أرشيف الأوسمة: ناتالي ساروت

يقظة القصة القصيرة، بقلم: سيد الوكيل

مبتدأ:

في البدء كانت الحكايات والأساطير، وسيلة الإنسان لتفسير الوجود حوله، وفهم طبيعته الإنسانية، وإمكاناته، ومن ثم وعيه بذاته. هكذا كان الحكي طريقة القدماء للتفكير، لكن فلاسفة الإغريق، أعطونا مفهوما جماليًا للحكاية، فأصبحت فنًا مقصوداً لذاته، لما تحدثه في النفس من لذة جمالية، كما أن الفلسفة أدركت طبيعة العلاقة بين الزمن والحكاية.. الزمن من حيث هو فضاء لوجود الإنسان، وأفق لغيابه.

استمر في القراءة يقظة القصة القصيرة، بقلم: سيد الوكيل

التجريب في قصص محمد حافظ رجب

بقلم : سمير الفيل

في الستينات من القرن الماضي انطلق في سماء الأدب المصري شهاب جديد  , فأضاء سموات الإبداع  , وترددت حينذاك مقولته المشهوره ” نــحن جيل بلا أساتذه ” وكان يعني بها ضرورة  حدوث انقطاع فنى حتي لا يحدث التكرار والاستنساخ بين جيل الرواد الذي يجثم علي صدر الحركة  الأدبيه , وبين جيل جديد يقدم جماليات مختلفة  للنص الأدبي , ويحمل أفكارا مغايرة .

أما هذا الشهاب فهو الكاتب السكندري محمد حافظ رجب , صحيح أن القصة القصيرة  المصرية  كانت تواصل التجريب والكشف عن تخوم جديدة  للتجربة  الابداعية  , وقد تجلي ذلك علي يد عدد لا بأس به من الكتاب مثل يوسف الشارونى  ,  إدوار الخراط , صبري موسي  , و إلي حد ما يوسف إدريس برغم واقعيته المؤثرة  ,إلا  أن محمد حافظ رجب كان يقدم كشفا جديدا , وطرائق في الآداء غير مطروقة , بحيث يصح القول بأنه أحدث انقلابا حقيقيا في القص المصري المعاصر .

والسؤال الذي يصح لنا أن نطرحه هو  : هل أثرت تجربة ” حافظ ” في كتابات الأدباء الجدد ؟

و ما مظاهر التجديد التي حملتها قصص محمد حافظ رجب ، والتي يمكن رصدها بدقة ؟

وللإجابة  علي هذه الأسئلة  يجدر بنا أن نقدم قراءة  نقدية  موجزة للإنقلاب الأدبي الذي قدمه رائد مجيد من رواد القصة  المصرية  , بل العربية.

1

استطاع محمد حافظ رجب في مجموعتيه  ” الكرة ورأس الرجل ”  ,  ” وكائنات براد الشاي المغلي ” أن يقدم حداثة  غير مسبوقة   لا تقف أمام زخرفة  الشكل الخارجي , بإضافة  صبغة شعبية  علي النص الأدبي  فقط ،   لقد أفصح القاص عن نبذ السائد تماما  ,والتمرد علي كافة الأساليب المطروقة  والمواصفات التقليدية  ,  بل أمكنه  التوغل في مناطق تعبيرية  جديدة , وبلغة  طازجة معبأة  بطاقات مدهشة من التخييل الذي لا يحد .

لقد استوعب منجزات تيار الوعي , ووظفه بصورة  رائعة كما استخدم العناصر السريالية  لتتضافر مع ما هو واقعي بشكل لا يمكن معه فصل كل منهما عن الآخر .

واستفاد بوعي كامل  من عطاءات السينما فنراه يقدم المزج والقطع , و ” الفلاش باك ” , والتوازي بين الأزمنة  فيما يسير الحدث في طريقه دون إحساس بالصنعة  او الافتعال   .

2

وقد يظن القارىء أن محمد حافظ رجب ينفض يديه تماما من الواقع , ويقع في أحبولة  التخييل المطلق  ـ وهذا غير صحيح البتة  ـ فقدرة  الكاتب تنتج من إدراكه لعناصر الواقع , والكشف عن علاقاته غير السوية  , وعجنها علي مهل لتتشكل بعد ذلك فتجمع بين الجوهري والعابر , بين العالم المعيش والأنموذج المثالي , وأخيرا بين العيني والمتخيل.

كانت الحياة  مرتبكة في مصر عبر سنوات الستينات , برغم الصعود الثوري , إلا أن رهافه المبدع أدركت الخلل مبكرا , لذا فإن فحص الواقع استدعي الولوج إلي المناطق المسكوت  عنها , ولقد تأكد القاص من حدوث ذلك الشرخ بين ما يقال في الصحف وأجهزة  الإعلام الأخري ،  وبين ما يراه من تفسخ  تنهار معه القيم الأصيلة للمجتمع الذي يرقب تجاوز مشاكله والتخلص من الأطر الضيقة التي طالما قيدته .

تنطوي قصصه علي مفارقة تستحق التريث عندها قليلا , فبالرغم من أن البناء كله تخييلي بحت ,إلا أن عناصره الأولي , ومادته الخام الأساسية  من عناصر واقعية  .

