قثة: د سيد شعبان
قمت من نومي فزعا؛ الكلاب في الخارج تواصل نباحها، يبدو أن ما رأيته كان كابوسا مصنوعا من سراب؛
قثة: د سيد شعبان
قمت من نومي فزعا؛ الكلاب في الخارج تواصل نباحها، يبدو أن ما رأيته كان كابوسا مصنوعا من سراب؛
قصة : حسين عبد الرحيم
بمستشفى الزهور وخلف المشرحة ظهرت ثلاجة الموتى، تمدد جسد الصديقة فوق طاولة باردة من الصاج، عندما ناداني اللحاد الذي جاء فجرًا، فرغت النسوة المغسلات من تكفين الجسد.
استمر في القراءة وحدي يا أمي
تحت شمس مارس الدافئة، جلس مختار عبد الرحيم أمام بيته العتيق على حافة “الترعة”؛ كانت كنكة الشاي تئن فوق موقد حطب بسيط،
فاطمة الشريف
بداية الكاتب والمحتفى به اليوم حاصل على ماجستير في الطب وماجستير في الكتابة الإبداعية، وأن اهتمامه الأدبي بدأ بالشعر ثم القصة القصيرة، وله أعمال في الرواية والقصة القصيرة جدا. ونحن بصدد مناقشة هذه المجموعة ضمن المجموعات القصصية للكاتب، صدرت مجموعة “ظلال الهمس عام ٢٠١٦.
استمر في القراءة الغرائبية والاغتراب في مجموعة ” ظلال الهمس” لدكتور شريف عابديند. سحر عبدالمجيد

تبدأ مجموعة ” نظرية حسن مرعينيو ” من شرخٍ صغير في العالم المألوف، ثم تتسع رقعته تدريجيا حتى يغدو الواقع نفسه موضع شك. كما يجعل الدهشة وسيلة للكشف عن واقع يفيض بالتناقضات، حتى تبدو الأحداث العجيبة أكثر منطقية من الحياة اليومية. ومن هنا تتجاور الحارة والعزبة، والمقهى ومكتب الجريدة، والقسم والبيت، داخل فضاء واحد، تتكرر فيه الشخصيات الشعبية، وتتجاور السلطة مع الخوف، والسخرية مع الألم، فيتشكل عالم قصصي يدفع القارئ إلى إعادة النظر فيما اعتاده.
استمر في القراءة حين يصير الواقع أغرب من الخيال .. قراءة في” نظرية حسن مرعينيو” لمجدي نصارعبير سليمان
تتناول القصص موضوعات متعددة منها ما يحمل بعداً نفسيا اجتماعيا بحتا ، ومنها ما يحمل بعدا إنسانيا، والثالث وهو أخطرهم البعد السياسي ، ولا نغفل أيضاً أن بعض القصص محملة برموز دينية وتستحضر بعض أبطال القصص القرآني.
استمر في القراءة حين ترسم الفنتازيا وجه القهر.. قراءة في الرمز والمفارقة في قصص ” جدوى العشق ” لشريف عابدينكاتبة جزائرية
في الليل تتخلىّ الأشياء عن ضجيجها و تظهر الأصوات التي كانت تهرب منه طول النهار الذكريات ،التهور ،الندم ،حضرة الليل يجبرها على مواجهة نفسها دون حواجز كانت في عمر الزهور تساعد أمّها في نشر شرائح الطماطم ،تفتحها على سطح القرميد و تنثر الملح عليها و تعود ترقبها كل مغيب كي ترمقه و هو عائد من عمله ،ثم تغلق كل النوافذ خوفا من أخيها الذي يعمل في المدينة و يتجول مع فتوّات الحارات الّذين يحكمون الشوارع ليلا ،لا أحد يجرؤ على ردّ كلامه كان مركّزا معها حيث لاحظ اهتمامها بنفسها ،تتزيّن كعادتها لحضور عرس إحدى بنات الدشرة و تواعده عند الجدارية التي تعانقها أحراش الدفلة الكثيفة ،ضربها أخوها و سكب مساحق التجميل و خرج كعادته إلى المدينة ،لم تستسلم “خضرة” أعادت ترتيب شعرها ،ودّعت زهور تطريزها و أخذت أختها الصغرى في يدها و خرجت للعرس …و التقيا
استمر في القراءة انتماء ..قصة : فتيحة قادةقصة :هاجر مصطفى جبر
أن تنجب صبيين أي تجعل من حياتك صراعًا لا ينتهي، كلما رغب أحدهما شيئًا صعب المنال طلب أخوه الأشد صعوبة.
العزيز سيد الوكيل
هذه مجرد افكار أولي حول نص يستحق الكثير ، وإن شاء الله لي عودة تامة للكلام النقدي عن هذا العمل الذي يستحق.
بقلم: ممد عبد النبي
أنبياء وحكماء وكتبة
في البداية يجب أن نعترف بشئ واحد نتفق عليه وهو موت النقد،
نعم لقد مات النقد الحقيقي ، وأصبح هناك نقاد اللمس والجس والهمس والدكاكين والأبواب، ومسابقات المليون.. هؤلاء اللذين يقيمون الدنيا ويقعدونها علي عمل لأي مبدعة جديدة. المهم أن تكون أنثي،أما المحترمين منهم فقد آثروا البعد بعد أن أصبح أي رئيس تحرير يلغي الصفحة الادبية من اجل فضيحة جديدة للاعب الكرة الجديد.
ورغم أنني لم تجتذبني لغة النقد في يوم من الايام، في البدية عن جهل بذلك العلم الذي يجتذبك من الاعمال الروائية التي هي المادة الخام، ثم بعد ذلك لكلام بعض اصحاب القامات العالية ، فقول تولتسي أن النقد يشبه كثيرًا ذبابة الحقل التي تعيق الحصان عن الجري السريع جعلني اميل أكثرـ بعد أن تعلمت الكثير والكثير عن النقدـ إلي البعد عنه، ولذلك ظللت اردد لنفسي أن متعة الكتابة أكثر من متعة النقد،
حتي قراءت ذلك العمل للكاتب سيد الوكيل.
هل حان الوقت للكتابة أن تخلق لغة جديدة ؟ نعم ،ذلك ما حدث لي وانا اقراء رواية (شارع بسادة).هذه لغة جديدة،لغة تأخذك من كل اعبائك لتقف أمامها صامت منتبها لكل حركة يقوم بها ذلك الولد الثمين، وهل حان للنقد أن يخرج من لغة العمل؟
لم لا،والرواية هي الفن الوحيد القادر علي تغير نفسه والتأقلم مع الواقع المرعب الذي يفوق الخيال الذي نعيشه. وكما قال أحد النقاد أن التنظير حول جمال العمل الأدبي المتفرد، منطقة ما زال النقاد يكتشفونها ويعملون على تحديدها حتى اليوم. إنهم ينبشون التقنيات، اللغة، التطور الدلالي، الحدث، ثنائية الشكل والمعنى، وما إلى ذلك، وهم سيظلون على ذلك باعتقادي، ما دام هناك روايات تكتب كل يوم في العالم، فحساسية الأدب تختلف وتتبدل من زمن إلى آخر.
ولما لا ولقد تأكد لي أن شارع بسادة عمل مختلف عن كل المطروح، ولذلك وجدتني أقف من حيث بدأت بالعنون وهوتلك المقولة التي قالها الله في التوراة ليفتح لنا نحن القراء، أو ملح الارض واديمها لكي نسمع كلام ثلاثة لا رابع لهم ،وهم الأنبياء، والحكماء، والكتاب، ولظني أن ذلك الاختيار يطرح ثلاث مستويات لشارع بسادة ، وحتي نقترب أكثر من المعنا دعوني أقف حول فكرة النبوة تلك التي تأتي لتوصيل رسالة محددة من قبل الراسل وهو الله طبعا، فالانبياء أتو.. بتعاليم وأحكام، وطريقة إدارة الحياة ، ثم تأتي المرحلة الثانية، وهي .. الحكماء
،هؤلاء الذين درسو كثيرًا أقول الانبياء، وبسطو لنا الاحكام بكلامات قليلة ، ثم ننتهي بالكتبة، هؤلاء الذين يخبرونا عن الاشياء التي حدثت بالبعد عنا. وللولوج معي إلي عالم تلك الرواية ، علينا أن نتمايل عند الوعرات، وننساب عند السطح الأملس؛ لكي نعرف جميعًا أنَّ البراءة، هي شيءٌ مختلفٌ عن السذاجة.
ولتعلموا أنَّ ما نبحث عنه جميعًا هو أيضًا يبحث عنا، وسوف اقف قليل علي النظرية التي تعمالت بها مع تلك الرواية:
ترى نظرية التلقي أن أهم شيء في عملية الأدب هي تلك المشاركة الفعالة بين النص الذي ألفه المبدع والقارئ المتلقي. أي إن الفهم الحقيقي للأدب ينطلق من موقعة القارئ في مكانه الحقيقي وإعادة الاعتبار له باعتباره هو المرسل إليه والمستقبل للنص ومستهلكه وهو كذلك القارئ الحقيقي له: تلذذًا ونقدًا وتفاعلاً وحواراً. ويعني هذا أن العمل الأدبي لا تكتمل حياته وحركته الإبداعية إلا عن طريق القراءة، وإعادة الإنتاج من جديد؛ لأن المؤلف ماهو إلا قارئ للأعمال السابقة، وهذا ما يجعل التناص يلغي أبوة النصوص ومالكيها الأصليين. ويرى إيزر أن العمل الأدبي له قطبان: قطب فني وقطب جمالي. فالقطب الفني يكمن في النص الذي يخلقه المؤلف من خلال البناء اللغوي وتسييجه بالدلالات والتيمات المضمونية قصد تبليغ القارئ بحمولات النص المعرفية والإيديولوجية، أي إن القطب الفني يحمل معنى ودلالة وبناء شكليًا. أما القطب الجمالي، فيكمن في عملية القراءة التي تخرج النص من حالته المجردة إلى حالته الملموسة، أي يتحقق بصرياً وذهنياً عبر استيعاب النص وفهمه وتأويله. ومن أجل ذلك سوف أبدأ معكم التأويل، يبدأ الوكيل بأظهر الصور الثلاثة للنبي والحكيم والكتبة في بداية روايته حين يأتي بذلك المجتزء:
الغرباء يعرفون طريقهم جيداَ حتى فى الظلام
.
سيتجهون لليمين فرادى ليخرجوا ، فقط لليمين ، فليس فى اليسار سوى خلاء يسكنه الذين دهسهم القطار يوماً ، بعضهم فر إلى خلاء آخر ، وبعضهم عاشوا فيه يعابثون المارة فى الليل أو يتآمرون على سرقة بندقية حارس المحطة البدين ، وفى النهار يحدفون القطار بالطوب كلما صفر وأيقظهم من قيلولتهم.
