أرشيف الأوسمة: صدى الذاكرة

ماذا فعلتُ يوم الأحد؟

كيم مونثو – إسبانيا *
ترجمة: رفعت عطفة


كان الأحد يوماً مشمساً وذهبت لأتنزّه مع أمّي وأبي، كانت أمي ترتدي فستاناً طحينيَّ اللون وسترةً صوفية عاجيّةَ اللون، وكان أبي يرتدي كنزة زرقاء وبنطلوناً رمادياً وقميصاً أبيض مفتوحاً. وأنا كنتُ أرتدي كنزةً عاليةَ القبّة، زرقاءَ مثل كنزة أبي، لكنّها أفتحُ، وسترة بنيّةً وبنطلوناً بنياً أفتح قليلاً من لون السترة وخفّاً أحمر. كانت أمّي تنتعلُ حذاءً فاتحَ اللون وأبي ينتعل حذاءً أسود. تنزهنا في الصباح وعند الحادية عشرة ذهبنا إلى بالمورال لنتناول إفطارنا. طلبنا إنسايمادا محشوة وخبزاً سويسرياً وأنا طلبتُ كرواسان. ذهبنا بعدها لنرى الأزهار، كان هناك أزهار حمراء وصفراء وبيضاء وزهرية، بل وزرقاء أيضاً، قال أبي إنّها مصبوغة، ونباتات خضراء وبنفسجية وعصافير كبيرة وصغيرة واشترى أبي الصحيفة من كشكٍ. أيضاً ذهبنا لنرى واجهات المحلات ومرّةً كان قد مضى أمضينا أمام إحداها فيها كنزات مدة طويلة، طلب أبي من أمّي أن تُسرع. بعدها جلسنا في ساحةٍ على مقعدٍ أخضرَ.

استمر في القراءة ماذا فعلتُ يوم الأحد؟

العين والزلزال…قصة: أحمد بوزفور

1- خرج من السينما في زحمة الخارجين، واشترى الجريدة الصباحية وطواها في يده دون أن يلقي عليها نظرة، وسار في الشارع المضيء وفي ذهنه تموج الصور العارية مختلطة بضجيج السيارات، وقال لنفسه: الليلة باردة، ونظر إلى ساعته فوجدها في منتصف الواحدة. ضاع ضجيج السيارات في الفضاء ،وبقي الشارع مقفرا وباردا وطويلا، لم يكن ينتظره أحد في غرفته ولذلك كان يسير على مهل، وسبابته تنفض عن السيجارة القصيرة رمادا لم يتكون بعد، وقال لنفسه: يجب أن أفكر في شراء معطف وقبل أن يصل إلى باب العمارة كان قد قلب ذهنه طرقا متعددة للحصول على معطف شتوي، فكر في التقتير وفكر في القرض، وسمح لنفسه بترف التفكير في السرقة، وحين كان يتخيل الواجهات الزجاجية المضاءة تحوطها أعين العسس، فكر في أنه قد يعثر فجأة على حقيبة نقود في الطريق، وسخر من نفسه وهو يمسح بعينيه زوايا الشارع.

استمر في القراءة العين والزلزال…قصة: أحمد بوزفور

محمد علام: نهايات صغيرة

محمد علام

الحصول على مقعد في قطار العاشرة صباحًا المتجه إلى العاصمة، يُعدُّ أعجوبة الأعاجيب، خاصة إذا ما كان قطارَ الدرجة المميزة، الذي تتدفق إليه الجلاليب الصعيدية في تدافع مع قمصان شباب المدن والبنطلونات الجينز، وتتداخل هذه الفوضى الأزيائية مع جونلات الفتيات الملفوفات في عباءات واسعة أو في خمارات وأحجبة بأربطة مختلفة، أما الفتيات الجبارات، اللواتي يقتحمن هذا العالم بشعورهن، يأخذن رُكنًا وحدهن، يكفي أن تصعد واحدة منهن القطار لتلمح شبيهاتها فتنضم إلى ركنهن، غالبا ما يكونا من طلبة الجامعات، وغالبًا ما يكون ركنهن حديث الشباب المتكدس وراء باب العربة، أو باب الحمام.