إنه يحذف ويضيف , يكبر ويصغر , لكنه لا يهمل الواقع بكل تفاصيله ،  فنجد ” محطه الرمل ” مسرح أحداث العديد من أعماله  , وتجد ” ترعه المحمودية  ” ,  و ” سوق المسلة  ” وفي كل الأحوال ثمة  امتزاج كامل يجمع النقائض .

إن التواصل مع نصوص الكاتب تتأتي من قدرته علي تركيب علاقات انسانية  بشكل جديد تماما , وبصورة غير جزئية.  إن مفهوم الإبداع لديه اتسع بحيث قدم رؤية سريالية لواقع يفهمه ويعيه ، واقع يدرك مخاطره والثغرات التي يتسلل منها الخصوم لتحقيق مكاسبهم الصغيرة , دون أن يقع في شرك الغموض الأسود .

فلقد حدثت تغيرات كثيرة في الواقع , أمكنه أن يرصدها ويقدمها في شكل فني متماسك , قادر علي طرح الدلالة. وبهذا التصور فإن الواقع هو نقطة وثوب لطرح ما يود قوله في سبيكة فنية انصهرت فيها العناصر جميعها .

3

كان أرسطو له نظريه متقدمة عن المسرح , لكن أفلاطون كان يري أن الفن تقليد لما في الحياة, وهو ـ أي الفن ـ يقول الحقيقة دائما , ويكشف الزيف , لذلك فهو يسهم في إثراء الحياة , وجعلها أفضل .

واختلفت الرؤية مع تقدم الفلسفات وتنوعها , ولم يعد الفن أو الأدب تقليدا فوتوغرافيا للحياة .

فالوجودية مثلا تري أن حياة الإنسان محنة , ولهذا ينبغي أن يتحرر الإنسان من أي سلوك إلزامي أوغريزي .

فالحياة عبء يعاني فيه الفرد من الخـــــــــــــوف الدائم , وعليه أن يتخفف من هذا العبء والشعور بالإثم .

في قصص محمد حافظ رجب لا نجد أصداء للنظرية القديمة التي تري أن الأدب تقليد للواقع , ولا نعثر علي النزعة الوجودية التي تري أن الحياة الإنسانية محنة .

ان المسأله لديه تأخذ أبعادا أخري , فهو يتفهم الواقع , لكنه لايقع في أسره , ولا ينضوي تحت إهابه ، كما أن حرية أبطاله ليست ذات نزوع وجودي .

إن المحنة تنبع من إثم المجتمع نفسه , وتفسخ علاقاته , وعدم التواصل الإنساني الحميم . لذا يبدأ أبطاله حركتهم  من تخوم واقعية, لكنه ـ أي القاص ـ يحررهم من العلاقات الاجتماعية المأزومة ، المتلكئة ، , ويعمق معني الشعور الداخلي , والباطن , واللاوعي . وكلها إشارات تعتمد علي نشاط العقل الإنساني دون أن تتقيد بالمنطق الواقعي . تتلاشي الحدود بين العناصر الواقعية , وبين الإرهاصات النفسية لأبطال قصصه , وهذا يفسح المجال للتحليل الدقيق , والتأمل الهاديء, والتحليق في عوالم الحلم والاستبطان .

فبائع اللب والسوداني في ” حديث بائع مكسور القلب ” يتعرض للقسوة والبطش , وبنبرة هادئة يسرد لنا الراوي تفاصيل حفر النفق , في مراوحة بين عناصر واقعية , وأخري تخييلية . لكن الشيء الجدير بالتسجيل إن التجربة ذاتها تحتمل تلك المزاوجة،  إذ أن ثمة نزعة للإحساس بالمأساة بالرغم من غرائبية الأحداث , وتداخل الأمكنة وتضارب أنماط السرد .

4

الحدث عند الكاتب مركب تركيبا غير خطي , ومجموعة الأحداث داخل النص القصصي تكسر التوقع لدي المتلقي فيما الإطار المرجعي الذي يتعامل به المبدع ينهض علي رفض المحاكاة .

صحيح أن العناصر الأولية , والمادة الخام للقص لها أبعاد واقعية , ومؤشرات عيانية, لكن العلاقات نفسها تدحض قوانين الواقع الخارجي , ولا تسلم نفسها إلا لما هو استنباطي ،جوانى .

لذا فإن أغلب النصوص برغم خلوها من الشاعرية, واقترابها من التعبيرية مع أمشاج سريالية إلا إنها قادرة علي إثارة الدهشة, وصدم القاريء . وهي علي أية حال صدمة فيها قدر كبير من المتعة والحس الساخر  .

يتشكل النص ـ إذن ـ من تلك العناصر الواقعية التي نعرفها جيدا , مع قدر كبير من التفصيلات الداخلية, لكنها تتحرر تماما من دلالاتها النصية القديمة .

وثمة إشارات منبثة هنا وهناك عن محاولة التحرر من أسر الواقع وقوانينه الجائرة , ثم تأتي الحلول في غاية القسوة:

( صرخ في أبيه : اصمت .. يجب أن أذبحك لأتحرر .. وليتيتم الأولاد .. لا يهم . حريتي : الهدف .خروجي من العادة. إن عطست أقل لك : “يرحمكم الله ” , والمنديل في يدي  ( جولة ميم المملة )

الموت هنا موت رمزي , ولا نعثر علي منطق التتابع السببي , فالمقدمات غالبا لا تؤدي إلي النتائج , ويفتقر هذا النمط من الكتابة إلي استبصاربالنتائج الواجبة ،الحتمية ، وتوقعها .