الغرباء يعرفون طريقهم جيداَ حتى فى الظلام ،من يخبرنا بذلك هو نبي لاشك، سيتجهون لليمين فرادى ليخرجوا ، فقط لليمين ،الذي منحنا تلك المعرفة الجديدة هما الحكماء ،أو المفسرون ،إما حين يأتي دور الكاتب فسوف يخبرنا أن اليسار طريق الذين دهسهم القطار، وللذين يتسألون الان عن ذلك التأويل أقول لهم أن عمل التأويل أن يقوم بدور مهم في استخلاص صورة المعنى المتخيل عبر سبر أغوار النص واستكناه دلالاته والبحث عن المعاني الخفية والواضحة عبر ملء الفراغات للحصول على مقصود النص وتأويله انطلاقا من تجربة القارئ الخيالية والواقعية. ويجعل التأويل من القراءة فعلاً حدثياً نسبياً لا يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة أو الوحيدة المتعالية عن الزمان والمكان. لأن القراءة تختلف في الزمان والمكان حسب طبيعة القراء ونوعيتهم
اعود الان للدخول في النص ،فسيد الوكيل يكتب عن مجموعة من الغرباء الذين سكنو شارع بسادة بأحد محافظات دلتا مصر في لحظة تاريخية ما (نفق الغرباء ، مشهد يتكرر كل مرة بتعديلات بسيطة ، لا غرابة فى ذلك ، فهم غرباء هذه البلدة ، الذين عاشوا فيها ، أو الذين يتركونها يوم الخميس إلى قراهم وبلادهم ، ويعودون إليها عندما تنام الجدة بعد بضعة آيات ، أو عندما يعلن المذيع موعد نشرة الأخبار
وبعد أن يمنحنا سيد توصيفاً دقيقًا لذلك المكان وبعض الشخصيات التي التقت في لحظة واحدة دون أن يرا أحدهم الاخر يأتي الوكيل ليخبرنا بحال الشخصية الاولي التي سوف نلمح فيها التأثر بالشخصيات الثلاثة التي اتفقنا علي تداخلها في كل النص وهم النبي والحكيم والكاتب (هذا موظف السجل المدنى ، ستتعرفون عليه بسهولة ، بدين ، أصلع ، له بنطال واسع يتدلى حزامه تحت كرشه فيترك براحا لخصيتين مصابتين بالدوالي ، مبتسم بلاسبب ، لايكف عن الابتسام حتى لهولاء الذين يعرف أنهم يضحكون من مشيته ، أوالأطفال الذين سيجهرون باسمه الحركى ـ أبو قليطة ـ فى غفلة من الكبار الذين يحترمونه بالرغم من كل شىء ، سيبتسم وربما يحيهم بإيماءة ثم يمضى مثقلا بخصيتين كبيرتين بين فخذيه ، وحقيبة صغيرة يعلقها فى كتفه دائمًا ، بها أقلام باسط مسنونة جيداً وبدرجات متفاوتة ، تفيدة فى كتابة بطاقات الهوية ، والناس عادة تضع فى درج مكتبه شلنا أو بريزة تقديراً لخطه الجميل
.
تفيد منهجية القراءة في معرفة الآثارالتي تتركها فينا الأعمال الأدبية ولاسيما الخالدة منها. ويعني هذا أن ما يهم هذه النظرية ليس ما يقوله النص ولا من قاله ولا مضامينه ومعانيه التي تبقى نسبية بل ما يتركه العمل من آثار شعورية ووقع فني وجمالي في النفوس والبحث عن أسرار خلود أعمال مبدعين كبار وأسباب ديمومتها وحيثيات روعتها وعبقريتها الفنية. ولذلك يمكن لي فقط الاشارة إلي الكلمات الواردة بالمقتطف السابق وهي (بدين ، أصلع ، لايكف عن الابتسام حتى لهولاء الذين يعرف أنهم يضحكون من مشيته ، يمضى مثقلا بخصيتين كبيرتين بين فخذيه، وحقيبة صغيرة يعلقها فى كتفه دائماً، سيبتسم وربما يحيهم بإيماءة ثم يمضى مثقلاً بخصيتين كبيرتين بين فخذيه ) أما كلامات الحكيم فهي كاتالي (له بنطال واسع يتدلى حزامه تحت كرشه فيترك براحاً لخصيتين مصابتين بالدوالى ،الكبار الذين يحترمونه بالرغم من كل شىء، بها أقلام باسط مسنونة جيداً وبدرجات متفاوتة ، تفيدة فى كتابة بطاقات الهوية..
أما كلمات الكاتب فهي (ستتعرفون عليها بسهولة، أو الأطفال الذين سيجهرون باسمه الحريى ـ أبو قليطة ـ بها أقلام باسط مسنونة جيداً وبدرجات متفاوتة ، ، والناس عادة تضع فيى درج مكتبه شلنا أو بريزة تقديراً لخطه الجميل.
تحاول هذه النظرية أن تعيد قراءة الموروث الأدبي والإبداعي من خلال التركيز على ردود القراء وتأويلاتهم للنصوص وانفعالاتهم وكيفية تعاملهم معها أثناء التقبل وطبيعة التأثير التي تتركها نفسيا وجماليا لدى القراء عبر اختلاف السياقات التاريخية والاجتماعية
ولذلك سوف آتي بالمقتطع التالي ليقوم كل منكم بوضع كلامات النبي والحكيم والكاتب كل علي حداً، ومن أجل ذلك سوف أتي أاصغر شخصيتين في الرواية لنلعب معا تلك اللعبة، الشخصية الاولي كما كتبها الوكيل (مدير بنك ناصر ، يضع نظارة سوداء على عينيه حتى فى الليل فلا أحد يدرى لأى جهة ينظر ، لكن سكرتيرته تعرف جيداً ، أن نظراته تتجه دائما لأسفل . من أجل هذا تنزع الشعرعن ساقيها فى الأسبوع مرتين.
الشخصية الثانية هي (مدرب فريق مصنع الغزل ، الذى أحرز هدفاً ـ فى عادل هيكل ـ عندما كان لاعباً فى نادى طنطا ، فدخل التاريخ من غير قصد ، وفاز بصورة فى جريدة المساء ، يشيلها فى محفظته دائمًا . عادل هيكل يطير فى الهواء ، والكرة تستقر فى المرمى ، هو لايظهر فى الصورة مطلقا ، لكنه حريص أن يقول لمن يراها : أنا الذى شاط الكرة.
إن أول ما يجب الاقتناع به هو أن مهمة الروائي هي أن يكون محامي الشيطان، وأنه ليس معنياً بأية اعتبارات أخرى خارج ناموسه الروائي: الجمالُ، الدهشةُ، الخلق، والحرية غير المشروطة. أي أن صدق الروائي يتلخص في تقبله لشياطينه الخاصة وفي خدمتهم بقدر ما تسمح له قواه، كما عبّر ماريو فارغاس يوسا يوماً. وبالتالي، ربما كان الغوص أكثر في الخصوصية طريقاً للعالمية. أي أن نبش المحرم والمغلّف ومحاولة تفكيك بنية المجتمع المغلقة والمتشرنقة على نفسها، ربما كان طريقاً واسعاً للتواصل الأعمق مع الآخر. كأننا بذلك نتعرى أمامه أو نزيل كل السواتر المصطنعة والأحكام المسبقة التي عملت دوماً على خلق الشروخ بين الثقافات في العالم. وللتأكيد علي ذلك المعني اتركمم مع الوكيل وهو يقدم شخصية روائية عظيمة في بضع سطور.
(شيخ المعهد الأزهرى فى البلدة ، المنتدب ـ أصلاً ـ من المعهد الأحمدى بطنطا .
الحقيقة هو لايعود لقضاء العطلة الأسبوعية بين أهله سوى مرة واحدة كل أول شهر ، وتصادف أنه أمضى أسبوعا كاملا بين أهله . هاهو ينهى أجازته ليعود فى القطار الأخير لأن عليه أن يكون فى صباح السبت بين الشيوخ الأطفال ليذوب بينهم . وهو فوق ذلك خجول حتى لايقوى على النظر فى عيون تلاميذه.
هذه صفات لايمكن أن تجتمع فى شيخ أزهري إلا هو ، لهذا ، فإن أحداً لايشعر بوجوده ، لابسفره ولا بعودته ، حتى العربجية المتحفزين لزبائنهم يخطئون وجوده عادة . ربما يفاجأ به أحدهم وهو يهم بالانصراف بعد أن يأس من الفوز بزبون ، وغالباً لن يهتم به ، فالشيخ الصغير لايركب الحناطير إلا نادرًا ، وعادة يكون آخر الخارجين من النفق ، يمشى بخطوات متعثرة ملاصقاً للبيوت والأرصفة ينظر للأرض كأنما يبحث عن ظله ، يصل إلى بيته الملاصق للمعهد الأزهرى بعد عشرين دقيقة من المشى بحساب خطواته الصغيرة ، غير أنه فى ليلة مثل هذه ، سيفكر بالتأكيد فى ركوب حنطور ، إنها ليلة باردة ، والطرق موحلة ، وهو حريص على ألا يوسخ ذيل كاكولته التى يبقى فيها لشهر كامل ، قبل أن يعود فى أجازة أخرى
دعونا لاننشغل به ، فهو ليس الرجل الذى ينتظره رجب على أيه حال ، فهذا الشيخ الصغير سيختفى من الوجود تماماً بعد أيام قليلة من تلك الليلة .سيكون رجلنا الذى ينتظره رجب هو الأكثر غربة بين كائنات النفق هذا ، سيكون غريباً حتى عن جسده وأسمه . أما شيخنا الصغير ، فسوف يختفى تمامًا .هو ـ فى الحقيقة ـ كان مهيئا للاختفاء ، سيحدث هذا بعدما اتهمته صاحبة البيت بالتحرش بابنتها القاصر ، طبعا فضيحة ، كان يحتاج لفضيحة حتى يشعر الناس به ، فضيحة ستجعله حديث الناس لبضعة أيام وكأنهم فوجئوا بوجوده بينهم . سيختفى تماماً ، لكن الناس ستذكره كثيراً ، كلما مرت فى شوارعهم بنتا بعيون شقيه ، ونهدان لعوبان ، لابد اتعبا الشيخ الصغير كثيراً قبل أن يمسك بهما.
