طريقة كلية لتخيل وتصور جوانب معينة من الواقع الإنساني”(5)

بهذا المعنى، فالقصة القصيرة عند نجيب محفوظ ليست شكلاً، أو بناءًا أو تقنية، ولا موضوعًا. بقدر ما هي طريقة، رؤية، زاوية للنظر، تمكّن الكاتب من رؤية الجوانب الأكثر دقة في عالمه السردي، بغض النظر عن الحجم، والقواعد الشكلانية للنص. عندئذ لا يحتاج إلى الكثير من الكلمات، أو الأحداث، أو الأزمنة والأمكنة. فسلوك ما، أو حدث واحد في حياة الإنسان، وفي لحظة محددة، يمكنه أن يفجر الكثير من التداعيات، ويمنح النص فضًاء دلاليًا واسعًا. وسوف نرى أن رواية قصيرة جدًا لنجيب محفوظ، مثل (قلب الليل) تختزن طاقة دلالية مساوية، إن لم تكن أكبر من تلك التي نجدها في روايته (أولاد حارتنا) رغم ضخامتها. حتى يمكن القول إن (قلب الليل) هي إعادة إنتاج أكثر تكثيفًا لأولاد حارتنا، وذلك بالنظر إلى الرؤية الكلية لكل منهما، من حيث الرصد التاريخي لرحلة الوعي الإنساني وتطوره من الأسطورة إلى الدين إلى العلم.

 الذي حدث أن نجيب محفوظ وجد زاوية نظر جديدة لرؤية نفس الموضوع، مكنته من الوصول إلى الأعماق السحيقة لموضوعه. رؤية شديدة التكثيف والدقة والبلاغة، هكذا يتحقق معنى للسرد خاصًا بمحفوظ، فالسرد ليس تمثيلاً للواقع، وليس معادلاً موضوعيًا ولا محاكاة، بقدر ما هو أداة بحث ووسيلة للمعرفة.

إن إعادة النظر في حكاية ما، وإعادة إنتاجها في صيغة مختلفة، لا يعني التكرار بالضرورة، فعلينا أن نبحث عن الفروق بدلاً من البحث عن التشابهات، إنه حفر في الطبقات الأعمق لأرض الحكاية، وتحديق مستمر في فضائها. هكذا يكون السرد صيغة بحثية في الوجود، وهذا معنى أوسع كثيرًا من الوظيفة الاجتماعية التي انشغلت بها الواقعية في روافدها الاجتماعية والسياسية..

تنمو الرؤى، وتورق عبر اختبارها، وإمعان النظر فيها من جوانب مختلفة. بهذا المعنى، يمكن اعتبار حكاية الفتوة (بيومي الفوال) هى البذرة الأولى التي أورقت في ملحمة (الحرافيش). وسنرى أن شخصية الفتوة، تطورت على مهل، حتى أنتجت هذا الفضاء الملحمي المتعدد والواسع للحرافيش.

تبدو قصة (فتوة العطوف) كأنها حكاية من حكايات الحرافيش، سواء من حيث رسم أبعاد الشخصية (بيومي الفوال) وحركتها الحيوية، ومن ثم مصيرها. فضلاً عن البعد التاريخي لأدوات السلطة، وأشكالها، وأنماط الصراع بين القوى المختلفة من أجل الهيمنة. كل تلك العلامات التي يمكن أن نراها في الحرافيش.

 يخبرنا محمد جبريل في مقدمته لمجموعة (فتوة العطوف) (6) إنها من القصص الأولى التي نشرها محفوظ في دوريات مختلفة أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات، حتى جاء (محمد جبريل) ليضمها في كتاب واحد مع مختارات قصصية أخرى تحت عنوان (فتوة العطوف ـ2001 م).

يمكن اعتبار قصة (فتوة العطوف) نفسها، بمثابةالبذرة الأولى لشخصية الفتوة التي أصبحت نمطًا مميزًا في عالم نجيب محفوظ؛ سواءً في الأدب أو السينما. ربما فيما بعد أورقت (فتوة العطوف) منظومة متكاملة من حكايات الفتونة، وعالمًا واسعًا بلغ أوجه في الحرافيش في عام (1977م). ألا يذكرنا هذا بكلام عيسى عبيد عن اعتقاده أن كل قصة قصيرة، يمكن رعايتها وتنميتها بتتبع شخصياتها. وسنرى أن ليس شخصية الفتوة، بل وشخصية ضابط البوليس الذي يطارده، تنمو في قصة أخرى بعنوان (الخوف).

ينبغي الالتفات إلى أن الحرافيش، في بنائها الجزئي هي قصص، أو حكاياتمتصلة/ منفصلة، تعرض لتاريخ الفتونة، وهو جزء خطير من التاريخ الاجتماعي الحديث بوصفه نمطًا من أنماط السلطة. لكن لجوء الكاتب إلى بنية على هذا النحو من الاتساع، لا تكتفي بأن تقدم في كل حكاية تصورًا مختلفًا لشكل السلطة وطبيعتها، بل تعنى بالجوانب الإنسانية، بضعفها وجبروتها وأحلامها ونزواتها.. كل هذا نتاج النظر من زوايا متعددة لموضوع السلطة، فإذا بنا أمام صور عديدة للسلطة، ودوافع مختلفة، حتى أن السلطة لم تعد مرادفًا للقوة فحسب،  فالخوف سلطة، والشهوة سلطة، والجمال سلطة، والمال سلطة، والعقل سلطة، والقدر سلطة، والزمن سلطة، والموت هو السلطة الأعلى نحو ما نجد في حكاية (جلال صاحب الجلالة) من حكايات الحرافيش.. إلخ.

 إن الإنسان ليس محكومًا بواقعه فحسب، بل ثم دوافع غير منظورة لا قبل له بها، لكنها أكثر سطوة على الواقع نفسه، لدرجة أنها قادرة على خلق لحظات من التحول الدرامي، ليس في مسارات السرد فحسب، بل في مصائر الشخصيات أيضًا. دوافع كتلك التي ارتعش لها قلب عاشور الناجي عندما رأي( فلة) في خمارة درويش. هذه لحظة فارقة في حياة فلة أيضًا، كشفت عن إمكانات لم تكن منظورة لها، فزواجها من عاشور أبرز صلابتها وقوة شخصيتها ومواهبها الحقيقية في أن تكون زوجة وأمًا بدلاً من كونها فتاة الخمارة.

على الرغم من أهمية لحظات التحول الفارقة في شخصيات الحرافيش، تظل أكثر انشغالاً بموضوع السلطة، وفي خدمتها، بغرض إجلاء معاني كلية عن أنظمة السلطة، قوتها وضعفها، والآفات التي تفت في عضدها، وومعانتها من أدوات للقهر، والأبعاد النفسية والاجتماعية التي ينتجها الواقع. فيما الرؤية، التي اشتغل عليها محفوظ في (فتوة العطوف) ركزت على لحظة وحيدة، ولكنها فاصلة، وهي لحظة التحول لانتقال السلطة من يد الفتوة إلى ضابط البوليس. ليس بهدف التسجيل أو التوثيق لتلك اللحظة، بقدر ما كان يستهدف الكشف عن الأبعاد التراجيدية للمصائر التي ترتبت عليها.

هذه نظرة مختلفة تمامًا، بل ومركزة جدًا،عن تلك التي نخرج بها من حكايات الحرافيش بأبعادها التاريخية دينيًا واجتماعيًا وسياسيًا. لكن هذا التركيز لا يمنعنا من اعتبار بيومي الفوال رمزًا لتاريخ الفتونة كله. وهذا يفسر لنا، لماذا كان محفوظ حريصًا على سرد تاريخ بيومي الفوال، منذ بدايته الأولى ونشأته بين الفتوات، حتى امتلك السيطرة الكاملة على الحارة. ثم بدأ منحنى تطور الفتونة في الهبوط تدريجيًا وسط ملابسات عديدة، حتى ظهر ضابط الشرطة الشاب الذي كان بمثابة المسمار الأخير في نعش الفتونة. إذ تمكن من تحجيم بيومي الفوال، حتى قضى عليه تمامًا.

كيف نشعر بالأسى والتعاطف مع الفتوة الذي طالما تجبر وطغى؟

إنه البعد الإنساني الذي تحقق في معنى الواقعية عند نجيب محفوظ. . لقد ظل الإنسان في أدب محفوظ، له الحضور الأول، قبل أي معنى سياسي أو اجتماعي. فمهما كانت الشخصيات ذات بعد رمزي، لا تنجرف إلى التجريد، إذ تحتفظ بطابعها الإنساني في كل حالات ضعفة وقوته، وانتصاره وانكساره. فتبدو كما لو كانت  من لحم ودم، وليست مجرد شخصيات ورقية مكتوبة، وموجهة لخدمة معنى أو فكرة أو أيديولوجيا.

في (فتوة العطوف) تتبدى لنا تراجيديا المصائر الإنسانية في لحظات التحول، ونحن نشهد الفتونة التي سادت الدنيا وهي تترنح وتهان وتنزوي. حتى لنجد أنفسنا متعاطفين معها، وهي تعاني مأزقها الوجودي، على يد سلطة جديدة شابة. ثم تبدأ الأسئلة: فهل اندحار فتوة العطوف، جاء عبر صراع  قوي على النمط المألوف؟

 أم هو صراع أجيال؟ أم صراع أزمنة؟ يأتي في سياق تطور الحضارة البشرية، ومن ثم تطور أدوات السلطة مع بزوغ الحداثة، ورسوخ مفهوم الدولة بمقوماتها الحديثة.

 ما نعنيه، أن التكثيف، والتركيز على لحظة واحدة في تاريخ الفتونة، لم يضيق من الأفق الدلالي للنص، ولم يجعل الشخصية مجرد رمز يحيل إلى معنى يخرجها من طبيعتها الإنسانية.

في (فتوة العطوف) يتجلى البعد الإنساني في شخصية الفتوة، عندما يكشف عن ضعفه، وحيرته، وانكساره. لكن هذا لم يمنعنا من التحديق في هذه اللحظة المختارة بعناية.. لحظة التحول من نظام السلطة القائمة على الانتخاب الطبيعي، إلى السلطة الممنهجة والمسيسة،  من قوة الجسد إلى قوة القانون. هكذا يصبح للتحول دلالة مجتمعية، وتاريخية، بل حضارية واسعة، أكير من كونها قصة حياة فتوة.. ينهي محفوظ قصة (فتوة العطوف) هكذا: ” والظاهر أن الحظ الذي حالفه قديمًا، قد تخلى عنه إلى الأبد، وإنه ليعاني الآن آلام السجن، والله وحده يعلم ما هو صانع به بعد ذلك”.(7)

محفوظ لا يكتفي فقط بتأمل تاريخ الفتونة، بل يدعونا لنظرة استشرافية إلى التاريخ الجديد للسلطة الجديدة، التي ستتشكل على يد الضابط الشاب. هكذا تتسع الرؤية، في قصة قصيرة لاتتجاوز تسع صفحات. لكن الرؤية الاستشرافية المرتقبة، تورق في قصة أخرى بعنوان (الخوف) ضمن مجموعة (بيت سيء السمعة-1965م) (8). تتناول القصة تراجيديا العلاقة بين الإنسان والسلطة في صورها المختلفة: سلطة القوة، سلطة الجمال، سلطة الشباب، سلطة القانون. السلطة ليست تمثيلاً سياسيًا فحسب، بل هي تمثيل لقانون الحركة والتدافع في الوجود. يبدو أن الجمال الممثل في (نعيمة) هو الحلقة الأضعف في هرم السلطة. فجمال نعيمة يزوي وينطفئ تحت سطوة السلطات المختلفة. هنا يأخذ الجمال في تسلسل السلطات بعدًا فلسفيًا، فالجمال في كل تجلياته لا يمكنه أن يعيش تحت القهر في كل تجلياته أيضًا. ولا بأس أن هذا المعنى الفلسفي يتسع ليأخذ بعدًا سياسيًا، أو بعدًا اجتماعيًا حيث تكون المرأة (نعيمة) هي الحلقة الأضعف في سلم السلطة الاجتماعي.