إن الكاتب يتعمد كسر التوقع لأنه يريد أن يوصل رسالة محددة علي مهاد غير تقليدي , ولذلك نراه يقتصد في اللغة , ولا يرصعها بالكناية والاستعارة والمحسنات البديعة المجلوبة من نطاق الشعر قسرا. إنه يلجأ إلي البديل : الاختزال في العلاقات , الاقتصاد في اللغة , عدم تسلسل الأحداث , غياب الحبكة التقليدية،فوضى العلاقات ، نثرية الحكي وبساطته الظاهرة .

الكاتب هنا لا يبدد جهده في صنعة زائفة , ولا يقف أمام الأشياء التافهة والزائلة , هو يتوقف فقط عند اللقطة التي تلمح ولا تصرح , كما يجتهد في أن يقدم بنية جمالية دون زيادة أو إطناب .

لنعود ثانية  إلي ” حديث بائع مكسور القلب ” من مجموعة  ” الكرة ورأس الرجل ” , ولنتفحص العلاقات التي يبنيها القاص علي مهل  :

” تسللت من ثقب إحدي عيني إلي داخل رأسي . صرت داخل المحطة  , ودرت أبحث عن مكاني القديم . قال لي أبي يوما : أنت مولود هنا ..نزلت من بطن امك تبحث عن زبائن لتبيع لهم علي الفور !

أطعت  أبي ونزلت أبيع . منذ ولدت وأنا أقف في هذا المكان ” .

تتكيء التجربة علي علاقات جديدة بين شخوصها , فالبطل ـ وهو بائع اللبن ـ يستعيد حواره مع الأب ليكشف عن جانب هام في العلاقة المتوترة . والنزعة القدرية يغلفها سحر قديم ؛ فمنذ نزل الطفل من بطن أمه , وهو يبحث عن زبائن . هذه العلاقة  الصادمة تكسر توقعنا , من حيث خبرتنا القديمة عن علاقة الابن بأمه , وأبيه .

في “الأ رض الخراب ” لأليوت نبرة واضحة لرثاء العالم , وفي قصائد عديدة لصلاح عبد الصبور عبر ديوانه ” الناس في بلادي” و” أحلام الفارس القديم ”  رنة أسي واضحة يجمع القاص ـ هنا ـ في خيط سرد متماسك بين الرثاء الكوني ورنة الأسي الذاتية من خلال رؤية تكشف عن عطب العالم ولا معقوليته ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‌!  مع اختلاف بين في الأدوات والإيقاع والدلالات .

5

يندر أ ن تخلو قصة من قصص محمد حافظ رجب من ركيزة هامة ،وهى  اقتناص العلاقات الحرجة ، وإدراك الملمح الوحشي في العلاقات , وفي سير الحدث , ناهيك عن فعل الموت ذاته : ذ بحا ,أو غرقا , أو خنقا،أو سحقا  .

نستطيع رصد هذه الظاهرة في مجموعاته المختلفة , ونميل إلى كونها ثيمة مؤسسة لبنية النصوص الجمالية في كافة أعماله  فهي وليدة مزاج عصي على التصنيف . يحكمها نزوع دائم الي التعامل مع الموت بكل تفصيلاته عبر طرائق آداء تنهض علي المألوفية  .

إن منظر الجثث التي تتراكم , والسكين الذي يلوح به الأخرون للذبح , وسيل الدم المنبثق  من الأعناق المجزورة مؤشرات لذلك القدر من الوحشية , والفعل الخشن الذي يتعدي الحدث إلي اللغة , وهو منطق فني يخضع لرؤية الكاتب التي يضمنها نصوصه ،  وثمة  تساوق بنائي بين ردود أفعال أبطاله تجاه الأزمات وبين الأفعال ذاتها الأكثر حدة .

القص الذي يقدمه محمد حافظ رجب مليء بالرعب والفزع والغرائبية , ولكن هذا الأمر ليس بغريب , فالرجل لا يخفي ما وراء السطح الساكن من تفاعلات مضطربة غاية في العنف والقسوة .

وإذا كانت تجارب أوربية  مثل ما قدمه كل من جيمس جويس , أو فرجينيا وولف أو حتي نتالي ساروت قد اتجهت إلي تيار الوعي بكل ما يحمله من ذكريات ومخاوف وآلام . فإن تجربة محمد حافظ رجب تتعدي ذلك الحفر في اللاشعور, والبحث عن الممكنات والمستحيلات , التي يري صداها وتجليها في الواقع من حوله دون أن يكون قادرا علي القبض عليها بيديه . إن شبهة القتل تحوم حول أبطاله, وقلاقل الحياة تعتصره يوميا ، ودور الأديب هنا أن يبحث في جيولوجيا النفس البشرية  عن المقدمات والدوافع , عن الجذور والمنطلقا ت .