الحصول على مقعد في هذا الزحام منعدم التنسيق؛ يُعدُّ أعجوبة الأعاجيب، والأعاجيب لن تتركني طويلًا لأهنأ بالجلوس وحدي في مقعد، أمدد قدمي على المقعد الذي أمامي بكل أريحية، فالقطار حينما يبدأ سيره ينطلق من بلدتي، وأكون أول الركاب، لكن سرعان ما تتدافع الجموع من كل بلدة نمر بها، وما هي إلا دقائق حتى كان الناس يتوزعون في الممرات بين العربات وبين المقاعد ووراء المقاعد، وفوق المقاعد أيضًا، حيث كان اثنان ينامان فوقي على حاملة الحقائب.

يجلسُ أمامي شابان يبدو عليهما أنهما حديثي التجنيد، الرأس حليقة، الذقن ملتهبة، سمراوان بلسعة على الجبهة، يتحادثان في صوت منزعج عن أمور كثيرة لا أهتم لها.

في هاتفي أخبارٌ عديدة عن أصدقاء عرفتهم في أرض الواقع، وأصدقاء أكثر لم ألتقيهم من قبل، ولا أعرف شيئًا عنهم سوى ما يشاركونه علنًا. لا رسائل جديدة في صندوق رسائلي، آخر رسالة أرسلتُها كتبتُ فيها:

أنا الآن في الطريق، وقد تحرك القطار منذ قليل، وحسب قوانين المسافة والسرعة فإن أمامي ساعتين وأكون في المحطة.

الآن يرتمي رجلٌ بجواري، كأن فيلًا ألقى بجسده، فشعرت بهزة مضاعفة في المقاعد بالإضافة لاهتزاز القطار نفسه. روائحُ عديدة جاءة معه، تجشأ ثم مسح فمه بظهر يده، ويبدو أنه من الأفضل لي ألا أفكر فيما تكون هذه الروائح.. التفت إلي وسألني:  ماذا تفعل؟

سؤال وجيه في الحقيقة وهو يكشفُ عن مدى ضعف موقفي، فأنا لا أعرف ما أفعله الآن، كل ما أفعله أنني أستقبل أخبار أناس لا أنتظرها، وهذا شيء لن يقنع ذي الجلباب الصعيدي والشعر الباهت السواد، قلتُ له: لا شيء. وأغلقت هاتفي وانتبهت له. قطب حاجبيه، ثم أخرجَ عُلبة سجائره وامتدت يده لي بسيجارة، قلتُ له:

  • لا شكرًا.
  • لكنك تُدخن.

حسنًا كيف أشرحُ له أنني عاهدتُ فتاة أحبها على أنني سأقلع عن التدخين، إن الصعايدة لن يستوعبوا مثل هذه الأمور. قلت له أنني أحاول أن أتخلّص منها. لكن يده مازالت ممدودة بالسيجارة وهو يحدجني بنظرة، يبدو أنه انزعج، قال: لكنك غير جاد. أخذتها منه وأشعلتها، نفث دخانه بكثافة في سقف العربة ثم قال:

  • لي ابن في مثل سنك.. أنت في الجامعة أليس كذلك؟

لم أرد، دخان السيجارة يعتملُ في حلقي بصورة لا آدمية..

  • كان من المفترض على ولدي أن يكون في آخر سنة في الجامعة، لكنه لم يحترم نفسه، اشترى جيتارًا وأخذ يجوب الأفراح هنا وهناك..

هؤلاء الريفيون لديهم تصورات صارمة حول المهن التي يجب أن يشتغلها المرء..

  • يعتمدُ على ما شيدته من ثروة بشق الأنفس..

أود لو أسأله من أين أتيت بهذه السجائر القذرة؟ أخرجتُ هاتفي وأخذتُ أمرُّ سريعًا على صفحات الأصدقاء، وفجأة اختطفني خبرٌ من حديث الرجل تماما، لم أعد أسمعه، خبر وفاة شاب في منتصف العشرينيات، أشعر بقلبي يعمل كمطرقة بالكهرباء، صحيح أنني لم ألتقه من قبل، لكن كان بيننا حديث واحدٌ تقريبًا، فتحت رسائله لأحاول أن أتذكر آخر ما تراسلنا بشأنه، كان يطلب مني في آخر ما كتب لي أن أحادثه فور نزولي للعاصمة، كان ذلك منذ مدة طويلة، صحيح أنني زرتُ العاصمة أكثر من مرة، لكنني لم أحادثه أبدًا، لا أعرفُ لماذا، لكن أعتقد أنني لم أعد في حالة تسمح باكتساب صداقات جديدة..