الحكاية تبدأ من حارة (الفرغانة) وهي منطقة وسطى تقع بين حارتي: الحلوجي ودعبس.

الفرغانة!! هل يوحي اسم الحارة، بالخلاء الذي تبدأ وتنتهي فيه حكايات فتوات الحرافيش.. بانتصار أو انكسار؟ هل الفرغانة هي امتداد مكاني فحسب، أم نشعر فيه بعمق زمن الفتونة، وبداية التكوين السلطوي؟

 كان (جعران) هو فتوة حارة الحلوجي، وكان (الأعور) هو فتوة حارة دعبس، فيما كانت الفرغانة بلا فتوة، لهذا عانت الفرغانة وسكانها من صراعات (جعران والأعور) لفرض سيطرتهما على الفرغانة الخالية من السلطة فيما هي تنعم بالجمال البري ممثلاً في نعيمة، هكذا كانت الفرغانة مسرحًا لمعاركهم، والضحايا دائمًا هم سكان الفرغانة، حتى ظهرت (نعيمة) بائعة الكبدة، فأصبحت موضوعًا مثيرًا. نعيمة.. صبية جميلة ريانة القوام، فأثارت شهوة كل من جعران والأعور. للجمال سلطة تثير فتوة الجسد، لكن جعران والأعور يدركان أن لا سبيل إلى امتلاك الجمال بالعنف والقوة، فراحا يخطبان ودها ويتناوبان حمايتها من مشاكسات أهل الحارة، ويتوددان إلى أبيها الكفيف المغلوب على أمرة. وخلال هذه الفترة القصيرة نعمت حارة الفرغانة بالسلام ورعاية كل من جعران والأعور كرامة لعيون نعيمة، لكن هذا لم يدم طويلاً، إذ تقدم كل من: جعران والأعور بطلب الزواج من نعيمة، فوقع الأب ووقعت الحارة كلها في حيص بيص، لأن الرد بالموافقة على طلب واحد منهما، يعني رفض الآخر، الذي سوف يجعل من أهل الفرغانة هدفًا مباشرًا لغاراته.

في هذه الأثناء يظهر الضابط الشاب (مرة أخرى). وعد أهل الفرغانة أن يخلصهم من الفتوات إلى الأبد.. لكن تاريخ أهل الحارة مع الخوف، جعلهم حذرين، متوجسين، فوقفوا يشاهدون الضابط الشاب وهو يصرع الفتوات واحدًا بعد الآخر، بلا حماس، ولا انحياز لأي من الطرفين، إنه ميراث الخوف.

 سيطر الضابط ليس على الفرغانة فحسب، بل على كل الأراضي المجاورة، حتى بلغت خلاء شبرا. إنه-مرة أخرى- انتصار سلطة شابة منظمة وممنهجة، على سلطة تقليدية شاخت.فبدأ سكان الفرغانة يشعرون بالامتنان للضابط الشاب الذي خلصهم من الخوف. لكن الخوف هو قدر سكان الفرغانة. في خلاء شبرا، رأى الناس الضابط الشاب يختلي بنعيمة الجميلة. كانت قد وقعت في غرامه، كأي امرأة تبهرها القوة ويثيرها الشباب، حتى عندما اكتشفت استغلاله لجسدها، لم تتمكن من الخلاص منه. عانت نعيمة قهرًا  مضاعفًا، بين ابتزاز الضابط لها، وغمزات وملاسنات أهل الفرغانة وإهانتهم لها. هنا ينبثق معنى جديد لسلطة قديمة، سلطة القيم والتقاليد الاجتماعية التي لم يجرؤ الفتوات أنفسهم على المساس بها، بل تظاهروا بحمايتها، وعقاب كل من يتجرأ بالخروج عليها، فحتى الفتوات يعرفون أن الخروج على قيم الجماعة الشعبية، يعني الخروج من الجماعة الشعبية نفسها.. ففي رواية الحرافيش، بدأت نهاية الفتوة (حسونة السبع) عندما اخترق قوانين الجماعة الشعبية.

ومن جديد يعود الخوف لحارة الفرغانة. وقفت الحارة عاجزة عن الدفاع قيمها، وبدلًا من مواجهة الضابط، وجهت غضبها نحو نعيمة. لنقرأ هذا الوصف البديع الذي يجسد المعنى المركب لمشاعر نعيمة بالخوف:” وانتبهت نعيمة إلى الصمت الذي يطوقها والازدراء، وجعلت تتودد إلى هذا وذاك لتختبر شكوكها فارتطمت بجدار من الحنق. ولم تخش اعتداء عليها، وفتوة الفتوات قائم بمجلسه أمام النقطة ( قسم البوليس) ولكنها عانت وحدة غريبة. ورفعت رأسها في استكبار ولكن نظرة عينيها العسليتين خلت من الروح كورقة ذابلة. ولأقل احتكاك عابر كانت تنفجر غاضبة وتمسك بالتلابيب. وتسب وتلعن، وتصيح في وجه ضحيتها: أنا أشرف من أمك.

يتربع الضابط على الكرسي الخيزران يدخن النارجيلة ويمد ساقيه حتى منتصف الطريق وقد امتلأ جسمه وانتفخ كرشه وتجلت في عينيه نظرة متعالية، ولكن خمد حماسه حتى بدا أن نعيمة نفسها لم توقظ مشاعره، والذين لم ينسوا فضله رغم كل شيء تنهدوا قائلين: المكتوب مكتوب” (9)

هكذا، تتقلب القصة بين معاني مختلفة للسلطة، لتؤكد المعنى العميق للخوف الذي يحكم الإنسان وحيرته، بين آليات الترغيب والترهيب التي تستخدمها كل السلطات. وتظل الجملة الأخيرة: )المكتوب مكتوب(. تعكس عجز الإنسان وتسليمه بقدره، وتحيل في نفس الوقت، إلى معنى ميتافيزيقي للسلطة، سنراه في رواية (قلب الليل) أكثر تركيزًا.. فالتحرر من الخوف، لايكون إلا بكسر وهم السلطة بالخروج عليها،. كخروج جعفر الراوي على سلطة الجد في قلب الليل، أو خروج الحرافيش بالنبابيت، لمواجهة(حسونة السبع) ورجالة.

أما قصة الخوف، فقد اكتفت، بالنظر إلى معنى الخوف، وتأمله من زوايا عدة. نظرة مجهرية لفحص وتحليل معنى عميقًا في مسيرة الوجود الإنساني على الأرض ومرافقًا للطغيان. لننظر كيف ذبل شباب وجمال نعيمة تحت سطوة الخوف الذي يحاصرها في عيون سكان الفرغانة، وكيف للجمال أن يحيا تحت الخوف يقول محفوظ:” لم تعد نعيمة تمكث في العطفة إلا أقصر وقت ممكن ثم تسرح في الأحياء ولا تعود إلا مع الليل. ولأنها دائمًا مكفهرة ومتوثبة للشجار، فقد قست ملامحها وبردت نظرتها وطبعت بطابع الجفاف فركضت الشيخوخة نحوها بلا رحمة”.(10) ولم يكن من قبيل المصادفة أن ينهي محفوظ هذه القصة العجيبة بسطر مستقل عن الصمت كمظهر للخوف، وهو يصور الضابط في مجلس الفتوة، أمام النقطة بكرشه المنتفخ، على الكرسي الخيرزان، يدخن النارجيلة، وفي لحظات الصمت ترتفع قرقرة النارجيلة في العطفة الخابية الضوء كسلسلة من الضحكات الساخرة”.(11) وكان الخوف يضحك ويعربد بين جنبات الفرغانة.

كان من المريح، ونظرًا للطبيعة المجهرية للقصة القصيرة، أن نعزوها دائمًا إلى المعاني الجزئية من تجربة الحياة. وبهذه الطريقة، تبدو القصة صورة أولية من التعبير السردي، كائن وحيد الخلية، يقف بنا عند حدود الحوادث العابرة، والانفعال المؤقت، والانشغال اللحظي بالمشاهدات اليومية، والاشتغال الفردي الذي لا يرقى إلى مستوى الترابطات الكلية للحياة. أنها أداة لمعاينة الواقع، وفحصه، وفرزه. هكذا كانت القصة القصيرة مناسبة لتيار الواقعية الاجتماعية ونزوعها النقدي والطليعي الذي يسعى لتأكيد وجهة نظر الكاتب، بوصفها مفهومًا مضمرًا أو رمزيًا في النص.

 لقد نشأت القصة القصيرة منذ محمد تيمور معنية بانحيازها للواقع الاجتماعي، ومع الوقت، أصبحت أكثر إيغالًا، حتى أصبحت قصص إدريس نموذجًا لافتًا، بإمكاناته الفنية المميزة، وقدرته على التركيز على قضايا المجتمع بأبعادها السياسية والاقتصادية والإنسانية أيضًا. لقد أصبح الأدب في خدمة المجتمع. والكاتب منذ البداية، يوجه طاقته السردية لإبراز المعنى الاجتماعي، بأن يضع نصه في خدمة المجتمع، لهذا فبدلاً من أن يكون الواقع في خدمة الأدب، يكون الأدب في خدمة الواقع. وبدلاً من انشغالنا برؤية ذواتنا الإنسانية، انشغلنا بتصورات أيديولوجية عن مراقبة نظام العلاقات بيننا.

هذه الطبيعة الثورية للواقعية ومرادفاتها الاجتماعية، والنقدية والاشتراكية، تسامت على صورة الفرد في واقعه النفسي، وانسحاقه أمام غرائزه، ونوازعه العاطفية، فنبذت الضعف الإنساني، واستبدلت الأسئلة الوجودية للإنسان بأسئلة عن الواقع، أما أسئلة الإنسان عن ذاته فظلت تخفق في معظم أعمال نجيب محفوظ، حتى في تلك المعنية بالواقع وقضاياه الاجتماعية. وكانت تظهر -على السواء- في قصصه ورواياته.. لكن قضايا الوجود الإنساني بدت أكثر حضورًا في قصصه القصيرة، ولاسيما تلك التي تنهض على الشخصية لا الحدث. غير أن تصوراتنا التي ربطت القصة القصيرة بقضايا الواقع الاجتماعي، وقدرتها على عزل وفحص كل قضية في حد ذاتها، واستغراقها في المعاني السياسية. جعلتنا لا نلتفت إلى الجوانب الإنسانية الأبعد أثرًا في قصص نجيب محفوظ.