الكتابة من هذا المنطلق هي تفسير للواقع عبر مكابداته وفيها تبئير للزوايا الحرجة في رصد مشاهد موغلة في القسوة دون أن يقبض القاريء على مبررات منطقية وهنا يفلت الكاتب من كل تحديد إيديولوجي او تنظير فلسفي قبلي.

تكاد رحلة البحث هذه أن تسفر عن كشوفات جمالية اقتنصها محمد حافظ رجب علي مهل وبتؤدة , ليؤكد للقاريء إن الأزمات في الذات ؛ في داخلنا الممزق بين الواقع والمثال .

أنظر إليه في ” جولة  ميم المملة  ” :

” تلفت (ميم) حوله .. فوجد عددا من الجثث تجلس متكومة بعضها حول بعض تحتسي الشاي , وتدخن اللفائف , وخلف كل جثة قدمان معلقتان فوق المشجب علي الحائط ” .

ويتخطي العنف عوالم البشر إلي الحيوان , وهنا نجد ” برهوته ” يقوم بفعل شائن حين يجز عنق الحمار , في قصته ” برهوتة  والحمار المهموم ” :

” سقط برهوتة علي الأرض .. تحامل علي نفسه ..قام بالموسي .. قطع عنق الحمار .. سالت منها الدماء .. حمل الرأس .. سار بها إلي أمه .. من خلفه سارت قطــــرات الدماء .. رسمت فوق الطريق خطا أحمر من لهيب ” .

يتردد ذلك الملمح الوحشي هنا وهناك , حين تصبح جثة البطل هي الأكثر حضورا في ” حديث بائع مكسور القلب ” , وربما أمكننا القول إن الأصل في الأشياء هو الحزن , وإن أصالة المبدع تتبدي في الكشف عما وراء ما هو ظاهري . وحسب مقولة  ” فاليري ” , فان ” الأسد مصنوع من الخراف التي التهمها !! “

لننظر إذا الي هذا البعد الوحشي , ونبسطه علي مهاد خبرتنا الإنسانية  ثم لنتأكد بعد ذلك أنه قد أفصح عن المسكوت عنه لدي الإنسان الذي يدعي التحضر، و يطرح فكرة التمدين ، وتجاوز البدائي في حركاته وسكناته . وهنا تصبح جثة  الإنسان هي البديل الأمثل لذلك الكائن  الهش الذي يتقن اللغة  , ويمارس الحب في رومانسية نؤلمة   .

” الطريق الي الأبدية  يمر فوق رصيفي , حيث جـــــــثتي ملقاة منذ أعوام بعيدة .. لا تجد من يدفنها “

ولا يأتي الموت بالطرائق القديمة  , فلا يكتفي الكاتب برصد الخنق والذبح والركل , والضغط بحبال مجدولة علي الحنجرة , فثمة  وسائل عصرية منها طلقات الرصاص , كما في قصــــــــة ” حديث شاعر مهزوم ” :

” وضعت الوسادة  فوق أذني لتوقف صوت الغناء حولي .. لكن صوت طلقات نارية دوي في الجو .. تحسست جسدي خائفا  وجدت ثقبين في جبهتي ” . وبأكثر من طريقة يأتي القتل بديلا عن حياة  مضطربة  , وعلاقــــــــــات مــــــتــــــــأزمة ، وفهم قاصر عن إدراك ما يعتور الحياة من نقائص مؤسية ، وعلل فادحة. !

6

أتصور أن منهج التداعي التصويري واللغوي ـ معا ـ الذي اعتمده محمد حافظ رجب في أغلب قصصه قد أضفي علي تلك النصوص قيمة  جمالية  لا تزحزح الأبنية المعرفية التي بثها علي امتداد مساحة نسيج السرد .

المادة الأولية  للخيال استدعت ثلاث طرائق للتداعي عمقها الكاتب عبر مسيرته الطويلة , التي توقف خلالها لسنوات ثم عاود الإبداع بحذر وتوجس .

الطريقه الأولي هي الاعتماد علي التداعي الخاص بالحدث , وهو بهذه الكيفية يقدم نهرا رئيسيا لموقف أساسي , ثم يتفرع منه إلي جداول حكائية بسيطة تخرج من النهر الرئيسي ثم تعود إليه علي هيئة  فروع هامشية , لكنها محملة بالدلالات .

وهذا الشكل نجده في ” حديث بائع مكسور القلب ” , حيث يبدأ الحدث من محطة  الرمل , وتمتد يد البائع الي رأسه , فتقع عربة , ويسقط فاعل يحمل قفة تراب فوق كتفيه ..

وبنفس طريقة  تداعي الأحداث عبر حدث رئيسي حاكم هو ـ فعل الحفر ـ القادر وحده علي استبطان المأساة , وهنا تتواتر بقية الشخوص : الرشيدي بائع الجرائد , الأب , المهندس , عيد بائع الفسدق , المعلم متبولي , يورغو بائع الجيلاتي .

كل شخصيه مما ذكرنا تقدم نهيرا صغيرا من القص عبر تداعي الحدث . وتكون مهمة البطل هي الإمساك بالخيوط كلها في يده يجذبها في الوقت الملائم , أو يرخيها , حتي يأتي ” الحاكم ” فيعض يده بوحشية بدلا من أن يقبلها !!