أريد أن أقول من وراء ذلك أن روح الرواية هي روح الاستمرار
بقلم: دكتور مجدي توفيق
دراسة ملحقة بمجموعة قصص ( أيام هند) عام1990م
“في غير رمضان، كان يدق إيقاعاته الرتيبة فيسأله الناس عن الميت… وكان ينطق بالاسم ببساطة ولا يتوقف عن الدق، ويسألونه عن السبب فيفكر ويقول … أمر ربنا، وكانوا يتلقون الإجابة، يقنعون بها ويمضون، يمصمصون شفاهم البيضاء بذعر، ويمضي هو، يدق … يدق … يدق، وتجري أقدامنا الحافية الصغيرة وراء الدقدقات المكتومة، نهرش رؤوسنا، ونبصق في عبنا، ونضحك في سرنا على طبلته العتيقة التي يضيع صوتها في زعيقنا خلفه من زقاق لزقاق.
يا حنجل يا وش القملة مين قالك تعمل دي العملة”
تعتمد الفقرة على الجملة الطويلة غير المعقدة، تؤسس، بأدوات العطف، وترابط المعنى، وسلاسة الحياة. ويرتبط هذا البناء للجملة بالفعل الدال على المضي: كان. يقذف هذا الفعل بالعالم إلى الماضي، وينهض في الخطاب علامة على جماليات الاستحضار. نجد كان بدلالة الماضي يتلوها الفعل المضارع: كان يدق – كان ينطق – كانوا يتلقون، فيتداخل الماضي مع الحال، ويحضر الغائب حضورًا كالغياب. وتمثل صيغة “كان + المضارع” نمطًا أسلوبيًا في خطاب المجموعة يجتهد في استحضار ما غاب عن الوعي الجمعي. والفعل “كان” له حضور لافت في المجموعة، تجده في جميع قصص القسم الأول – عدا “زينهم” – وتجده في “رجل وامرأة”، “اجتياز”، “الذي لا أعرفه”، “دائرة الصبار”، “احتفال”، “كارتون”، “امرأتان”، “البركة” أن حضور الفعل (كان) جاء متأخرًا. حاول النصان أن يؤسسا تعاطفًا مع اللحظة قبل أن تقوم العلامة: كان، شاهدًا على انطفائها. ذلك أن المستحضر في الخطاب قد يكون وجهًا، أو لحظة ما. أما فواز فهو وجه لأبطال العبور البسطاء، استعادته القصة،واندمجت في عالمه، حتى ظهرت «كان» فنقلته الى عـالم الذكرى، واشاعت جوا من الأسى لضياع هـذا الوجه من واقعنا الحي، وأخذت البركة تقيم تعاطفها مع لحظة التأمل من وراء النافذة المرأة والرجل في الطريق، ثم نلمح “کان” كأنها تحاول أن توحي بأن هـذه اللحظة التي يبعثها الخطاب لا يمتلك الوعي أسرارها كالماضي البعيد الذي أغلقت عليه الذاكرة رتاجهـا. وظهـور كان وغيابها، مثل ضميري الغياب والتكلم في السرد، وجهان لجماليـات الاستحضار التي يحاول الأسلوب – ببساطة، وخفاء – يؤسسها في نسق قصص واقعي بسيط مألوف.
فاذا عدنا الى فقرة «حنجل» السابقة تستطيع أن ترى الوجهين يمثلان في العلاقة الثنائية المتوترة بين المغيب: حنجـل، والحاضر: النـاس، وبين اهتمام النـاس بـه اول الفقرة، وانصرافهم عنـه آخرها، وبين حالتي الذعر والسخرية المشار إليهما. هذه التقابلات تكشف عن مصير حنجـل وسقوطه من الحضور في الغياب. ويقـوم الخطاب القصصي مقام الوعي الجمـاعي المنشود فيستحضر حنجـل المنسي.
وشبه الجملة الذي بدأت بـه الفقـرة لـه ايحـاؤه اللافت، فنحن نتوقع أن يقـوم حنجـل في رمضان بعمـل المسحراتي، لكن ايقاظ النـاس يجب اغفاله؛ فلا أحد يستيقظ وعيه؛ الجميع ينسى. وفي موسم الحصاد يذكـر النـاس حنجـل، لكنهم يذكرونه لأن مأمون قرر ألا يعطيه كيـلة الذرة المعتادة. ينكرونه لكي يدفعوه دفعة جديدة نحو النسيان. من هنـا تغافلت الفقرة ايقاظه للناس، وربطته بالموت ـ انـه يعلن الناس بالموتى، وهـو لهذا كـريه محبوب، ضرورة لا يسعى اليهـا احـد. ولا تكتفى الفقرة بكلمة «الرتيبة» بـل تكـررالفعل يدق،والدق، خمس مرات، لتكون كالموسيقى الجنائزية، نوحى بمقدم الموت. حنجـل مرتبط بالموت، والموت يحف به: الموت الاجتماعي والفيزيقي معا وليس بعيـدا عن هذا الموقف ذلك الظهـور للعامية في النسق الفصيح في«عنا»، وفي غناء الأطفال، يجعل اللحظة أكثر حضـورا، داخـل نـسـق لـغـوى مخالف، قائم على نسيان العامية، لا استعمالها. ومن تتمه الموقف هذا النص:
«وبقي حاملًا عمره الكئيب المزمن فوق ظهره المحنى كأنف يهودي وهو ينزل به الى ظلام، يستقبل رأس الميت ناحية القبلة، ويسندهابشقفتين، واحـدة عن يمين وأخـرى عن يسار ليبقى شاخصًا لوجـه ربـه،ويقرئ ملك الموت السلام كما هو واجب، لكن الملك المهيب الطلعة المشرق الوجه كطاقة القـدر كان يبكي فعرف حنجل أن للملك قلب بنت صغيرة محبة، وفهم الذي في عيني ملك الموت الحنون فاستبد بـه حـزن داكن صموت كعينيه، واعتكف في حجرته ينتظر زائره».
وتقـوم «بقي»(الاستمرار في الماضي) مقـام كـان والجملة طويلة محمولة على بقي، فيها «تستقبل» حـال منها، و «يقرئ» معطوفة عليهـا، وخبـر المـلك مستدرك به عليها كذلك. ومع أوصاف مباشرة مثل: الكئيب، المزمن،المحنى،ظلام،المهيب،المشرق، يزداد الموقف وضوحًا. وتظهر كان مع بكاء الملك تستعيد صيغةالاستحضار: كان + المضارع. ولحظـة بكاء الملك لحظة نادرة متميزة، لكنها تدخل تحت تأثير بقي في انحراف أسلوبي. ووجـه الانحراف أنه لم يشر الى تميـز اللحظـة بأية اشـارة تخرجها من استعمال «بقي» بمعنى ظـل واستمر (وهو استعمال غير فصيح أو ـ على الدقـة ـ شــائع في العامية). بهـذا خلط الأسلوب الاستثنائي (بكـاءالمـلك) بالمعتاد (كآية حياة حنجل)، فكشف لنا غموض الزائر المنتظر، وحدد المصير.
لقد اغتال حنجـل انبهارنا بأداتين من أدوات التحضير: منبه وميكروفون، فمات الموتين معا: الاجتماعي فالفيزيقي. والخطاب القصصي يحاول ـ في همس ـ أن يستحضر هذه الخبرات التي تموت في وعينـا.
۳ ـ تبـدأ قصة « نظرية الاحتمالات » بهـذه الفقرة !
«على خشـب البـاب، ثنى احدى ساقيه، وأسند ظهره. رحلة القلق تبـدأ مع تلك النظـرة طويلة المدى، فكر أن المسألة لا تستحق كل هـذا. حكاية عـادية تحـدث كل يوم لي أو لغيري. تبـدأ في الشارع.. تلك البداية التقليدية.. كيف ينهى الآخرون حكاياتهم؟)»
ههنا تظهر الجمل القصيرة. الأولى ذات فعل ماضي راصـد لسلوك الشخصية المشار اليهـا بضمير الغيبة. الثانية جملة اسمية تصدر عن صـوت الخطاب القصصي في تعليقه على السلوك. والثالثة تعود لنمط الأولى راصدة فكرة لا حركة. ثم يأتي صـوت الشخصية. وهكذا يؤسس الخطاب تعددا صوتيا تتغير معه نبـرة القـراءة بسرعةوإيجـاز فيؤسس جماليـات القـلق. وتستطيع أن تقـرا هـذه الجماليات في «خـرير»:«فتـح البـاب بحرص، انسابا في الداخـل بـرفـق، بنفس الحرص انغلق ألبـاب، على المنضدة، ثبت الشمعة …»، جمل قصيرة فعلها مــاض. وفى «الشـاروقة» يبـدأ بلحظـة استيقاظ مع الفجر، يتناول فيهـا أربعة أشخاص:الأم،خديجة، رجب، حسن، في جمل فعلية قصيرة ذات فعل ماض. ثم يسلم الخطـاب نفسه لأصوات الأربعة تتحـاور بعد أن شق جمال لحظات الفجـر بذعـر خديجة لتوهمها فـأرًا في العجين. وما أن ينتهي الحـوار الى أن يسكب رجب «المتدين» العجين المحرم لأن فيه ميتة، حتى تظهر صيغة الاستحضار: كان يفعل. تسعى الى تثبيت اللحظة. هنا ندرك أن جماليات القلق التي تقوم على جملة الفعل الماضي القصيرة، مع التعدد الصوتي، متصلة بجماليات الاستحضار، أو هي تعقيد وتعميق لها. من هنـا مضت «نظريةالاحتمالات» فيما أسمته: “رحلة القلق”، تمزج جملة الفعل الماضي التي تصف حركات الشخصية القلقة، بالحوار مع الصديق الطبيب، بمشـاهد مستعارة من العلاقة العابرة بالمرأة التي لا يدري هـل أنجبت منه أم لا؟
وإذا كانت الجماليات الأولى تحـوم حول فكرة الموت الفيزيقي والاجتماعي، فان الجماليـات الثانية تحوم حول قلق التواصل، فيغدو الجنس قسيما لها. وعلى الرغم من أن الجنس في الشاروقة اشارة عابرة الى احتلام حسن، الا أن تهدد العلاقات الأسرية في تصادم القيـم بين التشدد الديني وفقر الواقع، يشير الى أزمة
المتواصل، وهي المراد من الجنس، ووظيفته البلاغية. وفي «خرير»نقرأ:«أمسكبكتفيها، فتراخت على حرف المنضدة، تضـاخم ظـل واحـد بلا معالم …». يلجأالخطاب الى صيغة تفاعل الصرفية:تراخت،تضاخم، لأنه بصدد تواصل. ثم يجعلهمـا ظـلا واحـدا، وينفى عنه المعالم امعانا في التداخل. ويجعل الظـل نكرة كأنه كيان غامض لا نعرف صاحبه؛ فهو تواصـل تـام تذوب فيـه الفرديات. لكن صـوت المنضدة يحدد قلقهما وخوفهما. وتراخيهـا «علىحرف»المنضدة، يوحي بأن التواصل قلق. وإطفـاء الشمعة، آخـر القصـة، لن يمحـو القلق. اننـا أمـام خـرير، أي علاقة تواصـل تحـاول ان تنساب كالماء الهامس، لكنها ترتجف
4 ـ تبـدأ قصة « زينهـم » بهذه الفقرة:
«في ضيق الحجرة المظلمـة يتحسس بقدميه، ويدوس اللحاف الملطخ ببقع لزجة، مجهـولةالتاريخ، فتفوح روائح قديمة، وتتناثر نتف قطن داكن، وتذوب في العتـام».