هذه الجوانب الإنسانية التي تناولها محفوظ في قصصه، لا تسلبها صفة الواقعية، لأن واقعنا الخارجي لا ينفصل عن واقعنا النفسي، سواء للفرد أو للجماعة. فالواقع النفسي، هو سجل الجينات البشرية بكل دوافعها المتناقضة، الغريزية والمكتسبة، الدنيا والعليا. وهذه النظرة الأكثر اتساعًا لمفهوم الواقعية عند محفوظ، أكسبتها مسحة إنسانية وفلسفية، تنأى بها عن المفهوم العام والمجرد للواقعية، إلى المفهوم الفردي المتعين. فحتى في أبعادها الرمزية، الكلية، تظل تشير إلى الإنسان بوصفه كائنًا حيًا تتنازعه متناقضات عدة، وليس مجموعة من الأفكار والمبادئ والمثل العليا.

هذه الجوانب الأكثر كثافة وتفردًا في تجربتة، تؤسس لمجموعة العلاقات والترابطات السردية، التي تدعم نزعته في التحرر من سلطة النوع،  فتكتسب نصوصه -حتى القصيرة منها- فضاءً دلاليًا أكثر رحابة،  وهو ما يطرحه إبراهيم فتحي على نحو أكثر دقة، مشيراً إلى محفوظ:” القصة القصيرة عنده، كانت تقتنص الجانب الأكثر تركيزًا، والأكثر خصوصية من تجربة الوجود الإنساني، وكان المعنى الجزئي يندمج في معنى عام، ولم يقف عند الطابع العابر للحياة”(12)

لنتوقف قليلًا عند تعبير إبراهيم فتحي “الوجود الإنساني”.. ذلك الذي يفلت الواقع من أسر المعاني العامة أو المؤدلجة. فيما يلامس وجوده بوصفه معايشة إنسانيًة، تعلو بقيمة الفرد في مواجهة المجموع، وتعني بالذات في مواجهة الموضوع. ففي القصص المحفوظية، تصبح قضية الإنسان الفرد بطلًا وحيدًا للقصة، هي قضية وجود، بخلاف رواياته التي تجسد مجتمعًا من الشخصيات، يحتاج إلى أطر سياسية واجتماعية لتنظيم العلاقة بين أفراده. وفيها يصبح الواقع موضوعًا منفصلاً عن الذات.. إنه موقف يميز بين مفهومين للواقع الاجتماعي، والإنساني. فربما اشتغاله على الفلسفة وعلم النفس، أوقفه على أن السلوك الظاهري واللحظي للإنسان، يلمح  إلى واقع داخلي أكثر غورًا وتعقيدًا، قد يصل إلى البدائي القابع فينا. وفيه يصبح الخارج هو الداخل. والموضوع هو الذات والآخر هو الأنا.

إن الخسارة التي حققناها بتجاهل النموذج القصصي المحفوظي، خضوعاً للتصورات الشائعة عن شكل القصة وتقنياتها وأساليب سردها، كانت فادحة. غير أن أول نتائجها، هو أن ثلث إنتاج محفوظ، لم يُقرأ باهتمام كاف؛ ومع ذلك فإن الخط القصصي المحفوظي وجد امتداده عند كتاب قليلين، اكتنزت قصصهم بهذه النزعة التأملية والتحليلية العميقة، لموقف الإنسان من بعض القضايا الاجتماعية الكبرى؛ ولكنها تصور –في نفس الوقت- حيرته، بين ما يؤمن به في ذاته، وما يفرضه الواقع المعيش عليه، بوصفه موضوعًا خارجًا عن سلطته.

إن هذا المعنى العام لقضية ما، يظل مرتبطًا بقيمة الوجود الإنساني ذاته لا بقيمة القضية. فكل قضية هي حالة خاصة بالنسبة لصاحبها. بما يعني أن حضور البطل الفرد في القصة، يجعل من أزمته حالة خاصة بفضل المعالجة الفنية لها، وبحيث لا يمكننا تعميم قضيته – مهما كانت قيمتها- على المجتمع البشري. هذا يعني أن الإنسان، يمكن أن يدخل في مواجهة مع مجتمعه، ومع قيم وشعارات هذا المجتمع مهما كانت نبيلة وعادلة. ربما لهذا، انشغل سعيد مهران بطل (اللص والكلاب) بالصراع مع مجتمعه بوصفة سلطة، أكثر من انشغاله بالصراع مع السلطة في شكلها السياسي. لقد تنكر له الجميع حتى ابنته، ولم يجد له مكانًا إلا في ظلام بيت (نور) الغانية.

 وفي رواية (قلب الليل) نرى جعفر الراوي، في صراع مع نفسه. أو بمعنى أدق، مع جده، بوصفة تمثيلًا قدريًا حاكمًا لوجوده. إنها قصة طويلة أو رواية قصيرة، عن حياة جعفر الراوي. مع ملاحظة أن نجيب محفوظ نفسه لم يحرص على تصنيفها. لكن البناء السردي الممسك بتلابيب الشخصية، يجعلها لا تختلف كثيرًا -في أسلوبها وشكلها- عن قصص قصيرة أخرى مثل:(فتوة العطوف) أو (أسعد الله مساءك). مع ملاحظة أن عدد صفحات راوية (قلب الليل) لا يفيض كثيرًا عن قصة (حكاية بلا بداية ولا نهاية) التي تقع في (97) صفحة. أي أننا، يمكن أن نقرأ رواية (قلب الليل) بوصفها قصة طويلة. فزمن السرد فيها، لا يتجاوز جلسة بين جعفر الراوي، وموظف الأوقاف.

 لكن الفضاء الزمني لحكاية جعفر الراوي، تبدأ مع أبيه وأمه قبل ميلاده، ليس هذا فحسب، بل سنرى لاحقًا، أنها تبدأ مع وجود آدم وحواء على سطح الأرض. لتسقط دلالتها على عموم البشر، وترمز إلى عموم الإنسان. ومع ذلك، نظل نشعر، أننا أمام قضية متفردة بطلها جعفر الراوي فقط،. بفضل الإنصات الرهيف للداخل الإنساني في نفس جعفر الرواي.

وفي هذا السياق يمكن ملاحظة، أن كثيرًا من المعاني، والرموز التي تناولها محفوظ في بعض أعماله، تجد امتدادها وتفسيرها في أعمال أخرى. أو على نحو ما يقول محمود أمين العالم  في وصفه لقصة خمارة القط الأسود: “.. أحداثًا ذات قسمات قديمة، تفريعات وتنويعات على ألحان سمعناها من قبل في رواياته وقصصه، ولكننا نحس كذلك بدبيب الرحلة الجديدة يشتد” (13)

ربما العلاقة بين الشكل والمضمون، عند نجيب محفوظ، تنهض على وحدة عضوية في العمل الواحد. لكن الطاقة الدلالية التي تنتجتها هذه العلاقة، تتجاوز حيزها السردي إلى فضاء شديد الاتساع، يسمح بتفعيل هذه الطاقة وتجددها في حيوزات جديدة. أو كما يصفها محمود أمين العالم، بالرحلة الجديدة.. وفي هذا السياق، سنجد في أحلام فترة النقاهة، إحالات إلى شخصيات وأماكن وعوالم موزعة في مجمل أعماله. على نحو ما نجد في الحلم رقم 104..حيث يقول:

” رأيتني في حي العباسية أتجول في رحاب الذكريات، وذكرت بصفة خاصة المرحومة عين فاتصلت بتليفونها ودعوتها إلى مقابلتي عند السبيل، وهناك رحبت بها بقلب مشوق، واقترحت عليها أن نقضي سهرتنا في الفيشاوي كالزمان الأول. وعندما بلغنا المقهى خف إلينا المرحوم المعلم القديم، ورحب بنا، غير أنه عتب علي المرحومة عين طول غيابها، فقالت إن الذي منعها عن الحضور هو الموت فلم يقبل هذا الاعتذار، وقال إن الموت لا يستطيع أن يفرق بين الأحبة.”(14)

الست عين هي الشخصية الرئيسة في رواية (عصر الحب- 1980م) ويقدمها محفوظ في مفتتح الرواية، فيصفها بأنها امرأةً قويةً، لا حدود لإمكانياتها. وعلى الرغم من أن الرواية قصيرة ومكثفة، أو ربما هي قصة طويلة لم يتوقف النقاد أمامها، إلا أن محفوظ استدعاها من جديد في الأحلام. ربما ليضعها في فضاء أكثر تكثيفًا واحتشادًا بالرموز. وكأنما ثمة شيء لم يشبع في الرواية أراد التركيز عليه هنا. أو كأن ذكراً عابرًا في الرواية، أراد اختباره وتأكيده بعد كل هذه السنين التي مرت على عصر الحب.

كان موت الست عين في الرواية ملتبسًا بواقعة غريبة. ففي ليلة القدر دب في جسدها العجوز الواهن نشاط مفاجئ، وراحت تغني بصوت ضعيف ولكنه مثير (يمامة حلوة.. ومنين أجيبها) ثم هتفت: إني أرى الذين ذهبوا ينادونني .. سمعًا وطاعة.. عين قادمة.(15)

 عين قادمة: كانت هذه آخر جملة في الرواية، قبل أن يعقب الراوي بالقول إن الست عين لم تمت، وإنما صعدت إلى أحبائها في السماء. هكذا تذكرنا الست عين بعاشور الناجي، ونتوقع ظهورها من جديد، لكنها تظهر في عمل آخر، مختلف، ويفارق زمن كتابة (عصر الحب) بربع قرن تقريبًا. وكأن ثمة استباق في وعي نجيب بحركة الشخصية في الزمن،  ومن ثم إمكانية تتبع صفحات جديدة من حياتها على نحو ما يقول عيسى عبيد.

فهل ذهبت عين للحياة في مكان آخر؟ وما هو؟ هل هو العالم الحلمي؟

 ومن هم الذين ينادونها؟ هل من بينهم (محفوظ) الذي استقبلها في حلمه بقلب مشوق؟ كيف يمكن فهم هذا الارتباط الوثيق في الوعي بالزمن بين عملين كتبا في زمنين متباعدين؟  هل هو استباق في الزمن؟          وكأن محفوظ وقت كتابته للرواية، يستشعر أنه سيعود للنظر إليها في نص آخر، أم هو الشوق الذي عاش في قلب محفوظ؟ فراح يخفق بشخصياته التي خلقها في روايته، ثم أسكنها جنة الأحلام، حيث الموت لايستطيع أن يفرق بين الأحبة. هكذا يبدو الحلم يوتوبيا، ونبؤة بحياة أبدية لا يموت فيها المؤلف ولا شخصياته.