إنني في الطريق إلى العاصمة الآن، ولم يكن في نيتي أن أحادثه أيضًا، إنه لم يكن في تفكيري بأي حال، لكنني أشعر بالعار الآن.. تُرى كيف يمكن للمرء أن يستقبلَ خبر وفاة شخص في عربة قطار؟ أين يمكنني أن أختبئ وأبكي؟ الجدران المعدنية تحاوطني من كل جانب، فجأة انتبهت للضجيج من حولي مما يعبر عن تزايد الزحام والفوضى، ولاحظتُ غياب صوت الرجل، وثِقلًا على كتفي، انتبهتُ فوجدته قد أراح رأسه على كتفي وراح في النعاس، الجنديان أمامي أيضًا نائمان وكل منهم يفتح فمه للشخير الطالع في تناغم، أنظر للرجل وهو ينام على كتفي كأنه ينام على مخدة في سريره، أود لو أصفعه بيدي على قفاه المخطط بتعاريج الجلد، هاتفي ينبهني لرسالة:

سأنتظرك على طريقة الأفلام القديمة التي تحبها،
على رصيف المحطة،
أحبك.

لم أستطع أن أكتب شيئًا، زاد الثقل على كتفي للغاية، وتضاعف الشخير المتصاعد إلى أذني، نظرتُ للرجل كان قد توقف شخيره وسال لعابه على قميصي، انتفضتُ وأنا أزعق فإذا به يسقط على المقعد الآخر دون أن يُحرك ساكنًا. أنظار ما يقرب من مئتي شخص تحدق نحو البؤرة التي أقفُ فيها، الهدوء الذي احتل المكان كان مخيفًا جدًا..

عندما وصل القطار إلى المحطة، كان الرجل قد لُفَّ وجهه في شال أبيض، يحمله بضعة ركاب ويهبطون به القطار متقدمين الجميع، هي واقفة وعيونها تلمحني وأنا أطأ الرصيفَ، الأرضُ تميد بي، ترفع يدها، وأشعر أن ما بيننا أبعد بكثير مما قطعه القطار..

كورت فونيغوت: دعينا نتمشى قليلاً إلى الأبد

كورت فونيغوت – أمريكا
ترجمة : عمرو محمود السيد

 

كبرا كجارين على حدود أحد المدن وبالقرب من الحقول والغابات والبساتين, وتحت عيون أجراس جميلة اعتلت برجاً لمدرسة للمكفوفين. هم الآن في العشرين من عمرهما ولم يريا بعضهما الآخر منذ عام تقريباً. كان دفء مريح لطيف يسود علاقتهما, لكن لم يكن بينهما كلام المحبين. 


كان اسمه نيوت.. وكان اسمها كاثرين. مع بداية الظهيرة, طرق نيوت على الباب الأمامي لبيت كاثرين. جاءت إلى الباب وهي تحمل مجلة براقة كثيرة الورق كانت تقرأ فيها. كانت المجلة موجهة بالكامل للعرائس. قالت وهي مندهشة لرؤيته: 
– “نيوت!” 
قال: 
– “هل يمكن أن نتمشى قليلاً ؟ 

استمر في القراءة كورت فونيغوت: دعينا نتمشى قليلاً إلى الأبد

خديجة يكن: سقف بيت دوشكو

خديجة يكن – المغرب
من مجموعة «أيام بوسنية» الفائزة بجائزة الطيب صالح

 

هذه الليلة هادئة، كل شئ فيها هادئ. ستار من ضباب شفاف انزاح، لتشع النجوم على الأرض، وتلمع الكواكب في الملكوت البعيد. فجأة, يختفي كل شئ.تذوي النجوم ,تأفل الكواكب، حتى المزارع والسواقي تختفي، وتسمع من بعيد ضحكات رنانة, مبتهجة, أحيانا ساخرة، تضحك في أرجاء السماء، في أرجاء العالم٠في وثبة سريعة منزعجة، ينهض دوشكو من فراشه، يتخبط باحثا عن المصباح على طرف السرير، أضاءه، ٱنسحبت عيناه إلى السقف، حفيف الرياح يرعش أغصان الشجرة المحاذية لنافذة غرفته، لن يستطيع الإغفاء مرة أخرى.