هذه الجملة الطويلة المترابطة تقـوم على الفعل المضارع يحاول أن يؤسس جماليات معايشة اللحظـة، ومعهـا تـغـدو التفاصيل الدقيقة حيـاة كاملة. وهـل يملك زينهم الا اللحظة؟ يندفع الخطاب عبر الأفعال المضارعة يصف المكان، وحركات زينهم، وحركات الفرس، وتتضـام التفاصيل معا لتنصهر في عـالم وأحـد، تاريخـه تاريخ اللحظة لا الزمن الممتد. ولا يفوت القارئ أن يلحـظ الظرف «حين» يتكرر في القصة، يمسك باللحظة. ولا يفوته قوله عن صرير البـاب: «زاعقـا وممطوطا كـان»، يحاول أن يدفع كان بعيدا الى الوراء لتتقدم اللحظة الحيـة ويظهر الجنس في تواصله مع بائعـة الخضار لواحظ لأن جماليات اللحظةجماليات تواصل. ثم تظهـر كـان مـرة ثانية مرتبطة بالفعـل «يتذكر»، ومتظرفة بالظـرف «حين»، ومستعملة على نحـو يشير الى التواصل:«كانت تلـح وكان يقول». وتنخرط«فتحالنوافذ»، و «أيـامهنـد»، في ذات الجماليات. ويشعر القارئ أن فتح النوافذ ليس مراهقـة البلوغ فحسب، لكنـه انفتاح الوعي على خبرات التواصل وكذلك كانت «أيامهند». تقول الفقرة الأولى من «فتح النوافذ»:
«ينفض الصبح يده من سمار الفجر، ومن خلف النافذة القديمة، أراه عيونًا صافية، وبقعًا فضية، تتمطي على جدران الحجرة، وسريرنا القديم، وأنا متكوم تحت قدمي أبي وأمي، يتوق قلبي الصغير لنور الخارج، ورؤية بنت العرب، وغنماتها تسوقهن بخيزرانتها الطويلة، التي هي اطول من خيزرانة أبي، المبرقشة بحروق الضرب، والمخفية فوق الدولاب، حيث لا تطولها يداي، وتطولها يداه بلا عناء.»
يتصدرها الفعل المضارع بقدراته الوصفية على استكناه اللحظة. ويسلم الخطـاب نفسه لصوت الراوي المتكلم بضمير الأنـا، فيغـدو الخطـاب محاولة من الوعي أن يضم تفاصيل العالم في خبرة واحـدة متلاحمة متواصلة. من هنا كانت اراحـة السمرة المظلمة التي تلبست كل شيء في تواصـل العاشقين في «خرير»، والتي عاش فيهـا ترزاكي وحنجل. من هنا كان الصفاء،والفضة. وتمطى الظـلال على الجدران مثـل تضاخم الظـل الواحـد بلا معـالم في «خرير»، تواصلالأشياء. ولا تعـدم في الفقرة، وفي القصة، عناصر الموقف الأوديبي، الابن يصارع الأب من أجل الأم وتستطيع أن تقرأ في بنت العرب – كالمرأة البدوية في رواية «قلب الليـل» لنجيب محفوظ – رمزا لقـوى الطبيعة الغريزية. وشهوتها العارمة، وتستطيع أن تقفـز بوعيـك فتسقط عليها دلالات سياسية بعيدة. لكنها في جميع الأحوال عنصر لا غناء عنه في موقف التواصل. والخيزرانة مع البنت، ومع الأب، علامة الألم؛ فالتواصل يحتاج الى الم، يشبه الخوف في «خرير»، ويشبه احتمال سخرية الأطفال في “حنجل” احتمل الوعي ألـم العقـاب، فأصبح جديرًا بألم أكبر يتهيأ معه للتواصل:الختـان. لكن الألم الجسدي ليس كل شيء، الأهـم نضج الوعي. هـذا النضج يتحقق عبر وثبات، لهذا أقيمت القصة على فقرات مفصولة نقاط وسط الصفحة،والوعي يثب عبرها،لكي يستطيع عبر النوافـذ المفتوحة، أن يستوعب العالم، ويتواصــل معه.
ه ـ نحـن أمـام خـطـاب قصصي يعتمد على الجملة البسيطة، يستعيد وجوهـًا عـابرة، ولحظات متفلتة، يستوقفها،ويستحضرها، ويقدمهـا حية بسيطة يجتهـد لكي يجعلنا نغفل عن خلقـه للـغـة والـعـالم، فيخدعنا بساطة الجملة، وظهـور الـعـامي في قلب الفصيح ويفضي هـذا الخطـاب برسالة تعلن أن حياتنا مزيج من الموت والجنس، النسيان والتذكر، التقاطع والتواصل. ويؤكد أن التواصل ممكن ـ برغم الألم. وينـوع في تقنياته وجمالياته كي يستكشف جوانب رؤيتـه للـعـالم، وهي رؤية جمالية اجتماعية متنوعة الشرائح، فقـراء (الشاروقة ـ زينهـم ـ وجـه حنان المحترق)،مهمشين (منسي ـ حنجـل)، أرستقراطيين (ترزاکي)، مكافحين مقاتلين (فوازمطاوع)، أبنـاء الطبقة الوسطى من مسلمين ومسيحيين (دانيـال ـ هـدى كمال)، وممثلين عن الثقافة الشعبية (منسي – حنجـل)، وثقافة غازية (كارتون) في عـالم الاستهلاك. هـذا التنوع الخصـب اجتماعيا وجماليـا عـلامة حقيقية على أن هذا الخطاب جدير بأن تفتح له النوافذ
د. مجـدى أحمد توفيق
قصة: د سيد شعبان
التخفي وراء الأبواب المغلقة لن يجلب النور للعينين،تلك حكمة قرأها لأحد حكماء ما وراء النهر الذي يفيض عسلا،ومن يومها بدأ يشتري أغراضه من هؤلاء المارين على الأبواب،أجسادهم النحيفة،
القدس فى عيون مصرية
سيد الوكيل
قامت الهيئة العامة لقصور الثقافة بمصر ـ فى الآونة الأخيرة ـ على إصدار سلاسل كتب نوعية ومتخصصة ، تهدف لتوسيع التناول المعرفى بما يناسب عصر المعلوماتية ، فهى ذات طابع تأريخى وتوثقيى يتجه إلى إحياء ذاكرة الأمة والتنقيب فى تراثها الثقافى والحضارى بغية إجلاء معنى علمى وثقافى للهوية داعم لذلك القائم على المعني العرقى أوالدينى الذى لم يعد أى منهما كافياً لإقناع العالم الحديث الذى ينهض على قيم التعدد والتجاورويمتثل للمنطق والقانون بديلاً عن العاطفة والعصبية وإذا كانت الثقافة هى ميدان الصراع والتنافس بين المجتمات،حتى أن أكثر القضايا حساسية فى العالم تصبح ذات صبغة ثقافية ، فإن التأكيد على الصفة الثقافية للهوية هو مطلب أساسى ، ودور داعم للدور السياسيى الذى لم يعد وحده قادراً على مواجهة التحديات الجديدة ، كتلك التى تجد لنفسها امتداداً واسعاً فى وسائط الاتصال الحديثة على روابط الشبكة العكنبوتية والفضائيات فضلا عن وسائط الاتصال التقليدية على صفحات الكتب والصحف .
ولعل من أبرز هذه السلاسل التى أصدرتها الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة سلسلة ( هوية المكان ) ، التى صدر الكتاب الأول منها عن مدينة القدس .
وإذا كانت السلسلة موجهة أساساً إلى القارئ المصرى ومهتمة بالتعريف بالهوية الثقافية المصرية فى إطار مسح جيوثقافى للمدن والمعالم الكبرى فى مصر ، إلا أنها اتخذت مبادرة محمودة ، حين حرصت على أن يكون الكتاب الأول فيها عن القدس ، باعتبار القدس تمثيلاً للهوية العربية كلها ، فضلا عن المكانة الخاصة للقدس فى عيون المصريين والمتأصلة فى وجدانهم حتى من قبل الفتح العربى والإسلامى لها ، وحيث كانت مصر المسيحية موطنا للكنيسة الشرقية ، وملاذا آمنا للمسيحين الأوائل الذين فروا تحت تأثير الاضطهاد الرومانى ، ولا غرابة فى ذلك ، مادامت مصر كانت قبلة السيدة العذراء فى رحلتها المقدسة هربا بالسيد المسيح فى طفولته ، ومازالت آثار تلك الرحلة شاهدا على عمق العلاقة الوجدانية بين مصر والقدس، فى الوقت الذى لم تظهر هذه العلاقة عربيا إلا بعد رحلة الإسراء ، حيث أصبحت القدس قبلة المسلمين الأولى ، ومن ثم فإن مكانة القدس لدى المصريين هى مكانة مضاعفة .حتى ليمكننا القول أن القدس بالنسبة لأى مصرى تسكن فى العين والقلب معاً .ولعل هذه الارتباط الوجدانى ينعكس على طبيعة الصراع العربى الإسرائيلى ،حيث تتحمل مصر النصيب الأكبر فى تحريك هذا الصراع من أجل غاية تضمن الحقوق التاريخية للشعب الفلسطينى ، وهو تحريك قد شمل مستويات عدة ، فغير المستوى العسكرى الذى خاضت فيه مصر حروباً عدة ، فإن مصر قد خاضت ـ أيضاً ـ حروبا سياسية وإعلامية بل وقانونية ، إذ تظل القدس واستعادتها قرة العين هدفا لابديل عنه ، أما وقد أصبح المستوى الثقافى الآن أبرز ميدان التنافس الدولى ، فقد كان من المهم الانتباه المبكر إلى هذا المعترك ، الدخول إليه عبر روافده المختلفة وقنواته المتعددة .