 كأن الحلم، يجيب عن السؤال الذي شغل سكان الحارة عما إذا كانت الست عين ماتت أم لا. الست عين لا تعرف الحدود حقًا، يمكنها أن تقهر الموت، وتؤسس عصر الحب في مكان آخر بلا شيخوخة أو مرض، مكان حاضر أبدًا وبلا غياب. مكان يتأهب له نجيب محفوظ في شيخوخته وبحضور المعلم القديم. فمحفوظ يكتب الأحلام، . ويلتقي فيها بالمحبين الذين ينتظرونه هناك، على مقهى الفيشاوي.

على مستوى تقني، يستحضر نجيب محفوظ الراوي الشعبي ليصبح شخصية مضمرة في عصر الحب، الراوي الشعبي يكشف لنا عن البعد الأسطوري في حياة الست عين ومماتها. يستطيع الراوي الشعبي أن يحكي عن عوالم الغيب، إنه لا يخضع لقوانين الواقع، ولا لقوانين السرد ومنطقه، ولا قوانين الزمن. إنه مثل الست عين بلا حدود، لأنه صوت الزمن الهامس في الضمير الجمعي. إنه يمثل المعنى الأسطوري المفارق للواقع المعيش المنشغل بهموم الحياة اليومية، واقع قديم وغامض، موجود وسارٍ في التاريخ الإنساني كجينات يمكنها أن تتحور ولكنها لاتموت.. بهذا المعنى حصلت الست عين على أكسير الحياة، الذي فشل جلال صاحب الجلالة في الحصول عليه.. لننظر كيف يعرّف لنا محفوظ الراوي الشعبي في عصر الحب:

” لعله خلاصة أصوات مهموسة أو مرتفعة، تحركها رغبة جامحة في تخليد بعض الذكريات، يحدوها ولع بالحكمة  والموعظة وتستأسرها عواطف الفرح والأحزان،  ووجدان مأساوي دفين،  وعذوبة أحلام يعتقد أنها تحققت ذات يوم. إنه في الواقع تراث منسوج من تاريخ ملائكي ينبع صدقه من درجة حرارته وعمق اشواقه، ويتجسد بفضل خيال أمين يهفو إلى غزو الفضاء رغم تعثر قدميه فوق الأرض..” (16)

في الشاهد السابق ينبغي ألا يشغلنا جمال اللغة وتحليقها المجازي عن المعنى الإيماني الذي يمنح الإنسان اليقين بتحقيق المعجزات.. إنه غامض وغير متعين، ولكنه نسيج قوي من تاريخ ملائكي صادق، ومهما تجاهلناه يلح ويهفو ويعاود الظهور، ليصبح تمثيلاً حيويًا لأسطورة العود الأبدي، حيث لا شيء يموت. ربما نحتاج أن نلتفت أكثر إلى الثقل القدري الذي يعانيه الإنسان في واقعه المعيش، ومن ثم تأتي فكرة العود الأبدي كما وصفها نيتشه، بمثابة وعد بالخلود، تعويض نفسي للإنسان عن معاناته في الواقع. فمالا يمكن تحقيقه في الواقع، يمكن تحقيقه في الحكايات والأساطير والأحلام.. أنفاقنا السرية المؤدية للخلود، وعبر شبكة الأنفاق السرية تلك، تتواصل شخصيات نجيب محفوظ، وتتنقل من قصة إلى رواية، أو إلى قصة أخرى على نحو ما فعل في     (حديث الصباح والمساء).حيث لا سلطة لموت لا يمكنه أن يفرق بين المحبين.

إن حكاية الست عين ليست مجرد حكاية عابرة، ولكنها المعنى الأعمق للوجود الإنساني، رعب العدم، وحلم الخلود، فلابد من شيء يفسر وجودنا، لا بد من أن يأتي جودو.

تظل هذه القدرة على تذويب الحقيقي في الخيالي، والموضوعي في الذاتي، هي كلمه السر التي لا يعرفها أحد غيره. هذه الكلمة ليست شيئًا بسيطًا ومتاحًا في وصفها، كونها ملتبسة بعالم معقد من الرموز: السبيل، القبو، المقهى، الخمارة، الخلاء، العوامة، التكية، الحارة، الزقاق، البانسيون.. إلخ. لكنها ليست جامدة بحيث تصبح مداخل مباشرة لقراءة نجيب محفوظ؛ إنها عالم حي، محتشد بالأفندية والبكوات، وبنات الهوى والقوادين، والمعلمين والفتوات، والمتصوفين، والساسة والمثقفين، والعربجية. هذا الحشد الهائل من مفردات الواقع الحي، والذي نسميه عالم نجيب محفوظ، ينتج رموزه فيطفو بعضها على السطح،. ويغوص بعضها في الأعماق المبهمة،. لكنها في كل مرة تبدو خلقًا جديدًا ومستقلاً يتأهب  للرحلة الجديدة. إنه عالم لا ينضب أبدًا، بفضل حركية الدوال وتبدلاتها والإنصات الرهيف للصوت الداخلي والمميز لكل شخصية، بوصفها حالة فردية، لا تذوب في المجموع العام لمعنى الواقع.فليس كل شهود الحضرة رجال الله، ولا كل سكاري البوظة فتوات.

لننظر، كيف ترمز (خمارة القط الأسود).

 يتمكن العربجي من الاختباء في الخمارة حتى أغلقت أبوابها، كان ينوى سرقة النقود، ولكنه بدلاً من ذلك شرب كثيراً حتى الثمالة، غاب العقل وطفت الأحلام والخيالات اللعوب، وعندما اكتشفت الحكومة فعلته، هدد بحرق الخمارة، لكن.. لم يكن أحد مستعدًا لحرق الخمارة، لا الناس، ولا البوليس، ولا العربجي أيضًا. الخمارة، بيت الأحلام الصغيرة للمعذبين في الأرض، يوتوبيا مؤقته، حيث يصبح الجميع على حقيقتهم في لحظة تواصل طقسي، وحيث يمكن للعربجي أن ينادم الأفندي كتفًا بكتف. الأمر هنا لا يتعلق بالمساواة، ولا بالفضيلة أو الرزيلة، بقدر ما يتعلق برغبة الإنسان الدفينة في تغييب عقله، والتحرر من سلطة الواقع، وتعثر قدميه على الأرض. قد يبدو هذا تأويلاً مفرطًا، ولكن، في بعض أعمال محفوظ، لا يبدو العقل مقدسًا، ولا حلاً بديلاً للميتافيزيقيا، ولا ضابطًا لها كما يراه كانط، بقدر ما هو لعنة تخص البشر. فالعقل يخون صاحبه كما يقول في قصة الهذيان من مجموعة (همس الجنون).

في غيبة العقل تنبثق اللغة المنسية من قبوها المظلم. كما تنطلق الرموز من الأحلام، لتذهب بعيدًا، لأكثر مما نتوقع. والخمارة هي بيت الأحلام، حيث يمكن للغتنا المنسية أن تتكلم بحرية وطيش بدائي.

في قصة (كلمة غير مفهومة) (17) نرى المعلم (حندس) وقد امتلك الفتونة وتمكن من السيطرة على واقعه المعيش؛ لكن لا أحد يسيطر على الأحلام. في الحلم يرى حندس أن (حسونة) أحد ضحاياه، يتوعده بالانتقام وهو في قبره. حندس يستهين بالأمر. فبالعقل، كيف ينتقم الموتى؟

 لكن الحلم لا يتوقف عن مطاردته والإلحاح على وعيه. من باب الحذر، قرر حندس، أن يقتل ابن حسونة،  فهو الوحيد من عائلة حسونة الذي له حق الثأر. عرف حندس أن الشاب يسكن المقابر مع أمه، فأعد الرجال والسلاح وذهب لقتله. لكن لا أثر لمخلوق في المكان. وفجأة يتلقى حندس ضربة على رأسه، ويموت بين رجاله، ولا أحد يعرف من أين جاءته الضربة!! ربما من حسونة الميت في قبره.

 هكذا.. تبدو الأحلام حقائق غامضة، كلمة غير مفهومة، تنطلق من البدائي والسحيق الكامن فينا، لكنها تمتلك القدرة على التحقق، وتمتلك القوة، لتمد ظلالها من الخيال إلى الواقع.

للأحلام حضور قوي في قصص وروايات نجيب محفوظ، ولكنها في (أحلام فترة النقاهة) تنفرد بالبطولة، فتثير سؤال النوع الأدبي عند نجيب محفوظ. في أحلام فترة النقاهة، لسنا –بالتأكيد- أمام أحلام يستعيدها شيخ على أعتاب التعسين من العمر ليكتبها لنا كما حلم بها؛ وكذلك لسنا أمام قصص قصيرة تخضع للمعايير الفنية لكتابة القصة، ولكننا بالتأكيد أمام كتابة فنية بالغة التكثيف والدلالة تستفيد من آليات إخراج الحلم، فتغوص في أعماق اللاوعي، وترقى بذاتها إلى مستوى نوع فني مستقل، بحيث يمكن للأجيال اللاحقة أن يكتبوا في رحابها.

وفي تقديري أن محفوظ وثق معادلته السردية في هذه النصوص. هذه المعادلة التي تتلخص في تجسيد الأفكار المجردة، والأخيولات المبهمة، بحيث تتشكل عبر وقائع وأحداث وشخصيات. ويضعها التجسيد في المعنى الحكائي لتذوب فيه، وتصبح جزءًا منه، بحيث لا يمكننا إدراك المعنى العميق للفكرة بدون الحكاية. فالحكاية هكذا ليست مجرد طريقة لإبراز الفكرة وجلوها، بل هي جسد الفكرة وشكلها الذي لا يمكن إدراكها بدونه. لكن أحلام فترة النقاهة، شقت طريقًا معاكسًا، لأن آليات إنتاج الحلم، لا تحاكي الواقع، ولا تجسده، بل على العكس، إنها رمزية بالأساس وتنزع إلى التجريد والتغريب؛ لهذا فكثير من الشخصيات والوقائع التي جسدها في قصصه ورواياته، يستطيع أن يجردها، ويضعها على نحو رمزي في أحلام فترة النقاهة.

هكذا توفر الأحلام رؤية مختلفة للواقع. إن نزوع التجريب عند نجيب محفوظ حاضر بقوة، فالرجل لم يتوقف بحثًا عن زوايا جديدة للنظر إلى عالمه السردي. فتبدو (قلب الليل) قصةً طويلةً، وحديث الصباح والمساء متتالية قصصية، كما تبدو(أصداء السيرة الذاتية) ليست من نوع السير الذاتية، بقدر ما هي تأملات سردية في معاني مثل: الثورة، الموت، الشيخوخة، النسيان، السعادة، الطرب، العدل، التحدي، الوحدة، الحياة. الفتنة.. إلخ. بعضها يبدو مترعًا بالشجن أو مثقلاً بالحكمة، أو صادحًا بالسخرية، حتى ليبدو نص (الطاهر) مزحة، أو واحدة من القفشات  الجامحة  للسيد أحمد عبد الجواد.