الطريقة  الثانية  هي تداعي الجمل الحوارية , وتبدو تلك الحيلة هي الأكثر تحررا من تبعة الحبكة القصصية التي يرفضها القاص وتتجلي كأفضل ما تكون في قصته “مذاق اشتهاء رائحة الشواء”من مجموعة ” طارق ليل الظلمات ” .

فثمة حوار ساخن بين ” بركات ” والمرأة , مع إطلالة أوراق سعيد مطر تشعر من خلال الحوار بفيض من التوجس والريبة , لكن الحوار نفسه يقوم بمهمة إضافية في تحوير الصورة , واستدعاء مناطق خفية من الذاكرة.

يكفر بركات بلعبة الحاوي , وهو يعرض ألاعيبه في دائرة السذج , وفي الوقت نفسه يستدعي العلاقة القديمة : بين فلة  وبركات .

داخل فك سمك القرش الملتهب  تلوح مشاهد عبثية  ذات تاريخ قديم مهمل ما زالت تقوم بتأثيرها الضار .

أما الطريقة الثالثة  فتعتمد علي تداعي الفكرة الكلية مع أفكار تتقاطع معها , أو تختلف عنها , وربما تنقدها ، أ و تفسرها .

نجد أن هذا النسق الأخير هو الأقل استخداما ,  فهو يحـــــتاج  إلي وعي شديد لتوظيف المعني في إ طار أسلوبي محدد .

ويعتمد هذا الأسلوب علي بناء مدرك لمنظومة  الأنساق الفاعلة  في النص . فالفكرة الكلية ،  ولتكن عن الموت مثلا تولد فكرة  أخري عن الميلاد , ثم تتولد عنها فكره ثالثة عن البعث , أو الخلود , وهكذا .

في قصة  ” ألقاه .. ألقاه .. ألقاه ” من مجموعة  ” طارق ليل الظلمات ” , نعثر علي تداعي الأفكـــــار بصورة ناصعة , فالجارة سميحة  تصرخ في أولادها بعد أن اختفت ” قرونها ” في بطن جارها مبروك !! وذلك الضجيج ينقلنا الي اختفاء من نوع آخر , فالشاب حسين مبروك قطعوا لسانه , وصار أبكما .

أما ” وردة ” التي تقفز فوق حبال السيرك المنصوب كل يوم مع لاعب جديد , فهي تحول آخر أو توليد للمعني الكلي للفقد أو الاختفاء , للانتقاص وعدم الاكتمال .

وهذا التداعي لا يعتمد علي الحدث , ولا الحوار لكنه يبرز وبالأساس من خلال تداعي الفكرة  الكلية  , وقد يأخذ شكل تقاطع لكنه يصب في رؤية  موضوعية  .

وربما استدعي ذلك المحور أو تلك الصورة  من التداعي ما يشير اليه  ” لوسيان جولدمان ” حين يؤكد أن الوجود الموضوعي في الحياة  ذو رؤي عالمية  كونية   . ويستطيع الكاتب الموهوب أن يدركه ويفسره عبر أكثر من صورة .

ويحدث الترابط بين مختلف الصور حين ينجح الكاتب في التعرف علي الرؤي الإجمالية  التي تشكل حالات الوعي .

يعتقد الكثيرون أن التداعي لا يحتاج الي وعي يقــــــظ , فهو أقرب إ لي اجترار الذاكرة, وهذا الفهم لا يصدق في كل الأحوال . ونحسب أن تجربة محمد حافظ رجب قد تجاوزته بشيء من الفن المتماسك الذي ينهض على تقطير الدلالة عبر مفهوم الرؤية الكلية للعالم في لحظات انهياره.

7

يحدق محمد حافظ رجب في العالم من حوله , ويقدم نصوصا يتخلي فيها عن فرصة  استدعاء الذاكرة  القديمة , ويعتمد علي بنية تشكيلية  تراعي استعادة الأساطير البائدة  , وتراسل الحــــــواس , فمن الصعب في عالم يتجه إلي هوة العدم أن نري كل شيء بأبصارنا ، أو أن نسمع ـ فقط ـ بآذاننا  , أو نكتفي بالشم عن طريق الأنف  وحده .

لذا تذخر قصصه بتراسل الحواس , وإلى أبعد مسافة ممكنة ؛ فيمكن أن يري الأشياء بأذنيه , ويستطيع أن يري بالـلــــمس , أ و يسمع عن غير طريق الأذن .

كل هذه المواضعات القديمة لا تهمه , هو يبحث أولا وأخيرا عن الإدراك , والسمع والبصر كما نعرف هما أهم عناصر الإدراك لدي الانسان , غير أن القاص ـ  وتحت وطأه الخلل الاجتماعي , والنكوص النفسي ـ   يعتمد علي تراسل الحواس .

إن الرغبة متزايدة كي يلج إلي جوهر الأشياء , وسيحتاج الأمر دائما إلي القفز فوق الموانع الطبيعية  التي تعوق عملية  التواصل . فيمكن إثراء الذاكرة  التي يصعد إليها الكاتب علي جدارمن التخييل اليقظ  من خلال تعظيم الأنا , ورفض كل المحاولات القديمة  لتأنيب الذات , ودمجها مع الجماعة ، أو للتطهير الفردي الذي لا يأبه بمحنة الجماعة  .