ولقد تصادف صدور كتاب ( القدس العتيقة … مدينة التاريخ والمقدسات ) فى الوقت الذى تجددت فيه عمليات الحفر الصهيونى تحت المسجد الأقصى ، حيث تجوس أصابع الصهيونية فى التراب المقدس بحثاً عما يزعمون أنه وجودهم التاريخى فى القدس ، هذه مفارقة من المهم أن ُتقرأ فى سياقها ، ففى الوقت الذى تتعنت فيه الصهيونية لإثبات حقوقاً مزعومة فى الأرض الفلسطينية ، مرة بالقتل والتدمير وأخرى بالتشريد والعسف ، وثالثة بالحفر وسرقة التاريخ ، فإن مؤرخاً واحداً يستطيع أن يقدم بالكلمة والصورة عشرات ، بل مئات من الأدلة والوثائق والشواهد التى مازالت ماثلة للعيان على عروبة القدس .
أما مؤلف الكتاب فهو المؤرج المصرى( عرفة عبده على )
الذى قدم من قبل سلسلة من الدراسات السياسية تدور فى معظمها حول القضية الفلسطينية . وتحذر فى بعض جوانبها من المخططات الصهيونية التى تسعى لتهويد القدس .
وفى هذا الكتاب، يؤكد المؤلف على أهمية الدرس الثقافى والحضارى للقدس إلى جانب الدرس السياسى لها بوصفها مركزا مجسدا للموضوع الفلسطينى ، فالقدس كانت ولا زالت موضوعاً لعديد من الكتب والإصدارات لكونها قد أصبحت رمزاً للنضال العربى الفلسطينى ضد الاحتلال الصهيونى ، وقبل ذلك هناك الكثير من المؤرخين العرب الذين تناولوا القدس وأرخوا لها ـ خاصة إبان الفتح العربى ـ غير أن مجمل هذه الكتب تراوح بين الموضوعين السياسى والدينى ، فقد انشغلت أكثر الإصدارات الحديثة بتحديد وضعية القدس فى مواجهة عمليات التهويد المتعمد ، والاعتداء المنظم على مقدساتها الإسلامية والمسيحية ، وعلى معالمها العربية والإسلامية ، كما أن الكتب العربية القديمة ، توقفت عند القدس بوصفها مكاناً مقدساً فى العقيدة الإسلامية ، مثلما انتبهت ـ أيضاً ـ لتاريخها السياسى ولاسيما فى فترتى الفتح العربى والحروب الصليبية ، وحيث أحتلت القدس قلب المشهد السياسي فى ذلك التاريخ ، وكانت بمثابة ساحة الحسم التى تشهد بالسيادة عبر الصراع العربى الصليبى ، كما هوالشأن الآن فى الصراع العربى الإسرائيلى ، ولقد اعتبر دخول قوات صلاح الدين الأيوبى من أبواب القدس ، نهاية رسمية تحسم سلسلة الحروب الصليبية لصالح العرب .
غير أن هذا العرض التاريخى الموجز ، يعنى أن النظرة العربية إلى مدينة القدس ، انصرفت ـ عادة ـ بين الموضوعين الدينى والسياسى ، بحسب اختلاف زوايا النظر بين المؤرخين المسلمين العرب وبين المؤرخين الأجانب .
وغير هذا ، هناك عشرات من الكتب الإسرائيلية الحديثة التى عمدت إلى التزييف والتزوير وخلط الأوراق وتشويه المعالم والوقائع والثوابت التاريخية لصالح المشروع الاستيطانى فى القدس . وإذا كانت النظرة العربية تمنح القدس هذه المكانة الخاصة حتى لتغدو معادلاً لقلب العروبة وشرفها ، ولا غرابة فى ذلك ، فهى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وملتقى الأديان السماوية الثلاث التى صدق بها المسلمون ، وإذا كانت القدس تحتل كل هذه المكانة فى الوعى والنفس العربيين ، فإن مشروع تهويد القدس ، يبرز بوصفه معركة ثقافية بامتياز ، ولعل التأكيد الثقافى على هوية القدس داعم لمسارات التفاوض وأشكال المنازلات الأخرى بغية ترسيم الحدود العربية لمدينة القدس .
وهكذا .. فإذا كانت السلسة تعنى بهوية المكان ، فإن صدور العدد الأول فيها عن القدس كان بمثابة تأكيد ضمنى على أن القدس هى المعادل المكانى للهوية العربية كلها .
لاحظ مؤلف الكتاب أن النبرة الحضارية والثقافية أقل خفوتاً فى التأريخ للقدس ، فى مقابل النبرة السياسية والدينية ، كما لاحظ أن النظرة الدينية للقدس موزعة بين المؤرخين المسلمين والمسيحين كل بحسب عقيدته ، لهذا فإن من مآثر هذا الكتاب ، هو الالتفات إلى البعدين الحضارى والثقافى المرتبط بإنسان المكان وإعماره له ، بعيداً عن النظرة الدينية ، ومن ثم فإن الوصف والتوثيق يشمل المعالم والآثار الإسلامية والمسيحية جنباً إلى جنب ، بما يدعم الموضوعية العلمية التى حاول الكتاب انتهاجها .
يركز الكتاب على البعدين الحضارى والثقافى من حيث اعتبارهما أفقين فسيحين تتجلى فيهما عروبة القدس ، وهذا بجانب البعدين الدينى والسياسى بطبيعة الحال . ومن ثم يقسم الكاتب كتابه إلى خمسة فصول ، يتضمن الفصل الأول عرضاً جغرافياً وتاريخيا للمدينة المقدسة ، إذ يذهب فى عرضه التاريخى لأبعد ـ كثيراً ـ من الفتح العربى ،وبالتحديد منذ النزوح الأول لليبوسيين ( 2500 ق. م) بوصفهم قبائل كنعانية من بطون العرب ، وهو أول تأسيس للمدينة تذكره كتب التاريخ ، فى حين كان الدخول الأول لليهود إليها عام ( 1006 ق. م ) عندما استولى عليها الملك داوود وأسس مملكته فى فلسطين وجعل القدس عاصمة لها، وقد استمرت مملكة داوود دولة لليهود حتى سقطت على يد الملك الآشورى ( شلو منصر ) الذى قام على سبى اليهود وطردهم من المدينة .فكان شتاتهم الأول .
ويشرح المؤلف ، أن فترة إقامة اليهود فى فلسطين لم تخل من قلاقل وحروب مع الجيران العرب بغية استردادها ، وهى حروب حفظها التاريخ وذكرتها التوارة ، بما يعنى أن أهمية القدس بالنسبة للعرب أهمية تاريخية.وأن العرب ـ عبر التاريخ كله ـ لم يستسلموا لاستاثار اليهود بالقدس .
غير أن المصريين القدماء ـ وحدهم ـ هم الذين تمكنوا من استرداد القدس ، وطرد الآشوريين منها ، وفى ذلك الوقت كان ثمة وجود محدود لليهود فيها بوصفهم قبائل بدوية تعيش على هامش المجتمع وخارج حدود المدينة المقدسة ، وإن نجحت هذه القبائل فى استرداد عافيتها مرة أخرى فى ظل السياسة المتسامحة للمصريين ، حتى سقطت القدس فى يد البابليين ، الذين أستأصلوا شأفة اليهود من المدينة ، فيما عرف بالسبى البابلى .
يمضى الكتاب فى تتبع الدول التى تعاقبت على القدس ، مثل دولة الفرس وجيوش الإسكنر المقدونى وحتى الدولة الرومانية ، هكذا ظلت القدس مطمعاً ومغنماً تسعى إليه كل الدول القديمة والحضارات القديمة ، حتى تمكن العرب من استردادها مرة أخرى إبان الفتح العربى على يد ى أبى عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد ، وكانت زيارة عمر بن الخطاب إلى بيت المقدس ( 636 م ) بمثابة تثبيت للوجود العربى فيها ، وإعلان لأهمية القدس ومكانتها فى قلب كل مسلم بوصفها أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ، وملتقى الأديان السماوية ، حيث أسرى بالرسول إليها ومنها كان معراجه.
يختص الفصل الثانى من الكتاب باستعراض مفصل للحكم العربى لمدينة القدس ، بدءاً من الدولتين الأموية والعباسية ، مروراً بعصر الدويلات وسلاطين المماليك حتى عصر الإمبراطورية العثمانية التى لم تنجح ـ فى أواخر عهدها ـ فى الحفاظ على مدينة القدس وتركتها بسهولة للا نتداب البريطانى الذى سلمها ـ بدوره ـ إلى الكيان الصهيونى ، ليكون ذلك بداية لحقبة من الصراع العربى الإسرائيلى مازلنا نشهد فصولها المأساوية ، ونعاين ممارسات الصلف والاستبداد الصهيونى وتعدياته التى تجاوزت رغبتة الخبيثة فى الاستحواذ على المكان إلى رغبة أشد خبثاً فى لاستحواذ على التاريخ وسلب هوية المدينة المقدسة .
ولقد بدأ الاهتمام العربى بالقدس منذ اللحظة الأولى لخضوعها تحت حكم الدولة الأموية فى عهد الخليفة ( معاوية بن أبى سفيان ) ، بما يعنى وعى العرب الأوائل بها وبمكانتها التى تأكدت برحلة الإسراء المقدسة ، لهذا فإن الخليفة معاوية عهد بولايتها إلى (سلام بن قيصر ) وأمر بإجراءالإصلاحات و الاهتمام بأسوارها القديمة وإعادة ترميم مبانيها والعناية ببساتين الكروم والزيتون فعادت القدس مقصداً للتجارة والزيارة .
غير أن المكانة الدينية للقدس زاد الاهتمام بها فى عهد الخليفة عبد الملك بن مروان ، الذى بنى قبة الصخرة المشرفة ، المكان الذى بدأ منه العروج بالرسول الكريم ، ثم بدأ بناء مسجد قبة الصخرة ويعتبر أول مسجد جامع يشيد فى بلاد الشام ، وحيث كانت المساجد حتى هذه اللحظة بسيطة ، كمجرد مواضع للصلاة ، ولقد بدت القبة وخلفها المسجد آيتين معماريتين لفتتا الانتباه إلى مكانة القدس الدينية لدى المسلمين ، حتى فتن الناس بهما ، وصار من يزعم أن بناءها تم بنية صرف الأنظار عن الكعبة المشرفة .
وهنا تجدر الإشارة إلى أن خلطا يصير بين الناس فى عصرنا بين مسجد قبة الصخرة والمسجد الأقصى ، فالمسجد الأقصى بناه الخليفة عبد الملك بن مروان، خلال فترة حكمه ، وجعله على مقربة من مسجد قبة الصخرة ، لكنه لفت الانتباه باتساعه وطرازه المعمارى الفخم حتى حظى بالاهتمام الأكبر بين علماء المسلمين فسرعان ماتحول إلى جامعة لدارسى القرآن الكريم وعلوم الشريعة .