 الأصداء نص مفتوح كلما أمسكت بشكل له أفلت من يدك، ليمنحك شكلاً جديدًا. كما أن (أحلام فترة النقاهة) تضعنا في مواجهة وعي جمالي مميز، يرقى بآلياته، وأساليبه، وتقنياته ولغته  إلى أن يكون رافدًا سرديًا مستقلًا، بل ومتفردًا في طبيعته عن القصة القصيرة. إن الأحلام والأصداء تبدوان مقترحين جديدين في السرد، يتجاوزان السيرة والقصة والرواية معًا. فبأي حق نتكلم عن الأنواع، والأطر الشكلية، في مثل هذا الفضاء السردي الفسيح. لنجيب محفوظ وعي متفرد بالنوع الأدبي، أُنتج على مهل، اتخذ سمتا تجريبيًا وتطبيقيًا فذاب في مجمل أعماله، ثم انتهى إلينا بإضافات حقيقية، تقنية وأسلوبية. توسع مفهوم السرد شكلاً ومضمونًا...

غلاب ..قصة: هاجر مصطفى

أتراك تعلم أنني أكتب لك بتوقيتها؟

وحده صوتها يردني إليك… يرسمك أمام عيني، فلا أستطيع جمح قلبي المهشم بفعلها.

استمر في القراءة غلاب ..قصة: هاجر مصطفى

عدوى الرجولة ..قصة: علي مقلد

ضحَّيْتُ بصوتِ مطربي المفضل وشريطِ كاسيت «حبيبي يا ملك قلبي» الذي كنتُ أدّخرُ لشرائه قرشاً فوق قرش. تنازلتُ عن حلمِ امتلاكِ الشريط بصوته النقي، واشتريتُ بكامل العشرة جنيهات كتابَه الأول، ذلك الذي جمع فيه مقالاته الصاخبة.

استمر في القراءة عدوى الرجولة ..قصة: علي مقلد

التطلع إلى العدالة من خلال الأساطير الشعبية ..قراءة في ” جمهورية عمعم لبيتر ماهر

عبير سليمان

لا أبالغ إن قلت أن هذه القصص تتشكل موضوعاتها من ثلاثة عناصر رئيسية، أولها الأساطير الشعبية،وتوظيفها للتعبير عن تطلع الإنسان المقهور نحو العدالة، وتحقيق قيمة الحرية والحق والخير على الأرض، كما تتناول مشاعر الاغتراب والغضب من واقع ضاغط والهروب منه إما بالحلم أو بالسخرية والتهكم، أو التخلص من الحياة بالانتحار،والعنصر الثالث هو اللجوء لتصوير الحيوانات (القطط- التماسيح- الثعابين)، وأضاف إليها الرموز التي تحفل بها الحضارة المصرية القديمة، وجعلها شريكة للإنسان في هذا العالم المحفوف دائماً بالأخطار والوساوس القهرية والمخاوف التي تحاصر الإنسان في زمننا الحالي، وتحول حياته لسلسلة من المواقف الحياتية الغريبة، واتي تفوق في غرابتها الدراما والخيال.

استمر في القراءة التطلع إلى العدالة من خلال الأساطير الشعبية ..قراءة في ” جمهورية عمعم لبيتر ماهر

قراءة في «أيام هنــد»

مـوت الأسطورة وانكشاف المواجهــة

(1)

تقدم هذه النصوص لسيد الوكيل رؤية مغايرة لطبيعة القـص التقليدي، حيث لا نجـد القـص تعبيرا عن رؤى ذاتية تبحث عن المغزى والدلالة من خلال الحكي، وانما هي نصوص أشبه بالمرايا المتجاورة (مع الاعتذار لألتوسير وجابر عصفور)… التي تعكس الرؤية الكلية العـالم ، فالذات ليست سجينة أسرهـا الخـاص ، وأنما هي متفتحة على العـالم تقدم لنـا ما تراه من شخوص وعلاقـات وتفاصيل صغيرة في حياة البشر ، هذه الشخوص والعلاقات والتفاصيل تجسد رؤيـة أحـد أبنـاء جيـل الثمانينات للعالم المحيط به ، وكيف أنـه أصبح يعي أن الذات المبدعة هي حواس متفتحة ، تكتشف ، وتعكس جدلية الوعي والتـاريخ ، الذات والعـالم ، متخلصا من كل ما يعوق أي نص من اسهاب وتداخلات ، وانمـا يقدم نصوصا مكثفة ، تشبه الجسد الحي الذي لا نستطيع أن نقتطع منه جزءا ، وانمـا وحـدة عضوية بين أجزائه المختلفة ، ولذلك جاءت النصوص قصيرة غاية القصر ورغم قصرها فهي غنية برؤاهـا التي يقدمها من خلال لغـةتشف ، ولا تحضر حضورا مستقلا . أما أنهـا تشبه المرايا المتجاورة ، فهذه النصوص لها سمات عديدة منهـا أن هذه النصوص باتساع الموضوعات والشخصيات التي تتناولها لا تزعم أن أي منهـا يملك الحقيقة على نحو ما ، ولكن تجاور كل الشخصيات والعلاقات والتفاصيل تساهم في تقديم رؤيه سيد الوكيل على نحو ما عبر عنـه ألتوسير حين بين أن الحقيقة هي عبارة عن مرايا متكسرة ، وتقـوم الذات الفاعلة أو المبدعة بجمع شظايا الزجاج بجانب بعضها البعض ، هذا الجمع والترتيب يعكس رؤية الذات المبدعة الحقيقة ، وكل منا يرتب مراياه وفق ما يرى وما يدرك وما تنفتح عليه حواسـه ولذلك فان هذه النصوص لا تعتمد على المفارقة ، أو المغزى كبنـاء تشكيلي للنصوص وانما يقدم العالم كما يراه ، وفي تجـاور النصوص كما في تجاور المرايا ، نستطيع أن نقرأ ونرى رؤيـة لهذا القصد الابداعي ، على النحو الذي يفهمـه سيد الوكيل.

وتنقسم المجموعة القصصية الى ثلاث أقسام رئيسية:

أولـهـا: يقدم فيه المكاتب وجوهـا أضفى عليهـا الطـابع المقدس، نتيجة للـود الحميـم التي قـدم بـهـا الكاتبشخوصه، فجعل من هذه الشخصيات الهامشية في المجتمع المصري، نتيجة للعته الذي تعاني منه على المستوى العقلي والاجتماعي أو اللغوي، هي شخصيات تتمتع بالفردية الجميلة، ولهـا هـذا الحضـور الأخـاذ في وجدان الثقافة المصرية مثل:حنجل،ومنسى، وفـواز مطاوع ودانيال،وترزاکي،وزينهم، وهـدى كمال وولد وحنـان.

 ولم يقدم سيد الوكيل هذه الشخصيات كمرايانجيب محفوظ، حين تكتب الشخصية عن نفسها حين تنظر لنفسها في المرآة، فتكتب على النحو الذي تدرك بـه ذاتهـا، وتتصـور بـه نفسها، وانما يقدمهـا بشكل مختلف، لأنه يكتبها من خلال ضمير الغائب ولا يلجأ الى المونولوج الداخلي وتيار الشعور الا نادرا، لأنه يقصـد أن المرايا التي يقدمها ليست مرايا ذاتية، وانما قطع من المرايا المتناثرة المتكسرة التي تكشف عن ملامح الواقع.

 والقسم الثاني: يقدم فيه الكاتب العلاقات التي تنشأ بين قطع المرايا المتضادة والمتعاكسة، نصور لحظـات الوميض الخاطفة من خلال تشكيل بعدي. العلاقة بین الشخصيات والمكان، وبين بعضها البعض، ولذلك كان القسم الأول ضروريا لتقديم الكيانات الانسانية، التي يملأها الكتاب بالحب نحوها، ويجعلنا نقوم بعملية التحويل الدلالي لهم بإضفاء الطابع المقدس عليهم، حتى يصل الى حد الأسطورة.

والقسم الثالث: يقدم فيه الكاتب الاشتباك في علاقـة النـفي / السلب بين الشخصيات بعضها البعض. وبين الشخصيات وواقعها، وكأنه جدل للنفي نمى الهزيمة داخـل الأنـا بمزيد من الفعل المتشابك مع الواقع،والآخـر، ومزيد من المعرفة لإمكانات الأنـا خلال جـدل الفعـل العميق حسين تتولد الحياة،وتقتضي الخروج من محارة الذات وتقليب النـار.

والأقسام الثلاثة ليست منفصلة عن بعضها، وانما هي متداخلة في صميم تجربة الكاتب، ولكنه اجراء تصـوري لتقديم رؤى الكاتب لأن النقـد هـو اعادة ترتيب هذه النصوص على نحو يساعد في تقـديم رؤى الكاتب، فملامح الشخصيات متداخلة في القسم الثاني، والتفاصيل الصغيرة موجودة في الأقسام الثلاثة، وبنية التشكيل اللغوي الذي يعتمد علىزمن الفعل المضارع هو سمة مشتركة في معظم نصـوص الكتاب ، كذلك استخدام ضمير الغائب والمتكلم يتراوحان في ايقاع جـدلي بين النصوص بحيث يكشف عن حضور الآخـر في الأنـا ( ضمير الغائب ) ، وحضور الأنـا في الآخر ، فالانا تفهم وتقرأ ملامحها من خلال الآخر ، وتكشف عن نفسها في العلاقة التي تفضي بأدق التفاصيل ، والموت بمستوياته المختلفة ، الموت المعنوي والجسدي ، وموت الرغبة واجهاض الحلم ، والموت والماضي همـا قاسم مشترك في مجمـل النصوص ، ولا يمكن فهم موضوع الموت الا من خـلال ارتباطه بالمقـدس ، وارتباطهببنيـة الزمـان في مجمـل النصوص

(۲)