الشيء اللافت للانتباه أن  فكرة تراسل الحواس تسعي إلي اقـتناص ما وراء المعرفة  المجانية  ،إنها  تتسرب نحو الباطني , وتخدش القشرة الصلدة  الخارجية , وصولا إلي الجوهر .

وبقدر ما تحاول المعرفة  دحض كل ما هو  وهم , فإنها ـ وفي المقابل ـ تسعي إلي إحياء أساطير بائدة  عن بشر يتحولون إ لي زواحف , أو أن  أرجل بشرية  تتحول إلي قطع خشبية ، وهكذا  .

لعلها تحولات غير التي عرفناها عند ” فرانتس كافكا ” فهي ترّكب الموقف , وتفككه على مهاد واقعي عبر إشارات موحية ورموز ساطعة ، فتوسع الاحتمالات المفتوحة  إلي ما لا نهاية  .

إن الاسطورة  البائدة عند محمد حافظ رجب لها منحي تأملي , تهكمي , باطني ثم هي تأخذ اشكالا جنينية  لفكرة ” الواقعية  السحرية ” التي ستشيع بعد ذلك فور ترجمه آداب أمريكا اللاتينية إلى كافة اللغات الحية  ومن بينها العربية .

إننا سندهش حين نرى كاتبنا محمد حافظ رجب يقدم حلولا سردية في غاية الدهشة وفي قوالب ساحرة ، ساخرة وبطريقة مركبة تؤكد أننا أمام كشف جمالي جديد وجاد .

نقرأ في قصه ” حكاية  رجل يترنح ” من مجموعة ” اشتعال الرأس الميت ” هذا المقطع :

” تدحرجت عربة الأحجار المتثاقلة  فوق رصيف سكني . الثانية  وخمس دقائق .. ألقيت بملابسي داخل النافورة  لتبرد وحدها . سخرت المرأة  مني.  خير لي أن أعود إلي ثدي أمي ، أحمله .. أدخل به علب سجائري .. أجلس فيها بلا حركه تعوقني ” .

هذا التشكيل الفانتازي يتردد عبر قصص حافظ رجب كلها , ويولد الدهشة  , ويكشف عن الانفصام التام بين الاحلام الموؤدة ، ,وبين الواقع المأزوم إلى حد كبير . إن  العلاقات تتكون في ذاكرة مزدحمة  بتفصيلات ماضاوية  بائـــسة  .

8

يذكر ” كينيث كلارك ” في كتابه الهام ” نهاية الحضارة  ” أن الإخفاق في فهم عالمنا يقف وراء الفوضي البادية بصورة  أساسية في الفن الحديث .

وفي أعمال القاص السكندري محمد حافظ رجب محاولة  للتغلب علي فوضي العالم , وهو يقدم محاولة لإعاده ترتيب عناصر تجربته الفنية  . لذا يعمد إلي تفكيك عالمه , ثم يعيد البناء اعتمادا علي ذاكرة جمالية  توحي بالاطمئنان والتماسك .

قلنا إن الكاتب لا يصور الواقع , ولا يرصد الصراع بصورته العيانية  الظاهرة  , بل هو يتعمق في دخائل شخصياته , ويستبطن الحدث , ولا يقف عند ترديداته البادية  .

علي رقعة  التضاد بين الظاهر والباطني , يفكك القاص عناصره , ويشحنها بخبرته , ثم يعود علي مهل يكون , ويركب , ويشكل معمارا فنيا باذخ الجمال .

التفكيك محاولة  للتغلب علي فوضي الأشياء , والتدفق الزمني الحر , ومحدودية  المكان ، وضبابية الأفكار المحيطة بأبطاله . إنه يمسك بحقائق الإدراك الحسي دون أن يخون وعيه لمعرفة  ما وراء الظاهرة  .

وهو يضفي مشروعية محددة  علي المنحنيات , والظلال , وأجواء العتمة , ففيها يتم التخليق الحقيقي للازمة  : أزمة الواقع , وانكسار البطل .

التفكيك والحال كهذا لا يعني رسالة  احتجاج فكرية  فقط , بل هو تمرد حي على الوجـــــود الناقص . لا يمارس الكاتب سلطة الهدم وحدها, لكنه يتجه إلي تفكيك العناصر الواقعية  , وتحريرها من سطوة  الاعتياد , ويعيد البناء علي غير منوال سابق .

اقرأ قصة  ” رجل معلق في دوسيه ” وستلمح حالة  التفكيك المضمرة , ثم محاولة البناء , والاختلاف المثير بين الكائنات في صورتها الواقعية  , وبين صورتها المتحولة  الجديدة : 

” اليوم عاد إلي الديوان , كما تعود أن يعود بعد رحلة  كل هروب .. لاعنا الاستمرار البليد .. حاملا إصرار تجهمه لهذه المدينة  وأشواقه لبلده البعيد . عاد إلي الديوان من جديد .. وفوجيء بالرجال المكاتب وقد ظهرت لهم أرجل خشبية  زائدة : كل واحد صار له 4 ارجل , وفي داخل قلبه ثقب لمفتاح يدور ” .