ولقد توالى الاهتمام بهذه المزارات الإسلامية على مر العصور حتى صارت رمزاً عربيا وإسلاميا ، وهو ما يفسر رغبة الصليبين فى تخريبها ، فبعد دخول الصليبيين القدس ( يوم الجمعة من شهر شعبان 492 هـ ) كان المسلمون من سكان المدينة قد تجمعوا فى الساحة بين المسجدين كملاذ آمن ظناً منهم أن الصليبيين سيحترمون حرمة المكان ، غير أن الصليبيين أحتفلوا بانتصارهم هناك بعد أن أقاموا مذبحة مخذية راح ضحيتها أكثر من سبعين ألفاً من المسلمين المسالمين . كما قام الصليبيين على سرقة كنوز المسجدين وتخريب قبة الصخرة بعد أن وضعوا عليها الصليب ، وبعد عودة القدس للحكم العربى على يد الناصر صلاح الدين الأيوبى ، أعاد ترميم المزارات المقدسة وإعادها لما كانت عليه من رونق وبهاء كما أزال الصليب عن قبة الصخرة .
ولم يكن العمران وقفاً على المزارات الدينية الإسلامية إذا كانت صايانة المزارات المسيحية ـ التى أقيمت خلال الحكم الصليبى ـ عهدا على صلاح الدين الأيوبى ضمن عهود حماية المسيحيين من سكانها ، وبهذه الوضعية صارت القدس على نهج التسامح والتعدد والتجاور لتتحول إلى قبلة للديانات السماوية الثلاثة .
وكان من بين الاهتمام العمرانى للقدس العمل على ترميم أسوارها وأبوابها وأبراجها ضمن التحصينات الحربية لها بعد أن اتضحت أهمية القدس الاستراتيجية والحربية فى حسم الصراعات بين العرب والصليبيين .
وقد ركز الفصل الثالث من الكتاب على التكوين العمرانى والحضارى للقدس العربية ، ويعرض للآثار والمنشئات الدينية ( الإسلامية والمسيحية ) والمدنية والعسكرية التى بلغت أوجها فى عصر الدولة الأيوبية ، وكذا فى عصر دولتى المماليك البحرية والبرجية واستمرت حتى منتصف العصر العثمانى حين بدأت مظاهر الضعف والشيخوخة تدب فى مفاصل الدولة العثمانية .
هنا يبدأ الكتاب فى ذكر توثيقى للمساجد والمدارس والدوواين والبيوت ومظاهر العمران كافة ، لكل دولة من الدول العربية التى تعاقبت على حكم القدس ، وقد تدهشنا غزارة المعلوات عن الزوايا والربط الأبواب التاريخية للمدينة ، فضلاً عن الترب والقبور الشهيرة والأسبلة والخوانق والمكتبات التى حوت نفائس الكتب والوثائق الشاهدة على عروبة القدس .
وقد اختص المؤلف المزارات المسيحية بجزء كبير ومفصل من الفصل الثالت مثل : كنيسة القيامة وكنيسة المهد وكنيسة الصعود ودير الآباء الفرنسيسكان ودير مار أنطونيوس ودير السلطان الذى وهبه السلطان صلاح الدين لأقباط مصر ، فنسبوه إليه امتناناً واعترافاً بروح التسامح التى حظى بها المسيحيون تحت الحكم العربى .
وتعد كنيسة القيامة أبرز وأهم المزارات المسيحية فى القدس ، وتمثل ذروة الترف المعمارى لما تحوية من تيجان ومجوهرات وزخارف ذهبية ، ومن الطريف أن سدنة كنيسة القيامة ،وحملة مفاتيحها مسلمون ، ينتسبون إلى أسرة الصحابية الجليلة ( نسيبة بنت كعب ) ، وقد توارثت هذا الشرف منذ عصر صلاح الدين الأيوبى بعد اختلاف الطوائف المسيحية على من يحوز هذا الشرف ، ومن المعروف أن هذه الكنيسة تضم بين جنباتها القبر المقدس ، وممر الجلجلة ، وشيئا فشيئاً اتسعت رقعة الأرض التى تقوم عليها كنيسة القيامة ولحق بها العديد من الأديرة والكنائس الصغيرة والمبانى الكنسية المختلفة .
أما الفصل الرابع من الكتاب ، فيتوقف عند القدس فى كتابات الرحالة ، وحيث كانت المدينة مقصداً للحج ومزاراً مقدساً ، فضلا عن الولع الخاص بالقدس عند المستشرقين الذين تناولوها فى كتاباتهم وصوروها فى رسومهم ولوحاتهم ، ومن الرحالة المشاهير الذين أرخوا للقدس : دانيال الراهب ، وهو القديس الروسى المعروف وكذا الرحالة الفارسى ناصر خسرو علوى ، ولقد تناوب على تأريخ القدس ووصفها بعض الرحالة والمؤرخين العرب من أمثال : ابن بطوطة والمقدسى ، ومن الطريف أن الكتاب يتوقف عند الرحالة اليهودى بتاحيا الراتسبونى ، الذى زار القدس ( 1174 م ) ، وكتب عنها ، بما يعنى أن القدس وحتى هذا الوقت كانت مدينة مفتوحة لأتباع الديانات الثلاثة بقصد الحج والسياحة الروحية بلا تمييز أو عنصرية .
ولقد كان الطابع الغالب على الرحلة إلى القدس هو الحج والزيارة المقدسة ، ومن ثم حج إليها العديد من العلماء ورجال الدين ، وسجلوا مشاهداتهم وملاحظاتهم التى لم تخل من اجتهاد علمى أفردت له صفحات من الكتب مازالت مرجعاً هاماً ومقصداً معرفيا لباحثين فى تاريخ المدينة ، ومن هذه الكتب : “كتاب الأنس فى فضائل القدس ” لبهاء الدين بن عساكر و “والأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل ” لمجير الدين عبد الرحمن العليمى قاضى القدس فى أواخر العصر المملوكى وكتاب ” إتحاف الإحصا لفضائل المسجد الأقصى ” لكمال الدين السيوطى ، و” الجامع المستقصى فى فضائل الأقصى ” لأبى محمد بن على بن عساكر ، وكتاب ” باعث النفوس إلى زيارة القدس المحروس ” لبرهان الدين الفرازى .
ولدى المسيحيين ، فقد نشأت عادة الزيارة المقدسة إلى القدس فى القرن الرابع الميلادى إبان عهد الأمبراطور قسطنتين الذى جعل من المسيحية دينا رسميا للإمبراطورية الرومانية فشجع الحجيج إليها وعنى بالمزارات المسيحية .
وقبل ذلك كان اليهود يحتفلون بأعياد ثلاثة فى القدس من كل عام امتثالا لما جاء فى الإصحاح الثالث والعشرين من سفر الخروج : ” ثلاثة مرات تعيد لى فى السنة ” ، وهذه الأعياد هى عيد الفطير ( الفصح ) وعيد الحصاد وعيد الجمع ، وهى أعياد يكون الاحتفال بها قاصراً على الذكور من دون الإناث ، ولقد حرم قسطنتين على اليهود دخول القدس ، وظل هذا التحريم قائما خلال فترة خضوع القدس لحكم الإمبراطورية الرومانية ، وعندما وقعت القدس تحت الحكم العربى بعد فتحها ، سمحت لليهود ببمارسة شعائرهم واحتفالااتهم ، وبعد سقوط القدس فى يد الصليبيين منع اليهود من دخول القدس مرة ثانية إلى أن استعادها صلاح الدين اليوبى فسمح لهم بدخولها وممارسة شعائرهم من جديد ، ومنذ تلك اللحظة ظلت القدس مقصداً للرحلة الدينية من تابعى الأديان الثلاثة .
ينتهى الكتاب بالفصل الخامس تحت عنوان : ” تهويد القدس ” ، ويعرض للممارسات الصهيونية الهادفة لتهويد القدس وطمس هويتها العربية ، وما يتبع ذلك من سرقة للأرض والتاريخ وتدمير المقدسات ، والخطط الهيكلية والتوسعية والاستيطانية الرامية إلى الاستيلاء على القدس ، ويتضمن هذا الفصل مناقشة سياسية للاتفاقيات والمباحثات التى تدور فى أروقة السياسين حول القدس ومصيرها الذى مازال معلقاً وغامضاً وملتبساً باساليب التآمر والتشويه ، فيما تظل القدس عربية فى قلب كل عربى ، ورمزاً مقدساً معادلاً للهوية العربية .
يقع الكتاب فى 150 صفحة من القطع الكبير ، ويتضمن مجموعة كبيرة من الصور النادرة ، فضلا عن لوحات خالدة رسمها فنانون مستشرقون هاموا عشقاً فى القدس أو بيت المقدس أو أور شالم أو مدينة الله .
ومن الجدير بالذكر أن هذه السلسة تصدر تحت إشراف الروائى إبراهيم عبد المجيد ، ومدير التحرير الناقد سيد الوكيل .
صورة نادرة لقبة الصخرة من الداخل
بقلم: سيد الوكيل
البحث عن حلقة وسيطة بين الأصالة والمعاصرة شغلت مساحة كبيرة فى أدب نجيب محفوظ ، كما هو الحال عند الكثير من كتاب ومثقفى جيله ، بحيث يمكن اعتبار هذه القضية هى الأكثر إلحاحا بين قضايا الحداثة العربية، ومنذ جمال الدين الأفغايى ورعيل كبير من تلاميذه ومثقفي عصره .ربما كان لدراسة محفوظ للفلسفة دور كبير فى تكوين نزعة الجدل الفكرى بين الأضداد التي تأتى على رأسها أنماط الصراع النفسى والفكرى بين الميتافيزيقى والفيزيقى ، بين إملاءات السماء والتعاليم الدينية من ناحية ورغبات الإنسان وغرائزة من ناحية أخرى .
والنماذج التى طرحها نجيب محفوظ فى رواياته كمحاولة للتوفيق بين هذه الثنائية القديمة ، كانت تنتهى عادة إلى فشل ذريع ، ليس فقط لأنها كانت تحاول الجمع بين طرفين كل منهما على نقيض الآخر، ولكن ـ أيضاً ـ لأن الإنسان المعتد بعقله ، يظل قاصرًا طوال الوقت عن فهم الطرف الآخر في العلاقة ، جاهلاً بتدابير السماء حيث يفرض القدر كلمته فى النهاية .