استمر في القراءة خديجة يكن: سقف بيت دوشكو

نغم داؤد: زهر الأوهام

نغم داؤد – سوريا

في الماضي كنتُ أتذمّر كثيرًا من عملي اليوميّ في محلّ الزهور، من التاسعة صباحًا حتّى الثامنة مساءً، بفواصلَ قصيرةٍ لا تكفي إلّا لتناولِ الطعام في المنزل والعودةِ إلى العمل من جديد.

ولكنّني أصبحتُ أحبُّ كلَّ هذه المنغِّصات منذ أن قصدْتَ المحلَّ لأوّل مرّة الشّهرَ الماضي. قلبي يُخبرني بأنّكَ ستأتي اليوم أيضًا. أُسرعُ إلى مرآتي حالما أستيقظ. أرتدي ثوبي الليلكيّ. أصفّف شعري بعناية. لا تعجبني تسريحتُه. أجرّبُ تسريحةً أخرى. حتّى أستقرَّ على واحدة.

أنقِّلُ عينيَّ بين أركان حُجرتي التي تعمُّها الفوضى، مفتّشةً عن حقيبتي. ماذا لو وضعتَ لي رسالةً صغيرةً في الحقيبة من دون أن أنتبه؟ ولكنْ كيف لك أن تفعلَ ذلك وأنا أضعُها دائمًا قربَ الباب؟ حسنًا إذًا، لا ضيرَ في أن أضعَها اليومَ على الكرسيّ في الداخل، أو قربَ الورودِ الحمراء، أو خلفَ واجهةِ المحلّ.

تقعُ عينايَ على حقيبتي المستقرّة على الأريكة أمامي تمامًا. عجبًا كيفَ لم أنتبِه لها! أفتحُها، فلا أجدُ شيئًا جديدًا. أهمسُ لنفسي: “ربّما أجدُ اليومَ أو غدًا.” أحملُها و أمضي.

***

أبدأُ يومي – كالمعتاد – بشئٍ من الرّتابة. أرتّبُ المكان، ثم أرشُّ الورودَ بالماء، فيعبق الهواء برائحتها. يُشعرني مزيجُ العطور هذا بالرّغبةِ في الرّقص، ولكنّني أكتفي بوضع شريطٍ لإديث بياف في المسجِّلة. أسترخي على الكرسيّ.

مراقبةُ المارّة من خلف الزجاج أكبرُ مؤشِّرٍ على بلوغ أعلى درجات الملل. تُحزنني رؤيةُ العالم يتحرّكُ وأنا ساكنةٌ أفكّر في السنوات الأربع  التي هدرتُها من حياتي وأنا أتمُّ دراستي الجامعيّة وأفكّر في مدينتي التي لا يتجدّد فيها شيء إلّا المشكلات، خصوصًا البطالة.

عندما دخلتُ الجامعة كانت أحلامي تتراقص حولي. تعبتُ كثيرًا لأعيلَ أمّي وأختيَ الصّغرى. كنتُ أعدهما بأنّ أحوالنا ستتحسّن بعد أن أتخرّج. لم أكن أعلم أنّني سأكونُ ضحيّةً أخرى لكذبةٍ كبيرةٍ انساقَ خلفَها الكثيرون قبلي.