في القسم الأول من الكتاب يرتبط المـوت بالمقـدس، فنجد أن معظم الشخصيات التي قدمها الكاتب في هذا الجـزء تنتهيبالموت، والكاتب يهتم بالموت كأحد وجوه الحيـاة، وليس وجهـا مقـابلا لها، ففي قصة حنجـل، الذي يقـوم بلحـد المـوتى، وأصبح لـه وجـود في حياة الناس، ورغم أنـه يبـدو لهـم هامشيا، الا أنهم يشعرون بوجوده الضروري حين يموت، فيأتي لحـاد آخر، ليحل محله في الدور الذي كان يقـوم بـه، ولكن الفرق، أن حنجـل كان يعرف. سر الموت، وخلق ألفه مع ملائكة الموت، وقد أضفى الكاتب على حنجـل طابعـا أسطوريا، يقترب من حـد التقديس، رغم أنهم كانوا يخافونه، لأنـه كـان يجسد الموت على نحو حسي لديهـمواذا كان حنجـل قـد مـات في القصة الأولى ، فـان منسي الذي يجمـع أعشاش الطيور التي تسقط من الجميزة ، يختفى ، وكأنه دلالـة أخـرى على الموت بمعنى الغياب ، أما الموت في قصة فواز ، فكان الموت يبدو في صـورة التحول بمعنى غياب صورة الشخص وأن يحل محلهـا صورة أخرى ، فالراوي ـ في هذه القصة يبحث عن فـوار الذي كان يلاقيه في الجيش بعد سنوات طويلة – فلم يعد فواز الذي يحتفظ بملامحه في ذاكرته ، وانما وجد انسانا في صورة أخرى ، وهـذه القصة بالإضافة الى قصص أخرى ، تكشف عن الملمح الرومانسي في رؤية سيد الوكيـل للعالم ، فهو يريد أن يقرأ العالم ، ليس كما يبدو للحـواس ، ولكن كما يريده هو في أعماق ذاكرته .( ويمكن هنا أن أقدم استطرادا غير نقدي عن شخصية سيد الوكيل الانسانية كما عايشته ، فهو شخصية تقترب من الفردية الجميلة كما صورها شیلر ، حين صور أن الشاعر الحق هو الذي يعيش بعاطفته ، فرغم ما عاناه سيد الوكيل في حياته من إحباطات ومعاناه ، وإصرار على العلم ، والتطوع في الجيش والخروج منه ، واستكمال تعليمه وحرص على تعلم الفنـون لاسيما المسرح ، بشكل منظم ، إلا أن الألم الذي يخفيه لم ينـل من العاطفة الجياشة التي تمتلئ بها روحه الجميلة ، والحب العارم الذي يكنه العالم ، وهذه القصة تبين ان قصص سيد الوكيل ، وتفجرها بالحياة والعالم هي وجه آخر مقابل لرومانسية سيد الوكيل ، التي تسعى لتحقيق الحلم ، ان المـوت الذي يطل بوجهه في ظل قصة من قصصه ، يبين على نحو ما ، كيف تسيطر الرؤية الواقعية الجدلية على أعماله ، على أساس أن الموت هو جزء من الحياة وليس مقـابلالها ، وكأنه في قصصه يقدم الوجه الآخر الذي تعجـز طبيعته الشخصية عن تقديمـه ،وكأن موهبته القصصية تقدم لناما يعجز هو عن تقديمه من خلال معايشتنا الانسانية له،  واعتذر عن الاستطراد غير النقدي ، والذي يضع شخصية الكاتب في مقابل متضاد مع أعماله القصصية . فالمفروض ألا نعود الى الكاتب لكي نفهم أعمـاله).

أما في قصة (ترزاكي) فنلتقى بصورة أخرى للموت. بمعنى العدوان على الآخر، لكي تستمر حيـاة الأنـا، فالقصة ترصد قتل ترزاكي للمرأة الانجليزية التي لا تعرف لنهمها حدا، في خط متواز مع موت العمارة الجميلة في القبـح السائد للغابة من الأسمنت التي نعيش فيهـا، شخصية ترزاكي تنبع أهميتها لدى الراوي، من كونه يسكن أجمل بيت في باب الخلق، وحين يراه، ويرى علامات الموت تزحف على البيت، مثلما يرى الموت يزحف على صاحبه، الذي مات منذ زمن طويل، ويبحث عن الموت الفيزيقي.

وقصة (زينهم) وقصة (فتح النوافذ) هما … بالإضافة الى قصص أخـرى في المجموعة ـ تعبر عن ملمح هام من ملامح الكاتب الأساسية ، وهي شغفه بتصوير تفجـر الحيـاة وتفتح الحواس الرغبة ، وهو حين ينقـل تفتح الحيـاة ينقلهـا باهتمام وشغف وود حميم ، مثلما هو شغوف بالموت ، وان كانت مساحة الموت تمثل رقعة أكبر في رؤيته العامة من المساحة التي تحتلها القصص التي تولع بتفتح الحياة ، ولا يقتصر تفتح الحياة على الانسـان فقط ، وانما يمتد الى الحيوان ، الذي يبدو وكأنه أنسانا آخر ، أو يضفى عليه الكاتب طابعا انسانيا ، هـذا ما نجدهفي قصة (زينهـم) ، فالقصة تدور حول بداية يوم جديد لزينهم وحصانه ، ويقدم طقوس الصباح لدى كل منهم، وتصحو حواس زينهم ، ويبدأ يومه الحقيقي حين يرى لواحـظ وجسمها الرجـراج. وفي قصة (ولد) يصور نهاية اليوم بنفس الشغف الذي يصـور بـه تفتح الحيـاة في الصباح، حين يأتي الرجل من الخارج، وتشتكي الزوجة من الولد، وتعد العشاء فتختلط رائحة الجوافة مع الشاي مع الطبيخ المغـلي.

ويلجـا القـاص الى الصورة الشعرية ليعبر بها عن احتفائه بالحيـاة، فيقول في قصة «وجـه حنان المحترق» “من فوق الشوارع والبيوت، بصت الشمس بعينيها، بصة امرأة لا تخـاف ولا تختشي، وفردت جسمها المفضوح بلا حياء، انتشى الشارع كعادته بحركة الخلائق»

(۳)

في القسم الثاني من المجموعة القصصية،نلتقي بقصص تكشف عن العلاقة بين الشخصية الرئيسية وغيره من الموضوعات، وهـذا القسـم فـيـه مسحة من التاريخ الشخصي للطفولة،وأعتاب المراهقة كما في قصة “فتح النوافذ”، وفي قصته الجميلة “أيام هنـد”، التي أطلق اسمها على المجموعة، يضفي الكاتب على ذكريات الطفولة طابعا أسطوريا، فنشعر معه بالأشياء والأماكن والازمنة على نحو يجعلها مجللة بالدهشة والود، ولكن في قصة دائرة الصبار يطـل المـوت من جديد بوصفه موضوعا يحتويالوجـود، ولكن العصافيرتؤكد أن الموت يصلح أن يكون موضوعا للحياة ، فالرجل الذي يحضر مراسم الدفن ، تتعلق عيناه بالعصافير ، التي تسعى للحياة . أما قصة نظرية الاحتمالات فهي تكشف الطبيعة العقلية التي يفكر بها الرجـل الكهـل حين تموت الأسطورة، تنكشف المواجهة بينه وبين المواقع من خلال استخدام نظرية الاحتمالات في امكانية الحمـل، ولكنه لا يلبث الكاتب الذي يحتفي بالأسطورة واضفاء الطابع المقدس على الشخصيات والزمان والمكان أن يتراجع عن نظرية الاحتمالات ليقدم لنا في قصة «احتفال»فانتازيا. فالرجل الذي تدعـوه المرأة للاحتفال بعيد ميلاده ، يكتشف أنه لا يعرف يوم مولده ، فيبدأ رحلة البحث في الملفات القديمة عن تاريخ ميلاده ، والبحث أيضا عن اسمه الصحيح كمـا هـو مدون في شهادة الميلاد ، بعد أن ضاعت منه ملامحه ، وأسمه ، وتاريخ ميلاده في زحمة الحياة الحديثة التي تبتلع كل شيء ، ويموت فيها الانسان معنويا ، ويفقد كل شيء حتى أسمه وتاريخه الخاص ، ولذلك حين أراد أن يستريح على مقهى ، أدرك أنه ليس وحده الذي نسى اسمه وتاريخ ميلاده ، وأنمـا كثيرون ممن فقدوا أسطورة الطفولة ، ففقدوا معهـا كل تمايز وخصوصية ، ويصير المرء عاريا من تاريخه الخـاص وتنكشف مواجهته مع الواقـع وهو أعـزل ، لا يملك أي سلاح يواجـه بـه ذاته وواقعه فيعود من جديد إلى جذوره القديمة في القرية ، باستغراب ويحمل معه احساس المدينة القلق المغترب عن بلدته التي أنبتته، فيبحث عن نفسه ، وعن اسمه في الآخرين الذين يعرفونه ، فيذهب الى القابلة ، فيجدها ماتت ، مثلما ماتت ذكرياته ، وحين يعود الى زوجته ، لا تعرفه ، لأنه أصبح لا ينتمى للماضي أو الحاضر وانما هو ضائع بينهما ، وهـو مشغولبهذا الغياب التام الذي أصابه ، فيلجأ الى لعبة « في انتظـار جـودو »، لعله يحضر ماضيه، أو حاضره، و الكاتب يصور هذا في صـورة فانتازيا محكمة.

أما في قصة «كارتون» ففيهـا يكشف سيد الوكيل عن «موتالأسطورة» أسطورة ذكريات الطفولة، لتحـل

محلهـا ـ لدى الطفل المعاصر ـ أسطورة التليفزيون، فاذا كان الطفل كمـا في القسم الأول وفي أيام هنـد

يتذكـر الأب والأم، وبنت الجيران، وطقوس شهر رمضان، فإن التليفزيون يخلق أسطورة غير حيه من شخصيات الكارتون التي تتحرك على الشاشة، دون فاعلية من الطفل، والقصة تكشف عن انتقـاد الطفل في عالمنا المعاصر للعلاقة الحية، التي تتشكل من خلالها شخصيته ليحل محلها شخصيات خرافية، ليس لهـا هـذا الحضور الحي، فيتعلم الطفل «الفرجـة» دون المشاركة، وأصبح الآباء يفتحون التليفزيون للأبناء.

لكي يتخلصوا من إلحاحهم، وهم بذلك يدمرونهم عن طريق الأسطورة الجديدة التي يقدمها التليفزيون، وهذا يجسد موت الأسطورة القديمة، وحل محلهـا أسطورة جديدة صـماء تتحرك بأضواء مبهرة على شاشة صغيرة، فمساحة العالم والأسطورة أصبحت محـدودة، بعدما كانت ممتدة مساحة البيت كله والسطح والشـارع والمدرسة والنهر، والأسطورة المعاصرة تفقد الانسان المعاصر القـدرة على الحلم الممكن، ويصبح الانسان يحلم أحلاما كابوسية مستحيلة. تقضى على البقية الباقية من انسانيته لأن الأحـلام الجديدة المستمدة من أسطورة التليفزيون هي أحـلام من البلاستيك وليست أحلاما حية تتشكل مع تنامي الجسد والوعي والحلم أيضــا …

ففي «أيام هند» يبدو الطفل شغوفا بشريط المصور الدوار في صندوق الدنيا، ويحلم أن يكون له صندوقه الخاص الذي يصنعه بنفسه، ويشارك فيه هند، ولكن هذا الحلم أصبح مستحيلا أمام صندوق من نوع آخر “التليفزيون” في قصة كارتون، وحين يصبح الحلم مستحيلا فـان المشاركة تنعدم ويصبح الفرد عرضة للاستلاب خلال آلات صلبة وباردة.