فى رواية قلب الليل ، كان سعد كبير نموذجًا للمثقف الحداثى ، علمانى ودارس للفلسفة ، وقارىء نهم فى كثير من فروع العلم والديانات ، أخذ على عاتقه وضع نظرية توفيقية أخذت أطرافًا من الماركسية والاشتراكية والفلسفة وعلوم الدين ، رآها جعفر الراوى (بطل الرواية ) مجرد هراء ومحاولة للتلفيق بين سياقات مختلفة ، لهذا قتل الراوى سعد كبير ، وقرر أن يضع بنفسه نظرية جديدة ، لا تلتزم سوى بصوت العقل العلمي والجدل الفكري ، هو آمن بقدرات العقل الإنساني على حل كل معضلات البشر ، لكن محفوظ يسخر من قدرات العقل الإنساني على قيادة العالم بعيدًا عن الإيمان بالله ، فى الحقيقة لم يكن جعفر الراوى مثقفًا ، ولكنه آمن بقدرات العقل وحده ، وفى لحظة واحدة تهاوى العقل ، عندما امتدت يده لقتل سعد كبير ، وأمضى باقى عمره فى ظلام السجن ، خرج منه مجنونًا فاقدًا لكل عقل، وبهذه الطريقة يسخر محفوظ من العقل الإنسانى المغتر بقدراته ويسخر من قدرة الإنسان على أن يكون سيدًا على الكرة الأرضية .فعلى الرغم من كل أشكال التقدم العلمى وعلى الرغم من بلوغ العقل الإنسان غاية عظمى من السيطرة على مقدرات الحياة ، يظل للسماء كلمتها الأخيرة ، لهذا فإن عرفة ( رمز المعرفة العقلية واليقين ) لم ينجح فى حل مشاكل الحارة فى رواية ( أولاد حارتنا ) وعلى الرغم من أنه أعلن موت الجبلاوى ( الدين ) إلا أن الناس فى الحارة ظلت تنادي على الجبلاوي من جديد لينقذها مما هي فيه ، لهذا فإن خلاصة الموقف الفكري في هذه الرواية هي أن الحياة لايمكنها أن تستمر سوي من خلال التوازن بين اليقينى والغيبى .
وإذا وضعنا فىي الاعتبار أن الحداثة في هذا الوقت ـ مثلت أقصى درجات الإيمان بالعقل وقدرات الإنسان إلى درجة نفى الغيبي ، بل وجعلت العقل تمثيلاً لميتافيزيقا الحداثة الغربية بديلاً للميتافيزيقا الدينية في القرون الوسطي ، فمعنى هذا ، أن محفوظ ينتصر للغيبي والديني معاً ، ويسخر ـ فى نفس الوقت ـ من الإيمان الكامل بفلسفة الحداثة الغربية وهو موقف يعني ، أن نجيب محفوظ الذي درس وتربى عقله على الفلسفة الغربية لم يكن مجرد متلقٍ لها يردد أفكارها كالببغاء بل، يمتلك وعيًا جدليًا يمكنه من نقدها واختبارها عبر ثقافته الدينية ..
غير أن هذه المرجعية الدينية لنجيب محفوظ ، لم تمنعه أيضًا من نقد الخطاب الدينى بوعى يجعله يفرق بين الدين والخطاب الدينى ، فالخطاب الدينى هو اجتهاد بشرى لفهم الدين ، معرض للخطأ والصواب ، لهذا كانت نظرة نجيب محفوظ للإيمان من حيث هو جوهر يجسد قيم الجمال والخير والعدل ، إنه أعظم وأكبر من مجموعة من الأوامر والنواهى والعبادات التى يراها تالية للإيمان لتثبيته وتعميقه ، قد تختلف بين الأديان السماوية ، غير أن جوهر الإيمان نفسه يظل واحدًا بينها جميعًا .
وفى قصص نجيب محفوظ رجال يواظبون على العبادات ، لكنهم لايتورعون عن ظلم الناس وأكل حقوقهم بالباطل، وفى مقابل ذلك سنجد رجالاً وصلوا إلى جوهر الإيمان ، فجسدوا قيّمه ويصبحون ملاذًا للضالين والمظلومين والمقهورين من بنى البشر ، فسعيد مهران بطل رواية ( اللص والكلاب ) لايجد ملاذًا له سوى عند شيخ الزاوية الذاهد ، وفى رحاب الشيخ يشعر بالنور يملاء قلبه وتفعمه بالسكينة ، فى البداية ظن سعيد مهران أنه سيجد الأمان فى أحضان ( نور ) صديقته القديمة ، لكنه يظل عندها مؤرقا وممسوسا بفكرة الانتقام ، وعندما يصل البوليس إليه يهرب ، ويحتمى بزاوية شيخه ، وهناك يغتسل قلبه بالنور وتنزله السكينة ويذوب بين رجال الحضرة . وفى هذا الموقف يرسى نجيب محفوظ مبدءاً هامًا ، هو العدل ، لقد ارتكب سعيد مهران جرائم قتل وسرقة، ومن ثم يصل البوليس إليه .
مأساة سعيد مهران الحقيقية أنه ظن العدل مسألة بشرية خالصة ، هذا الإيمان بالعدل البشرى هو ما دفعه إلى سرقة الأثرياءْ وفق قيم الماركسية التى علمها له رؤوف علوان الصحفى ، وهو ما دفعه للانتقام من زوجته وعشيقها . كان مهران يبحث عن العدل ويرى أن تحقيقة لايكون إلا بالقوة متناسيًا تمامًا العدل الإلهى . وكلما حاول ذلك أخطأ من جديد وقتل أبرياء لاذنب لهم . المغزى من هذه التراجيديا الرائعة أن سعيد مهران لم يكن مسلحًا بالإيمان ولا بالعلم الكافيين لمعرفة ما العدل، وأين هو، أو كيف يحققه ؟ وهو ما لم يدركه إلا بعد فوات الأوان وفى زاوية الشيخ الذاهد .
وهذا الإدراك المتأخر للحقيقة هو مبعث التراجديا الإنسانية فى أكثر روايات محفوظ . لهذا فعلاقة الإنسان المحفوظى مع الزمن مشتبكة ومعقدة ، وهو فى صراع دائم معه ، فجلال صاحب الجلالة فى ( الحرافيش ) كان ممسوسًا بفكرة الخلود والشباب الدائم والبحث عن أكسير الحياة، حتى ظن الناس أنه لن يموت ، لكنهم فى الصباح وجدوه مرميًا فى حوض ماء تشرب منه الحيوانات فى سلام غير مبالية بجثته ، فى الحكاية عظة واضحة عن علاقة الإنسان بالزمن ، فالزمن هو الذى يحدد مصائر الناس يحدد حياتهم كما يحدد موتهم ، بل يحدد أدوارهم فى الحياة ، ففى رواية قصر الشوق وأثناء اختباء أسرة السيد أحمد عبد الجواد فى المخبأ هربًا من القصف الجوى لطائرات الألمان ، وفى الوقت الذى يتوقع فيه الجميع الموت بالقنابل فإنهم يخرجون سالمين فيما عدا السيد أحمد عبد الجواد نفسه..
يمرض الرجل ويفقد الوعى تمامًا ، ويضطر ابنه (كمال) أن يحمله على ظهره ليموت على سريره، فكل عظمة وسطوة الأب تنتهى تمامًا فى لحظة كهذه، ويبدأ دور الأبن ، فالزمن هو الذي يحدد الأدوار .
ولعل رواية ( حديث الصباح والمساء ) التى موضوعها الأول هو الزمن كما يظهر من عنوانها . سنجد كثيرًا من هذه المشاهد والمواقف والعظات،، فبين الميلاد/ الصباح والموت / المساء يوجد زمن الإنسان ، وتتحدد حركته فى الحياة .
وهكذا فالزمن مرادف للقدر عند محفوظ ، وهو مفهوم إسلامى واضح، والقدر عند نجيب محفوظ له تصور يتفق مع المعنى الإسلامي المتداول ( أعقلها وتوكل ) فالقدر ليس مطلقًا تمامًا حتى يصيب الناس بالقعود والتسليم على طريقة ( الحذر لايمنع القدر ) . صحيح القدر موجود وواقع ، ولكنه يأتى على قدر حركة الإنسان فى الحياة .فالعدل الإلهى والرحمة الربانية ، تقتضى توزيع الأقدار على البشر بما يتناسب مع اجتهادهم.
وليس من قبيل المصادفة أن أول روايات نجيب محفوظ هى رواية (عبث الأقدار ) وهى تتشابه فى بنائها مع قصتىّ موسى، ويوسف عليهما السلام.. كما وردتا فى القرآن الكريم ، ومغزاها أن الإنسان لايستطيع أن يدخل فى صراع مع قدره ولايستطيع تغييره ، ولكنه يستطيع أن ينعم به إذا ارتضاه .إن القدر نافذ ولكنه ليس ضد حركة الإنسان فى الأرض بل منظم لها .ففى الرواية يفوز القائد ـ الذي حاول الملك قتله ـ بالعرش بعد أن تأكد من أخلاصه له ، وكان الملك قد عرف بنبوءة عراف أخبره أن هذا الطفل سيرث عرشه عندما يكبر ، يحاول الملك التخلص من الطفل ليحفظ عرشه لابنه ، ولكن القدر أنقذ الطفل ، وجعله أحد حراس الملك وقادته حتى أنه انقذه من مؤامرة شارك فيها ابن الملك ، فكافأه الملك بأن زوجة من ابنته وجعله وريثا لعرشه، وكان الملك قد عرف أن هذا القائد هو نفسه الطفل المقصود بالنبوءة .
والمغزى الذى نفهمه من هذه الرواية ، أن الملك الذى حاول أن يهرب من نبوءة العراف ، نفذ النبوءة بنفسه ، بعدما عرف أن ماقدر له هو الأفضل .
الشخصية الدينية فى قصص محفوظ لها أوجه مختلفة ، منها كما ذكرنا شخصية الشيخ الذاهد فى ( اللص والكلاب ) ومنها شخصية الجد فى ( قلب الليل ) وكذلك رضوان الحسينى فى ( زقاق المدق ) الذى كان ملاذًا لكل سكان الزقاق من المحتاجين وأصحاب الكروب .
والإنسان يمكن أن يصل إلى درجة من التدين البسيط وبالفطرة كالذى وصلته أمينة فى الثلاثية ، فالطريف أن أمينة لم تتمرد على البيت ولم تخرج منه سوى مرة واحدة فى حياتها بعدما اشتاقت لزيارة مقام الحسين ، هذه نزعة دينية بسيطة كما أنها جاهلة تمامًا بشؤون دنياها فهى لاتعرف عن الدنيا خارج بيتها شيئًا ، لهذا تتعرض لمحنة صغيرة عندما تصدمها السوارس ، كما تلقى عقابًا بسيطًا من زوجها.