هو إذا يفكك العناصر ليعيد تركيبها في ذهنه , كي يتغلب علي الخلل الذي يواجهه أينما تأمل الحياة  وواجه عبوسها  . وفي نفس القصة هناك تفكيك من نوع جديد :

” في امبابة  فك مسامير جثته , ونحي يقظته جانبا ونام . في الخامسه أيقظه راديو أمونة  . فنهض وأعاد تثبيت مساميره , والتقط يقظته . إلي أين . إلي مسكن صديق له “.

غيرأن التفكيك يأخذ شكل التقرير لإثبات واقع ما ،  فالكاتب قد انتهي من  إنشاء عالمه الجديد , وعلينا أن نتعامل مع الأمر من هذه الزاوية  , وهذا يقترب من  يقين الأولياء والمتصوفة  !!

9

في حوار أجراه القاص  أحمد محمود حميدة  مع القاص محمد حافظ رجب ( الثقافة  الجديدة ـ العدد العاشر ـ أبريل 1986 ) يؤكد الأخير إن الحاجة  كانت ملحة  إلي التجديد , كما كانت واجبة ,إنـها انبثاق من صخور الواقع الوحشي الذي صبغته ظروف وملابسات تلك الفترة  .

ويضيف : لقد كنت مضغوطا وضائعا في غابات القاهرة , وكنت أري وأسمع لعق الذئاب لدماء الإنسان في مصر . ثم يختم شهادته بقوله : ” من هنا خرجت كلماتي في وجه البوم والخفافيش . لم يكن في هذا الوقت بالإمكان سوي التلميح  بالإشارات والرمز . ” .

 تلك الرؤية  الجارحة  للواقع انعكست في نصوص الكاتب انعكاسا واضحا وقويا , وجاءت مظاهر التجديد التي أطاحت بكل ما هو معتاد ومكرور , ونقبت عن جماليات جديده ، منها  : الارتكاز علي منطق فني جديد , وكسر التوقع , وإقتناص الملمح الوحشي , والتداعي بأكثر من طريقه , وتراسل الحواس ,  وتفكيك البنية القديمة  , ثم الرؤية الجارحة  التي تؤكد علي تأسيس الشعور بوجود إشكاليات في الواقع .

لقد طرح محمد حافظ رجب صيغة  أ شد استفزازا لواقع صادم , يتواطأ مع كل ما هو زائف ورخيص وتابع  .

جاءت نصوص الكاتب لتسخر من الثابت والمستقر , ولتنفي بلاغة  النخبة  التي استحوذ ت علي السلطة، وجرت البلاد إلى هزيمة عسكرية مريرة  . لقد تحولت لحظات الكاتب المأساوية  إلي نصوص حيه لاتراعي البعد الجمالي المسيطر والمحددات الثابتة للنصوص التقليدية , لذا فإن تلك الأعمال لها قراءات متعددة  , تسمح للقاريء بأن يختار الزاوية  التي يعتقد بصحتها , وأن يبصر سياق العمل استنادا إلي خبرته .

النص الحي الذي قدمه ” محمد حافظ رجب ” هو نص متطور , متنام علي صعيدي الدال والدلالة  معا , وهو قادر علي الاستمرار من نص الي آخر , بنفس طريقه الأداء التي تزيح أي سلطة  معرفية  سابقة كما تنفلت من كل تاطير مسبق .

10

نستطيع أ ن نقول بكل صدق أ ن نصوص ” محمد حافظ رجب ” في مجملها نصوص متمردة  , تمارس فعل الاحتجاج علي كلا المستويين الجمالي والفكري . وفي كتابه ” نقد الحداثة  ” لألان تورين ( ترجمه أنور مغيث , المشروع القومي للترجمه , ص 316 ) يتوقف المؤلف أمام مسأله الاحتجاج , ويري ” إن فكرة  الذات بإستمرار مشحونة  بالاحتجاج ، لان المجتمع الحديث يميل لأن ينكر إبداعيتها الخاصة  وصراعاتها الداخلية  ، ويقدم نفسه كنظام مضبوط آليا , متخلصا بالتالي من الفاعلين الاجتماعيين وصراعاتهم ”  .

لقد جاء احتجاج محمد حافظ رجب رافضا وبلا مواربة  الحيل الشكلانية  القديمة  , ونظرة  الرثاء المنكسرة  , فراح يؤسس لنوع جديد من الكتابة  , غير مسبوقة في الأدب المصري وربما العربي , وعبر تكنيك فني بالغ الرهافة  , وباستخدام لغة  حادة وقاطعة قدم أعمالا غير مسبوقة , ولا شك انه استفاد من إنجازات الفن التشكيلي السكندري ( بالتحديد الأخوين سيف وأدهم وانلي ) , والزخرفة  الشعبية  في أحياء غربال، كرموز , الأنفوشى ، وغيط العنب  , ثم من لا معقوليه بيكيت وآدموف وصولا إلى النزعة الصوفية التي كانت تناوشه من وقت إلى آخر فتحجب عنه أصواتا تؤلمه وتهزه بعنف ، ثم تبسط له طرقا جديدة في الاستمتاع بالحياة وبعلاقته مع الكون كله .

في كل الأحوال قدم الكاتب بجرأة يحسد عليها كشوفا جمالية  باذخة , وتكوينات لغوية مدهشة , ثم ـ وهذا هو الأهم ـ رؤية حادة للواقع المقلوب , فلقد حرص الكتاب القدامي علي إعاده تنسيق المشاهد اليومـــــــية  لتتآ لف وتتساوق مع معرفتهم القديمة , وطريقه تفكيرهم .