يدخل المحلَّ رجلٌ أربعينيّ. أساعده في إعداد باقةِ زهورٍ جميلة لزوجتِه في ذكرى زواجهما. يخرج، فتأخذني أفكاري نحوَكَ مرّةً أخرى: هل ستأتي اليومَ أيضًا عند السادسة؟ سأتعمّدُ البطءَ في إعداد الباقة بينما نتجاذبُ أطرافَ الحديث كما فعلنا يومَ الثلاثاء عندما سلّمتُكَ الباقةَ فقلتَ لي معتذرًا: “إنّها السادسة و النصف! يا لي من زبونٍ ثقيلٍ لا يكفّ عن الثرثرة.” ولكنّني لم أعرف بماذا أجيبك فبقيتُ صامتةً. تعمّدتَ المغادرةَ سريعًا في اليومين التّاليين رغمَ أنّني بدوتُ مهتمّةً بحديثِكَ وكنتُ كذلك فعلًا.

آملُ ألّا تغادرَ اليومَ قبلَ السادسة والنّصف ولكنَّ جلوسي في هذا المكان علّمني أن أقلّلَ احترامَ الوقت وأن أحترفَ إضاعتَه.

نصفُ ساعة أو خمسُ دقائق… هذا غيرُ مهمٍّ بالنّسبة إليّ. المهمّ أن تأتي!                                                             

***

إنّها السادسةُ إلّا ربعًا. أنهضُ من مكاني لأرشَّ الزُّهورَ بالماء من جديد، فتتجدّدُ رائحةُ العطر وتتغلغلُ في الهواء. أصبحَ صوتُ بياف مُضجِرًا بعد أن قضت كلَّ هذه السّاعات تغنّي. أسحبُ الشريط من المسجِّل، وأضع “فالس الربيع” لشوبّان.

أضعُ حقيبتي قرب الورود، وأراقب الساعةَ المدوّرةَ تتثاءب وتنقسمُ إلى نصفيْن متناظريْن. أنظر ناحيةَ الباب، لأجدَكَ تجتاز الشارع. يرتعش ظلُّكَ الملتصق بكَ على ضوءِ مصباح الليل، ثمّ تمتزجُ رائحةُ عطرِكَ برائحةِ المكان.

بدا عليكَ السّرور وأنا أخبرُكَ بأنّكَ الوحيد الذي نجح في تغييرِ رأيي في هذا الحيّ منذ أن انتقلتَ إليه، بعد أن كنتُ مقتنعةً بأنّ فكرة افتتاح محلّ الزّهور هنا هي أفشلُ فكرةٍ أتت بها صاحبةُ المحلّ. سررتُ بدوري وأنا أصغي إليكَ تتحدّثُ عن حيِّكَ القديم وبعضٍ من ذكريات طفولتِك.

انتهيتُ من إعداد الباقة عندما دقّت الساعة السادسة والرّبع وشعرتُ بالحزن وأنا أحيطُها بالشريطة وأقدّمها إليك. حاولتُ أن أسألكَ: “إلى أين تذهبُ أيّها الغريب حاملًا باقتَكَ وعطرَكَ؟” لكنّني خبّأتُ سؤالي، الذي يطاردُني في كلِّ مرّة من السادسة إلى ما بعدَ السادسة بكثير، في ابتسامةٍ خفيفةٍ وأنا أقول لكَ عند الباب: “وداعًا.”

عُدتُ إلى الزّهور أرشّها بالماء من جديد. وأخذتُ أفكّر: لعلّه سيعود صديقَه المريض. وماذا لو أنّه يحبُّ الزّهور، لا أكثر ولا أقلّ؟ ليس من الضروريّ أن تكونَ الباقةُ لفتاة!

***

إنّها السابعة صباحًا. أنهضُ من نومي. أُسرِعُ إلى المرآة لأغيّر تسريحةَ شعري. أفتحُ حقيبتي، فلا أجد جديدًا فيها. أهمس لنفسي: “سأضعُها على الكرسيّ هذه المرّة.”

أفتحُ البابَ و أمضي.

نغم داؤد*
وُلدتْ سنة 2000 في اللاذقيّة. تخرّجتْ من الثانويّة العامّة بدرجة امتياز. تتمّ حاليًّا دراستَها في جامعة تشرين في الكلّيّة الطبيّة.