لهذا فالشخصية الدينية لاتصل درجة من الكمال فى أعمال نجيب محفوظ ما لم تجمع بين العلم والإيمان ، أو بين نمطين من المعرفة ، المعرفة الدنيوية والمعرفة الدينية ، ويمثل عامر وجدى فى رواية ميرامار هذا النموذج ، فهو مثقف بلغ من العمر ما جعله يمتلك الحكمة والخبرة الدنيوية ، وهو فوق ذلك متدين.
يتعاطف عامر وجدى مع زهرة خادمة البنسيون والتى اعتبرها النقاد رمزّا لمصر . كما يتعاطف معها الشاب اليسارى منصور باهى . وفى حين يرتكب منصور باهى جريمة قتل سرحان البحيرى لأنقاذ زهره من براثنه ، فإن عامر وجدى يظهر بمثابة الملاك الحارس لها ، ومن ثم فهو الوحيد القادر على توجيهها إلى التعليم وتوعيتها لحماية نفسها ، لقد حاول كل من اليسارى المؤمن حماية زهره بطريقته الخاصة ، لكن القتل وإراقة الدماء ليس هو الحل عند محفوظ ، بل التسلح بالعلم والإيمان ليكون الإنسان قادرًا على حماية نفسه . ولا غرو أن نجيب ينهى الرواية بآية قرأنية تشير إلى اكتمال المعرفة بنفحة ربانية كما تشمل معانى العدل وأهمية التوازن النفسى والعقائدى ( الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان * الشمس والقمر بحسبان * والنجم والشجر يسجدان * والسماء رفعها ووضع الميزان * وأقيمو الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان * ) إلى آخر الآية الكريمة
يستهدف هذا الكتاب رؤى نقدية لعدد من أعلام السرد المصري الحديث.
الرؤية معنى ذاتي وانطباعي، فيبدو أنه يفارق الموضوعية، ويتجاهل المنهجية البحثية في نفس الوقت، ولكننا نحذر من الأحكام المتسرعة، إذ علينا أن نقرأ المشهد النقدي في كل جوانبه بدقة. ففي عصر المعلوماتية الرقمية، يستطيع (الروبوت) أن يدعم الخطاب النقدي. لتصبح المعلومة بديلا للمعرفة، بما يضيف خطرًا جديدًا إلى جانب الخطر الذي حذر منه (تودروف) من غلبة العقلانية العلمية على الخطاب النقدي. في الواقع نحن نشهد عصرًا، تسوده عقلانية أداتية، وهي وفقًا لمدرسة فرانكفورت ذات نزعة تكنوقراطية تفصل بحدة بين الذات والموضوع، ومن ثمّ يتحول الموضوع إلى وحدة مادية، تُمحى فيه الفوارق وتتساوى الظواهر.
إن ملاحظاتنا على الخطاب النقدي، أن أدواته وإجراءاته تبدو صالحة لكل نص وأي نص، كون هذه الأدوات تهتم بتحقيق غاية ما بغضّ النظر عن قيمتها، عندما تكتفي بسؤال (كيف؟) بدلاً من (لماذا؟) على كل حال هذا واقع لا يمكن تجاهله، ويستدعي تعظيم وظيفة النقد، بحيث يتحرك في اتجاه دعم وتأكيد الحضور الإنساني، قبل أن يتحول الإنسان إلى (روبوت).
ما نعنيه هنا يرقى إلى مستوى المقاومة؛ بغية تأكيد الوجود الإنساني في مقابل خطابات مبرمجة، سواء كانت في صيغة رقمية، أو نظرية تحولت إلى أيقونات مقدسة. والمتأمل للمشهد النقدي الآن، يجده موزعًا بين اتجاهيين: الأول أكاديمي تغلب علية نزعة تكنوقراطية، والآخر انطباعي تغلب عليه نزعة إعلامية.
نعترف منذ البداية، أن اختيارنا لهؤلاء الكتاب ولتلك النصوص بالتحديد، ينهض على دوافع ذاتية بالأساس، أكثر منها موضوعية. لكن؛ هذا لا يمنع من وجود تماهٍ ملحوظ بين الذاتي والموضوعي في الجانب التطبيقي، يلتزم به خطابنا النقدي. إن طريقتنا في تناول هذه النصوص، هي عملية عبور فوق الثنائيات المتضادة في الموروث النقدي. لهذا نستخدم هذا التعبير (رؤية) احترامًا للحدس الانطباعي، ثم يتجاوزه، ليختبر في فضاءات معرفية وعلمية موثقة مثل :الأنثروبولجيا، وعلم النفس، والفلسفة بوصفها علومًا إنسانية بالدرجة الأولى. وعلى ما سبق، يمكننا القول: إن المنهجية التي نتبعها هنا، أقرب إلى التأثيرية الحديثة. ذلك المصطلح المستدعى من عالم الفن التشكيلي. التأثيرية الحديثة لا تستسلم لعفوية الانطباعات الأولى أبدًا، بل تختبرها مرات ومرات؛ مستعينة بعلوم البصريات، بل ويمكن للفنان أن يستعين بأحدث نظريات الفيزياء. لكنه لا يسعى أبدًا إلى تغريب الطبيعة وتجريدها،كما أنه لا يحاكيها فحسب، بقدر ما يغوص في أعماقها ليرى ماوراء الطبيعة. بهذه الطريقة، يمكننا ملامسة ملامح شخصية وأسلوبية للكاتب، تشف فيما وراء السرد. حيث تسكن الخبرات الخاصة للكاتب، التي تظهر في عناصر تكرارية تختبيء بين السطور، وتراوغ بوصفها الجين الوراثي الذي يميز التجربة الإبداعية لصاحبها.
في الواقع، كنت مضطرًا إلى الجنوح في بعض الأحيان، مدفوعًا بنزعة فينومينولجية لتفسير الظواهر المتكررة، سواء كانت أسلوبية، أو موضوعية. مرتكزًا في ذلك على خبرتي الذاتية مبدعًا وناقدًا في آن، بل وقارئًا خبيرًا بتعبير (أيزر) لهذا لا أتردد في الاعتراف – منذ البداية – أن ما سيجده القارئ هنا، لا يراهن على يقين منهجي أو نظري، يزعم الحقيقة المطلقة؛ ولكني لا أتردد في الإفادة منه لدعم يقيني الذاتي. إنها رؤى مشفوعة بحدس إبداعي يضع النص في فضاء واسع، يعطي القارئ الحق في إعادة إنتاجه، عبر إلهامات غير مطروقة وتخصه. ومن ثمّ لا ننكر أن من بين مستهدفاتنا في هذا الكتاب، أن يكون محاولة لرأب الصدع بين الناقد والمبدع، بعد أن أصبح كل منهما يتحرك في مسار مفارق للآخر، بما يجعل الأدب في خطر بحسب تعبير تودروف.
تتفق ملاحظاتنا الشخصية مع تودروف، فالخطاب النقدي في صيغته الأكاديمية/ المهنية لا يضمن الحفاظ على المتعة الجمالية والشعورية التي يراهن عليها النص الأدبي، عندما ينقله من فضاء تخيلي فضفاض إلى آخر عقلاني ملتزم بمرجعيات نظرية؛ كما أن النقد الصحفي مهني بالضرورة أيضًا، يستهدف الإعلام والإخبار وربما الدعاية أكثر مما يستهدف الإبداع نفسه؛ لهذا فثمة ضرورة لإنتاج خطاب نقدي يتجاور بينهما، ويتجاوز الطبيعة المهنية لهما، لتصبح الرؤية النقدية بمثابة نص مواز، يتفاعل من النص الأصلي أملاً في أن يحظى كل منهما بفضاء دلالي أكثر اتساعًا وثراء.
كيف يصبح التناول النقدي لعمل ما، رحلة معرفية ممتعة للقارئ غير المتخصص؟.
ربما كان هذا السؤال هو الأهم في رحلتي مع النقد، تلك الرحلة التي بدأتها مع كتابي (أفضية الذات – 2006م) قراءة في اتجاهات السرد القصصي، ثم كتاب (مقامات في حضرة المحترم) الذي استهدف تقديم رؤية جديدة لنجيب محفوظ.
الآن أشعر بقدر كبير من الرضا عن حصاد رحلتي مع هذا الكتاب، إذ أمكنني أن أجمع فيه بين الناقد والمبدع معًا، لأتنقل بيسر بين أفضية معرفية وجمالية مختلفة.
***
يحتوي الكتاب رؤى نقدية لعشرة من الكتاب، هم على الترتيب: إبراهيم أصلان، أمين ريان، بهاء طاهر، خيري عبد الجواد، سعيد الكفراوي، سيد البحراوي، صبري موسى، محمد المخزنجي، محمد مستجاب، ثم صوفي عبد الله)
لقد تم اختيارهم بالإنصات إلى حدس داخلي فحسب. أعني أن الاختيار لا يشير إلى معيار ية مسبقة، بقدر ما كان رغبة منا في استكشاف مساحات التنوع والاختلاف بين تجربة كل منهم، حتى لو تقاربت المسافات أو تباينت على نحو ما. كما أن ترتيب فصول الكتاب، أبجديًا لا أكثر، ليؤكد لا تراتبية الاختيار. ذلك باستثناء الفصل الأخير المختص بالأديبة صوفي عبد الله.
يمثل هذا الفصل الأخير حالة خاصة واستثنائية في الكتاب. فتجربة صوفي عبد الله، خارج الإطار الزمني للكتاب الآخرين الذين نتاولهم هنا. كما أن تجربتي الشخصية مع كتاباتها ارتبطت بمرحلة أولية من العمر، مشتبكة بالإرهاصات الباكرة في علاقتي بالإبداع السردي، ومن ثم ظلت مشتبكة بمشاعر عاطفية تجعلها طازجة وحاضرة طوال الوقت، فكانت رغبتي في الحفاظ على نضارتها -بعد كل هذه السنين – ملحة.
ليس لدي تفسير لغلبة هذا الشعور: أن أكتفي باستدعاء رحلتي القصيرة جدًا مع صوفي عبدالله، تلك التي عاشت معي حتى الآن، وظلت تستدعي زمنها بكل مشاعره أكثر مما تستدعي كتاباتها. لقد تأكد شعوري هذا، بعد أن اكتشفت صعوبة البحث عن كتابات لصوفي عبد الله. لهذا استسلمت لنداءات النوستالجيا بداخلي، وآثرت أن أميزها بفصل خاص بعنوان: لوحة شرف… لوحة شوف فحسب.