لكنه رد المسألة  إلي أصولها , وترك العيوب ظاهرة , والمآخذ بارزة , ثم أحاط كل ذلك بموجات صغيرة  تقوم بعمليات مد وجذر في محيط التفصيلات المهملة  والمهمشة والمتنافرة .

أستطيع القول بأن نصوص محمد حافظ رجب علمت أجيالا جديدة  من الكتاب , وأضاءت الطريق المرهق بمصابيح قوية  , لا تقدم حلولا جاهزة  بقدر ما تعبر عن منهج الضدية , ودحض السائد , والبحث عن جماليات غير مطروقة.

إن جيل الستينات ـ وعبر نصوص كتابه المجيدين ـ قدموا مادة إبداعية  قادرة  علي اختراق الجدار المصمت الذي أقامته السلطة , وشمل العطاء حقولا جديده للإدراك وكثافة التجربة الحسية , وكسر كافة  الحواجز التي تعوق رحابة  الإبداع ، وربما كان إ نجاز محمد حافظ رجب ـ وسط تلك الموجة  العارمة من التنوع  الخلاق , وزخم المحاولة ـ متوازيا مع إنجازات أخري لم تتوقف أمام الواقعية  بشقيها الكلاسيكي والرمزي .

11

يخيل إلي , أن الكاتب الـــسكندري الكبير , كان يعرف أنه يسبح ضد التيار , وأن الكتابـــــــــة  قد أصبحت لديه مادة الحياة  التي يغترف منها كنوزها , ولقد تأكد لديه أن أي محاولة  لطمس اللآليء التي عثر عليها في القاع كفيلة  بضياع التجربة  كلها , وطمرها تحت ركام التكرار الروتيني الممل .

لقد راح الكاتب يخسر من الجثث التي تمتليء بها الشوارع والمكاتب ومقاهي الأدباء ليكشف مرة بعد مرة عن حقيقة  الخواء الذي يختفي تحت القشرة  الصلدة البراقة  التي أدرك زيفها .

هذا هو الأثر القوي الذي تركه الكاتب في الجيل الجديد من المبدعين الذين عكفوا علي استجلاء ملامح التجربة  , والتعمق في فهم أسرارها التي تتكيء علي بعدين لا يمكن إغفال واحد منهما : البعد الأول : الرفض الكامل للكتابة التقليدية  التي ترسخ للوحدات المستقرة  ( زمانيه ، مكانيه،  ووحدة  الحدث ).

البعد الثاني : استنفاز الطاقة الجمالية الكامنة في طيات التجربة , وتحرير الكتابة من الصنعة الجاهزة  ” والأكلشيهات ” المستقرة .

ولا يعني التمرد علي أشكال الكتابة السابقة نوعا من التعالي , بقدر ما يطمح الكاتب إلي الانفلات من كل الصيغ النمطية  في الأداء , والرتابة في التفاعل مع الموقف .

إن نصوص محمد حافظ رجب بمحمولاتها الفكرية  , ومستوياتها الجمالية  تعضد موقف الجيل الجديد في مشروعية  البحث عن آفاق جديده للإبداع , وبشكل قصدي , عبر رؤية مختلفة  تعتمد أساليب سرد مغايرة  , وتستنهض نبرات لغوية  متنوعة .

ولا يخفي علينا أن الكتابة التي خرج علينا بها محمد حافظ رجب ، قد كشفت عن مناطق غير مطروقة  في الحكي , فبجانب عوالم يوسف ادريس المترعة بالــحياة  , وإضافه إلي فسيفساء إدوارالخراط وكشوفه اللغوية  العارمة  بالمتعة  , وفي محاذاة  عطاءات كتاب عظام مثل بهاء طاهر , وخيري شلبي , وصبري موسي , وعبد الحكيم قاسم , وابراهيم اصلان ,وجمال الغيطانى ،وعبد الوهاب الأسوانى،ويحيى الطاهر عبد الله ،وابراهيم عبد المجيد  ،واجتهادات يوسف القعيد وعبد العال الحمامصى ومحمد مستجاب ومحمد مبروك ، وغيرهم من كتاب القصة  والرواية فى مصر ,أصبح بمقدور الناقد المنصف أن  يتوقف طويلا أمام تجربة  محمد حافظ رجب ليسجل حقيقة  أن هذا الرجل قدم كتابة  مغايرة, وأبحر في لجة أمواج عاتية  , واستطاع أ ن يقدم لآليء ثمينة  للقراء المصريين والعرب .

وأجمل ما في تجربة محمد حافظ رجب أنها اتكأت علي عصامية  فريدة , وأعتقد أن مشروعه الإبداعي قد صار المهاد الحقيقي لجيل تال من المبدعين , الذين نهلوا من التجربة , ثم شرعوا في ارتياد طرق جديدة . فقد علمهم هذا الكاتب ألا يستنيموا إلي الجاهز، وأن يبحثوا بأنفسهم عن فضاءات ابداعية  جديدة تمنحهم التفرد وتعطيهم صوتهم الخاص الذي لا يتشابه مع أي صوت آخر!!