آنا عكاش: لا رمّان في الجنّة

آنا عكاش – سوريا

بعد أن انتهى من صنع الجحيم قَرَر أن يَصْنع الجنَّة.نفخ الغيومَ، فأحبّ بياضَها وهضباتِها الطريّة. تمعّن فيها حين انتهى؛ فبدت مُضجرةً بلون نورِها الساطع. شيء ما كان ينقصُها، فكّر.أمسك بحفنةٍ من رمل البحر. عَجنها بجبروتِه، ثم سخّنها في أتون الجحيم القريب، وصيّرها زجاجًا شفّافًا. وبأصابعه، مدّ فروعَها وامتداداتها، فتحوّلتْ إلى شجرةٍ رقيقةٍ ومذهلة، خضراء كلون أمِّها الموجة.مع تحرّك يده وكُمّ عباءته الأثيريّة الطويلة، خُلقت الريح.

حرّكت الريحُ الورقاتِ، فكان حفيفُها كتساقط قطرات ماء. وهنا حصلت المعجزة: وردةٌ وحيدة بلون النار اختبأتْ في أحد الفروع. ذُهل حين رآها؛ فهو لم يكن يقصد خلقها. لقد خُلقتْ وحدها من عَدَمِ النار.قال: “ستكون هذه شجرةَ الجنة، لا شجرة سواها.”***آدم، المصنوع من طين الأرض، أحّب العبثَ والقفزَ على هَضبات الغيم الطريّة. كان غرًّا.لم يستغرق صنعُه سوى بضعة أيّام سماويّة، خلافًا لحوّاء، التي صُمِمَتْ لتكون وعاءً لماء الخلق.

مرّت الأيام السماويّة رتيبةً إلّا من ضحكات حوّاء وهي تتابع، بفرحٍ، زهرةَ النار وهي تتحوّل إلى ثمرة مستديرة، شفّافةٍ كبط في رحَمها.شعر آدم بالغيرة؛ فحوّاء ما عادت تلعب معه كالسابق. ما عادت تسايره في الركض بين الغيوم والاختباء عن عين الله. فقد انشغلتْ ببذرتها، وبتلك الثمرةِ الغريبة.

غضب آدم.فكَر: “الله يحبُّهما أكثرَ منّي، هي وتلك الثمرةَ الشفّافةَ ذاتَ الياقوت داخلها. سأحرّك عباءتي، وسأخلق الريحَ كما يفعل، وسأُسقط ثمرةَ النار الملعونة تلك. وإنْ سألني عن سبب سقوطها فسأقول له إنّها ريحُ العباءة.”لكنه نسي أنّه عارٍ، لا عباءةَ لديه.

***

نضجت الثمرة وراحت قشرتُها تتشقّق. فرحتْ حوّاءُ باقتراب اليوم الموعود، يوم تزرع الياقوتَ المتناثرَ على هضبات الغيم، ليُنبت شجرًا يُخرج ثمرًا حلوًا يلوِّن هذا البياضَ المضجر، ويملأ الجنّة أصواتًا جديدة لا تُشبه صوتَ الريح.وفعلًا استيقظ الله على صوتٍ لم يسمع مثيلًا له.نظر إلى الأعلى فرأى الغيمَ مثقوبًا. وفي الأسفل كانت كسراتُ زجاج الثمرة تغطّي أديمَ الأرض بالأحمر القاني، كذاك السائلِ الجاري في عروق مخلوقات الطين التي صنعتها يداه.رأى حوّاء تبكي قرب الشجرة السماويّة وبطنها خاوٍ. بحثَ عن آدم فلم يجده.ومنذ ذاك اليوم، لا رمّان في الجنَّة.

ميا كوتو: حرب المُهرجين



مياو كوتو – موزمبيق
ترجمة: راضي النماصي

 

نشب جدال بين مهرجَين ذات مرة، وتوقف الناس متفكهين لمشاهدتهما.

سألوا: “ما الأمر؟”

“لم (السؤال)؟ إنهما مهرجان يتجادلان فقط.

من سيأخذ أمرهما بجدية؟ تبادل الكوميديان الردود بينهما بسرعة وبشكل سخيف، وكان جدالهما لا يستند إلى منطق. كان الموقف برمته حماقة، ومضى يومٌ بأكمله.