(4)

ان ترتيب القصص في هذه المجموعة يجعلها تبدو كأنها رواية تكشف عن تطور الحلم من الطفولة حتى الكهولة، وهي تقدم في صورة تقابل بين القرية والمدينة ، بين الهروب الى الفجـر على أطراف المدينة ، وبين السجن في المدينة ، لأن القسم الثالث ، يقدم لحظات مكثفة وجـد قصيرة ، تكشف عن التفتت والتمزق الذي أصاب الانسان في حياته المعاصرة ، ورغم دقـة ورهافة اللحظات الحميمة التي يقدمها الكاتب في قسمه الثالث ، الا أنها تبقى مفعمة بالقلق والتوتر وعدم التواصل ، وتشعر الشخصيات ببـرد الوحدة المعنوي ، وانفصالها عن الآخرين ، ويتقلص دور الذات المشاركة في الفعل ، الى الذات التي ترقب ما يحدث في العالم من وراء الزجاج ، لتؤكد انفصالها عن العالم الواقعي .

فقصص القسم الثالث هي وصف كحركة الفعل لدى الآخرين، وحين يهم بالعبور الى العالم من جديديكتشف أنه يحتاج الى عون كبير من الآخـر، لكي يعبر المسـافة – التي صنعتها الأسطورة الجديدة، وماتت مع مـوت الأسطورة القديمة ـ التي بينه وبين العـالم والآخرين ومواجهة الأسطورة الجديدة تعني تقليب النـار، والاكتـواء بنارها الحارقة، وذلك يكـون بخلق أفق جديد للحياة، والخروج من صـورة الحيـاة التي يلح المجتمـع على غرسها فينـا.

هذه المجموعة القصصية هي عمل أبداعيموهـوب. يكشف عن تطور الوعي بالأسطورة التي تعيش داخلنـا، وكيف تموت هذه الأسطورة بفعل التليفزيون، وموت الاسطورة معناه انكشاف المواجهـة بين الانسـان والعالم، دون أن يتسلح بأي قيمة في مواجهتها. وهي مجموعة ذات طابع خاص، تؤكد وجـود كـاتب جيد لم تلتفت اليه الحيـاة الأدبية

د. رمضان بسطاوسي محمد

بستان فى صدر بهاء

فى هذه الأيام يتجدد موضوع العلاقة بين الشرق والغرب بشئ من الهوس ، حتى ليصبح ( الطبق المفضل ) على موائد المؤتمرات الثقافية ، عندئذ تستحضر الذاكرة الأدبية فيض الأعمال الروائية التى تناولت هذه العلاقة فى مستوياتها المختلفة ، بدءاً من ( عصفور من الشرق ) مروراً بـ ( قنديل أم هاشم ، موسم الهجرة إلى الشمال ) وانتهاء بصقار ” سمير غريب ” على استحياء .

لكن عملاً قصصياً واحداً يسطع فى الذاكرة بكثير من العمق والحيرة ، فضلاً ، عن الحفيف الشعرى الساحر الذى يغلفه ، حتى ليخفت الموضوع ذاته ، ويشف أمام الحراك الجمالى الخاص للذات الساردة ، وهى ترصد حالات القلق الروحى لكل شخصيات هذه القصة الفاتنة لكاتب كبير ومؤثر .. هو بهاء طاهر، و( بالأمس حلمت بك ) .

جرت العادة أن تتحول العلاقة بين الشرق والغرب إلى معادل لمعنى ( الأنا ـ الآخر) ، فالشرق شرق ، والغرب غرب ، وهكذا نحن نركز على طرفى العلاقة لا العلاقة نفسها ، ومن ثم لاغرابة أن تنحاز الذات الساردة فى ( موسم الهجرة إلى الشمال) إلى الأنا ، أو تفتتن بالفارق الحضارى للآخر فى عصفور من الشرق ، أو تقف حائرة مرتبكة بينهما فى قنديل أم هاشم.. الخ .

وهكذا.. فالأمر يؤخذ ـ دائماً ـ فى إطار موقف مسبق قوامه الفكرى تلك الخواص المكونة لكل من طرفى العلاقة ، ومن ثم ، فمنتوج العلاقة محتوم بطبيعة هذه الخواص ، والانتصار عادة للأنا ، نزوعاً لمركزية اللوجوس ، حيث تقوم الأنا بمعزل عن الآخر تماماً كما تنعزل  الذات  عن الموضوع.

          لكن ( لاكان ) أكد على وجود نقطة لالتقاء الذات بالموضوع وهى التخييل ، وتلك هى الآلية التى يعمل بها كل من الحلم والأدب ، فيها تندغم الذات بالموضوع والأنا بالآخر، وهكذا وجدت  ( آن مارى ) ـ بطلة بالأمس حلمت بك ـ نفسها فى علاقة ملتبسة مع ( الراوى ) .

 وليس من قبيل المصادفة أن تبدأ هذه العلاقة من الحلم ، أو الواقع السرى لنا ، حيث يفقد ( اللوجوس ) ، مركزيته ، ويتهاوى البناء ( الأنوى )  ، وهكذا يكون الحلم هو نقطة انطلاق النص أساسا وعنوانه المعلن ( بالأمس حلمت بك ) .

 ولعل مشهد استسلام ( آن مارى ) للراوى هو المعادل الفنى للحظة انهيار مركزية الأنا ، وهى لحظة لا تخلو من اللبس وسوء الفهم والخوف ..

(( ولكنها فجأة ، وبحركة سريعة جداً ، وهى ماتزال راكعة أمامى خلعت بلوزتها الصوفية ، وخلعت حمالة صدرها ، ودفعت نفسها فى صدرى ، وهى تحيطنى بذراعين متشنجتين وقالت .. هيا ، إن كان هذا هو ما تريد.. فيها ، ها هو السرير )) .

لنتذكر الآن ، أن نقطة التقاء مصطفى السعيد بطل موسم الهجرة إلى الشمال مع الغرب ، دارت أساساً فى سياق جنسى ، وكأن الذات الساردة تؤكد على التصور الفولكلورى لفحولة الشرق ، مصطفى السعيد هكذا يعبر عن أنا جمعية.

 الفعل الجنسى هو أقرب الأفعال الواقعية إلى التخييل ، والحلم ، إنها لحظة دائماً لصيقة بالهو البدائى ، حيث تهتز مركزية (اللوجوس) على نحو عنيف ، لكن تبنى السارد لموقف الأنا الجمعية يشعرة بالانتصار والتفوق.

فى معظم الوقت ، كان مصطفى السعيد مؤمنا بذكورته فى غزو الغرب ، لكن بطل بهاء طاهر يرفض عرض آن مارى.

إن رفض الراوى لهذا العرض ليس رفضاً لفحولة الشرق لكن رفض لقيام العلاقة على أساس بدائى ووحيد ، ومن ثم فهو لا يعكس تعالياً وانتصاراً للأنا بقدر ما يعكس انبهام الرؤية وسوء الفهم وعدم وجود أساس واضح لقيام علاقة من نوع ما .

كما أن استسلام آن مارى ليس إعلاناً صريحاً باحترامها للتفوق الجنسى للراوى ، بل يبدو أنها تضمر العكس تماماً وهى تقول ( إذا كان هذا هو ماتريد ..فهيا) ، إنه فقط الثمن الذى تدفعه للتخلص من ذلك البدائى الذى يطارها فى أحلامها .

 وسوف نعرف أن سوء الفهم والغموض هو الشعور المتبادل بينهما ، وهو ناتج لجهل كل منهما بالآخر ، ونتيجة لهذا الجهل يترسب الخوف بينهما ، ومن ثم استحالة قيام فعل جنسى على أساس شعورى ، سيصبح الجنس الآن  تأكيداً على بدائية وهمجية الشرق التى يسعى بهاء لنفيها إلى أبعد نقطة ممكنة .

وسوف يتجسد الخوف المتبادل فى لعبة تبادل الأحلام ، فليست ( آن مارى ) وحدها التى تحلم بالراوى أحلاما مخيفة ، فالراوى ـ أيضاً ـ يحلم بها بنفس الطريقة ..

(( وحلمت بها ذات ليلة ، وكانت فى الحلم طويلة الشعر تجرى على شاطئ بحر وهى خائفة وكأن شيئاً يطاردها ، وعندما استيقظت كان العرق يغمرنى وكنت أشعر بشئ من الخوف )) إن تبادل الأحلام المخيفة هو الشعور المهيمن بينهما .

ولم تكن آن مارى وحدها التى تجهل كل شئ عن الآخر الذى يشاركها الخوف ، فالأم ـ أيضاً ـ  كل معلوماتها مستقاه من حكايات الزوج عن زيارة قديمة لمصر ، فتظل على يقين بأن مصر مليئة بالسحرة ، وربما يكون الراوى أحدهم.

         وهذا المفهوم يبرر خوف الأم ، وصرختها فى نهاية النص بعد انتحار ابنتها.. ( هل جئت الآن من أجلى أنا يا سيد ؟ هل جاء دورى أيضاً ؟ ) .

إن تاريخاً هائلاً من الأساطير والخرافات يشغل المساحة بين الشرق والغرب ، ويجعل اللقاء بينهما معقداً ويشبه المستحيل حتى فى الأحلام ، ثمة تاريخ من سوء الفهم والمخاوف ، هذا هو موقف الذات الساردة فى فهم أبعاد موضوعة الشرق والغرب .  

 ولم يكن من قبيل المصادفة أن تكون البنية الإسلوبية للحوار بين ( آن مارى ) والراوى هى بنيه استفهامية بالأساس ، لتعكس هذا الشعور المتبادل بسوء الفهم وانبهام الرؤية .

( وما شأنى أنا بذلك ؟ لماذا اتعذب أنا ؟

ــ وكيف أفهم أنا ؟ ما الذى أستطيعه ؟ قولى لى وسأفعله ، أتحبين أن أترك هذا الحى ؟ هذه البلدة ؟

ــ هل سيساعدنى ذلك ؟

ــ وكيف أعرف ؟ إن كنت لا أفهم كيف أساعد نفسى ؟ فمن أين لى أن أفهم كيف أساعدك ؟ )

وفى موقف آخر يتبادل الراوى وآن مارى أسئلة مباشرة عن الهوية وطبيعة العلاقة بينهما ، تقول آن مارى ( من أنت ؟ وما معنى هذه الأحلام ؟  لماذا تلازمنى ؟

 فتكون إجابة الراوى أسئلة أخرى مماثلة ( من أنت ؟ ولماذا ظهرت فى حياتى ؟ وماذا تريدين منى ؟ )

تعكس الأسئلة قدر الجهل المتبادل بينهما.

لدينا إذن مساحة شاسعة بين الأنا والآخر، ولا عجب أنها مليئة بالهواجس والخرافات وسوء الفهم ، وسيبدو لنا أن أى محاولة لاختراق هذه المساحة التى تشبه متاهة أولسيوس، يعنى نوعاً من الفقد أو الموت ، هكذا تقرر آن مارى أن تنهى حياتها تحت تأثير هذا الاختراق ، أما الراوى ، فينتهى إلى حالة من المطاردة ، والخوف المستمر، يجسده مشهد النهاية وهو يجرى فى كل طرقات المدينة ويبكى ، وعندما يخلو إلى نفسه ، فإن الأحلام ستبدأ من جديد ، أحلام المطاردة والخوف ، حتى ليسمع حفيف جناح الصقر الذى طالما طارد ( آن مارى ) فى أحلامها وربطته بالروح الشريرة للراوى نفسه .