استمر في القراءة ميا كوتو: حرب المُهرجين

رجل كبير بحجم قطعة الشوكولاتة

محمد صالح البحر*

   لم تتسع مخيلتي لأكثر من هذا، أن أفرد ذراعيّ عن آخرهما، وأن تثب قدماي لأعلي حتى أقف علي أطراف أصابعي فوق سور السطح، ومع الارتفاع الشاهق للعمارة التي أقطن بها ستبدو نظرتي أكثر عمقا، بحيث تظهر الأشياء صغيرة جدا، وفي حجمها الطبيعي.

استمر في القراءة رجل كبير بحجم قطعة الشوكولاتة

الزرافة التي أدركت أن كل شيء نسبي – المكسيك


Augusto Monterroso
Mexico
(December 21, 1921 – February 7, 2003)

ترجمة: محمد محمد خطابي

 


منذ زمن بعيد، وفي بلدٍ ناءٍ، كانت تعيش زرافةٌ ذات قامة متوسّطة، كان بالزرافة غفلة، إذ خرجتْ ذاتَ يوم من الغابة وتاهت، فلم تدرِ أين تسير، ولا أين تتّجه، فصارت تمشي على غير هدىً من هنا الى هنالك، حاولت البحث عن طريق العودة فلم تهتدِ إليه، وهكذا، ظلت تتجوّل في أرض الله الواسعة، حتى وجدت نفسَها في فجٍّ بين هضبتين حيث كانت تدور رَحىَ معركةٍ حاميةِ الوطيس. على الرّغم من أنَّ عددَ القتلى كان مرتفعاً في الطرفين، لم يستسلم المُتحاربان، ولم يسمحا بالتفريط في سنتيمتر واحد من الأرض التي كانا يذودان عنها. كان الضباّط يحثّون جيوشَهم على الصُّمود والإستمرار في القتال بضراوة، والسُّيوف مرفوعة إلى أعلى، في الوقت الذي كان الثلج يكتسب اللونَ الأرجواني بدم الجرحى.

استمر في القراءة الزرافة التي أدركت أن كل شيء نسبي – المكسيك

ذات مرة على جزيرة ما

محمد علام

 

– لم أعد أقو على مزيد من الحياة.

قالها ومات.

عندما تحلق أولاده الستة حوله، أخذوا ينظرون لبعضهم واجمين، وبعد دقائق من الصمت تقاسموا العمل حتى تمت تهيئته لرحيله الأخير. داخل صندوق من الخشب وضعوه. وفي حفرة لايزيد طولها عن المترين كان من المفترض أن يستقر فيها آخر بقايا وجوده الذي قارب السبعين عاماً أو يزيد. لكن أحدهم قال: هل نسيتم وصية والدنا؟ لقد أوصى بأن ندفن جثته في جوف النهر!

استمر في القراءة ذات مرة على جزيرة ما

ثلاث لوحات – شيخة حسن حليوي

 

شيخة حسن حليوي

 

 ناعم وأسود. وهي سوداء ناعمة. هذا الفستان الأسود الناعم يُشبهُ حياتي. أفتحُ خزانة الملابس فيطلُّ بعتمته ليُرتّب تفصيلا جديدا غاب مع الأيّام. إلى متّى سأحتفظُ بهِ؟حتّى تكتمل الصّورة والذكرى؟ وما حاجتي للذكرى؟ الصّورة. ليست مركّبة أو معقّدة وليست ناقصة أيضا. صار عمري سبعة عشر عاما. ابن عمّي يكبرني بثلاثة أعوام. أنا لا يقتلني الحبُّ. الانتظار يزعجني. انتظار حدث ما. الزّواج سدّ فراغ الانتظار. لا أكثر. صورة في غاية البساطة. لا أحتاجُ أكثر من دقيقة لأنهيها.تفاصيلُ اللوحات الثلاث قد تحتاجُ لساعتيّن. ولكن لا أحد يسأل تقريبا.وفستان الحنّاء أحببته أكثر من فستان الزفاف الّذي استعرته من ابنة عمّي.ينثال من الخزانة وتنثالُ معهُ روائح شتّى. تخمّرت بفعل الزمن وصارت تصفعُ الأنف بألف حكاية صغيرة. هل كان من اختياري؟ فستان الحنّاء أسود وأنا أعشقُ الأسود.