إن موقف الراوى وهو يمد يده إلى طاقة النور التى انبثقت مع حفيف الأجنحة هو بمثابة المدد الروحى ، وهذا المدد هو المقترح لشغل المساحة الموحشة بين الأنا والآخر ، هل كان بهاء يتنبأ بالحضور الدينى فى انفجار الأزمة بين الشرق والغرب على نحو ما نشهد الآن ؟

 فسنرى أن ( فتحي ) صديق الراوى، يعيش حالة من حالات الزهد ، ويهدى القارئ كتاباً فى التصوف ، ويتحدث عن شفافية الروح ( إذا كانت روحك شفافة فسينبت فى صدرك بستان ) .

 وهذا المدد الروحى ـ أيضاً ـ هو مانجح ( كمال) ـ وهو أحد أصدقاء الراوى أيضا ، فى تحقيقه بدرجة ما ، ويتحدث عنه أثناء مهاتفاته ـ للراوى ـ التى تجيئ بانتظام وكأنها رسالة من العالم الآخر ،  فكمال لايظهر فى الأحداث إلا كمجرد صوت وكأنه صوت الراوى نفسه ، وهو لا يكف عن الكلام حول مشاعر الاغتراب وعلاقته بالآخر التى تزداد وحشة فى كل يوم ، برغم من أنه تزوج من أجنبية ، ويعيش حياة تبدو مستقرة ظاهرياً ، لكن ثمة قلق دائم وخواء يأكل الروح .

 فروح كمال تتحرك فى عكس اتجاه حركته المادية ، فهو قد يرتبط بالآخر مادياً وجسدياً ، لكن روحه مازالت تنزع إلى جذورها الشرقية الإسلامية ، فتحتشد أحلامه بصور عن معاوية بن أبى سفيان والحسين رضى الله عنه ، والصحراء ،غير أن ” كمال ” الذى يبدو كصوت للراوى ، لم يستدع المدد الروحى ليعنه على فهم الآخر ، بقدر ما يصبح هذا المدد هو قوقعته التى يحتمى بها ، يقول كمال فى إحدى مهاتفاته للراوى (( اعتبر أننى أعيش فى صحراء ، وأن شقتى خيمة ، خارج العمل لا أتعامل مع أحد أبداً ولا أعتبر أن هناك بشراً ، هذا هو الحل المثالى معهم وليست هذه هى المشكلة ، قلت له .. إذن ما هى المشكلة ، فقال نحن ، المشكلة داخلنا لكن لا أعرفها )).

إن موقف( كمال) يجسد أزمة مئات الألوف من المتدينين والأصوليين الذين يعيشون فى الغرب بجلابيب الشرق ، فلا هم هذا ولا ذاك، لكن( كمال) فى مهاتفة لاحقة ، يعلن عن نيته فى العودة إلى مصر ، ورغبته فى أن يبنى بيتاً فى الصحراء .

 إن مزيداً من العزلة هى طريقة كمال للاحتماء من الآخرين ،إنه اختباء فى الماضى والدين والصحراء.

 ويبدو أن الصحراء والنور والدين مفردات لمعانى متقاربة فى معجم بهاء طاهراللغوى ، على نحو ما نجدها أكثر وضوحاً فى ( أنا الملك جئت ،محاكمة كاى نن، وروايته الأخيرة  نقطة النور) ،إن معان كهذه نجدها ـ أيضاً ـ فى ( ساحرا لصحراء ) الرواية التى ترجمها بهاء (لكويلهو) .

 يبدو أن هذه المعانى وثيقة الصلة بالذات الساردة ، بحيث يمكنها أن تتحول إلى علامات دالة فى قراءتنا لفكر بهاء طاهر عموماً ، غير أن هذا النص يحتشد بعلامات عديدة ، مفعمة بالدلالات الموجهة إلى حالات الاغتراب والفقد ، وسوء الفهم ، والمشاعر غير المبررة كشعور الكراهية / العنصرية ، لدى سيدة المغسلة العجوز تجاه الراوى ، أو تجاه شابين أفريقيين كانا فى انتظار دورهما فى  المغسلة.

  ومثل هذه العلامات تأتى فى مقابل النزوع الصوفى والوجدانى الذى يشمل عدداً من الشخصيات كما رأينا .

ولعل أبرز هذه العلامات هو تبادل الأحلام بين شخصيات القصة ، فكل الشخصيات ـ تقريبا ـ مفعمة بأحلامها ، التى تعكس عمق أزمتها ، وتنقلها من مستوى العالم الخارجى إلى مستوى الخاص الداخلى ، وهكذا ينجح الآخر فى تصدير أزمته للأنا ، إنه التعبير النفسى عن تبادل المخاوف عبر الأحلام.

هناك أحلام ( كمال ) عن الصحراء ومعاوية والحسين ، وهناك أحلام ( آن مارى ) الملتبسة بمفاهيم موروثة عن سحرة مصر ، وهناك حلم ( الراوى ) أيضاً ، عندما حلم بآن مارى تجرى على شاطئ بحر وكأن شيئاً يطاردها.

 ومن الطريف ، أن الراوى يتبنى أزمة ( آن مارى ) على نحو لا شعورى ، فها هو فى النهاية يرى الصقر الذى يداهم أحلامها وهو يخفق فلا يعرف إن كان حقيقة أم حلماً ؟

 وسنلحظ أن ثمة ملامح مشتركة بين كل الأحلام، أبرزها الشعور بالمطاردة ، فأبو سفيان يطارد ( كمال) بعد أن أمر بإيداعه السجن مع ( طه حسين ) فيهرب بتاكسى إلى ميدان العتبة ، ولنلحظ المفارقة الزمنية للحلم بين ماضى يطارد ( كمال ) وحاضر يلوح له بالنجدة ، لنتفهم عمق أزمة( كمال) الداخلية بين جذوره العربية  وحاضره الأوربى الذى يضمن له درجة من السعادة والأمان بالزواج من أجنبية وعمل مستقر .

ولعل رموز الحلم توقفنا على جانب من القلق الأصولى لدى كمال ، الذى يشعر بالذنب ويضع نفسه مع (طه حسين ) العلمانى فى سجن واحد  بأمر من أبى سفيان ، هل هو قلق موضوعى ، أم هو قلق الذات الساردة ، وبطريقة ما قلق الكاتب نفسه ؟

إن المطاردة ملمح متكرر فى كل الأحلام ، فآن مارى تجرى على الشاطئ وكأن أحداً يطاردها ، والراوى يطارده الصقر فى أحلام ( آن مارى ) ، وكمال يطارده أبو سفيان،إن جميع الشخصيات مطاردة بهواجس تسكنها، وتؤكد عمق أزمتها الداخلية.

 أما الشعور المتكرر فى كل هذه الأحلام فهو الخوف والحزن ، وكأن ثمة لغة سرية لا شعورية تعمل فى مناطق المسكوت عنه داخل كل منهم ، أو بمعنى أدق بينهم ، فهل تكون هذه المناطق المسكوت عنها ، هى ما أشرنا إليه بوصفه مساحة شاسعة مليئة بالهواجس وظلام الجهل بين الأنا والآخر ؟

 وتبدو الخلفية ( المكانية ) هى الإيقاع الضابط لحركة الشخصيات ومقولاتها ، إن مشاهد الجليد ، والأشجار الثلجية ، والسيارات المغمورة بالجليد ، وبرودة الجو ، وحركة الناس فى معاطفهم الثقيلة ، كلها مشاهد تحضر بكثافة فى وعى القارئ طوال الوقت لتقوم بدور المؤثرات الصوتية والبصرية ولتعمق مناطق الشعور لدى القارئ بأزمة الشخصيات ، حتى ليصبح المكان أو الزمن فى كثير من الأحيان معادلاً للشخصية ودالاً عليها ، فالمواجهة العاصفة التى تقوم ــ فى المغسلة ــ بين العجوز والشابين الأفريقيين تبدو كمواجهة بين برودة الشمال وسخونة الجنوب ، حيث العجوز بقسماتها الصارمة وكلماتها الحادة المرتبة وحركتها الآلية ، فى مقابل روح الغضب والسخرية التى يرد بها الافريقى .

 وتبدو الجملة الأولى التى تفتح الستار على دخول الأفريقيين للمغسلة / المكان ، دالة على هذا التقابل بين الخارج البارد والداخل الملتهب بالغضب ، لتجسد نمط العلاقة بين السكان الأصليين و الأجانب ، فقد تبدو العلاقة فى ظاهرها متساوية وعادلة لكنها تتحرك بعنف وبكثير من الغضب والكراهية الكامن فى الداخل ، ليؤكد أن ظاهرية العلاقات لا تعكس الحقيقة المقموعة ، ولا ترأب الصدع الكبير فى العلاقة بين الأنا ــ الآخر .

إن المشهد الذى يجسد الصدام بين العجوز والأفريقيين منذ لحظة دخولهما إلى المغسلة بروح مرحة صاخبة فيما يدخل معهما تيار هواء بارد ،  يمكن أن ينبئ عن طبيعة الحوار الذى يقوم داخل المغسلة على نحو ما نجده ، ليعكس نوعاً من الصدام بين العجوز والأفريقيين .

إننا أمام نص جميل ، يعرض لموضوع مؤرق للمثقف العربى ومتجدد فى كل مرحلة ، ويعكس إشكالية معضلة لا تحل حين تظل كامنة فى مفهوم ثنائى بين الأنا والآخر، لكن بهاء طاهر فى هذا النص يسعى الى التلامس مع مناطق مسكوت عنها فى هذه العلاقة ، حتى ليقترب النص بموضوعه إلى مفهوم أكثر اتساعاً وأكثر مكاشفة لطبيعة الأزمة على نحو لم يتطرق إليه أحد من الذين عالجوا موضوع العلاقة بين الشرق والغرب  ، وهو أداء غير منغلق فى قضية ( الشرق ــ الغرب ) بقدر ما ينفتح على أزمة الإنسان المعاصر فى عالم تستبد به الماديات وتتنازعه الروحانيات بشكل سافر  .

 وهو لا يفعل هذا عبر مفاهيم تقليدية حول هذه العلاقة بقدر ما يسعى إلى هز المفاهيم وخلخلتها ، بحيث تبدو الوسائط الجمالية والفنية هى الطاقة المؤثرة قبل أى شئ حتى ليبدو الموضوع ــ ذاته ــ خافتاً ، وهو ذلك الخفوت الجميل الذى يجعله حاضراً فى ذاكرتنا ، كلما استدعينا موضوع العلاقة بين الشرق والغرب .

وكلما قرأت هذا النص ، وكما فى نصوصه الأخرى ، يتأكد لى أن بهاء طاهر كاتب روحه شفافه ، فلا عجب أن ينبت له فى صدره بستان .                                                             

أسسه الروائي والناقد: سيد الوكيل 2018م

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