استمر في القراءة ثلاث لوحات – شيخة حسن حليوي

ماركيز: هكذا استعدتُ قصّتي من القمامة

جابرييل جارثيا ماركيز
ترجمة: صالح علماني

عدت مؤخراً إلى مكتبي في مكسيكو، حيث تركت منذ سنة كاملة عددا من القصص القصيرة غير المكتملة ورواية كنت قد بدأت بكتابتها وأحسست أني لم أجد طرف الخيط كي تكر اللفافة. بالنسبة للقصص القصيرة لم أجد أية مشكلة: لقد صارت إلى سلة المهملات. فبعد قراءتها اثر سنة من الغياب الصحي، أتجرأ على أن أقسم- وربما كنت محقا- بأنني لست كاتبها. إنها تشكل جزءاً من مشروع قديم يتألف من ستين قصة قصيرة أو أكثر تتناول حياة الأمريكيين اللاتينيين في أوروبا، وكان عيب هذه القصص الأساسي والسبب في تمزيقها هو أني نفسي لم أقتنع بها.

استمر في القراءة ماركيز: هكذا استعدتُ قصّتي من القمامة

قصص لماريو بينيديتي.. ترجمة صالح علماني

قصص لماريو بينيديتي 
ترجمة صالح علماني

حَلمَ أنه سجين

حلم ذلك السجين أنه سجين. مع بعض التلونات بالطبع، ومع اختلافات. فعلى جدار الحلم، مثلاً، يوجد ملصق من باريس؛ أما على الجدار الواقعي فلا وجود سوى لبقعة من الرطوبة. على أرضية الحلم تركض سحلية؛ أما على الأرضية الحقيقية، هنالك فأر ينظر إليه. حلم السجين أنه سجين. وأن أحداً يدلِّك له ظهره وأنه يبدأ، هو، بالشعور بأنه أحسن حالاً. ليس بمقدوره أن يرى من الذي يدلك ظهره، لكنه متأكد من أنها أمه، فهي خبيرة في هذا الأمر. من النافذة الواسعة تدخل شمس الصباح فيتلقاها كإشارة حرية. حين فتح عينيه، لم تكن هنالك شمس. والكوة ذات القضبان الحديدية (ثلاثة أشبار بشبرين) تطل على منور تهوية، على جدار ظلٍ آخر. السجين حلم أنه سجين. حلم أنه ظمآن وأنه يشرب ماءً مثلجاً بوفرة. وأن الماء يتدفق على الفور من عينيه على شكل بكاء. أنه يعي سبب بكائه، لكنه لا يعترف به حتى لنفسه. ينظر إلى يديه العاطلتين، وقد كانتا من قبل تشيِّدان أبداناً ووجوهاً من الجبس، سيقاناً، أجساداً متكاملة، نساء من المرمر. حين استيقظ، كانت عيناه جافتين، ويداه متسختين، والمفاصل صدئة، والنبض يطفر خبباً، والقصبات الرئوية بلا هواء، والسقف يدلف. عند بلوغه هذا الحدّ قرّر السجين أنه من الأفضل له أن يحلم أنه سجين. أغمض عينيه ورأى نفسه يحمل بين يديه صورة ميلاغروس.

استمر في القراءة قصص لماريو بينيديتي.. ترجمة صالح علماني

مدينة الحوائط اللانهائية: معادلة الإيهام واللاإيهام

محمد علاء
نقلًا عن إضاءات

علَّمتنا التكنولوجيا الحديثة، بمعاونة الظروف الاقتصادية التي تمر بها العامة، أرشفة الأحلام إلى لوائح رغبات نسعى لتحقيقها في الوقت المناسب. باتت تلك الفكرة مصاحبة لفئة كبيرة في الوقت الحالي: أماكن تود زيارتها، أفلام جذبتك قصتها المبدئية ونويت مشاهدتها في المستقبل، مقتنيات ما تبدو تافهة مقارنة بمتطلبات الفترة الآنية مرفقة إلى تأزم ميزانيتك المادية، وكذلك الكتب. الأخيرة تبدو أسهلهم في التنفيذ.

استمر في القراءة مدينة الحوائط اللانهائية: معادلة الإيهام واللاإيهام